1049 - 1050 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح اللام، القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم (بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعيد بن زُرارة الأنصاريَّة المدنيَّة، وقد مرَّت في باب «عرق الاستحاضة» [خ¦327] .
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ) امرأة (يَهُودِيَّةً) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمها (جَاءَتْ تَسْأَلُهَا) عطيَّةً (فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ) أي أجارك(مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ،
ج 5 ص 355
فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)مستفهمة عن قول اليهوديَّة ذلك؛ لكونها رضي الله عنها لم تعلمه قبل ذلك.
(أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟) بهمزة الاستفهام وبضم الياء وفتح الذال المعجمة المشددة، على البناء للمفعول. وفي «مسند السَّرَّاج» من حديث أشعث بن [أبي] الشَّعثاء، عن أبيه، عن مسروق قال دخلت يهوديَّة على عائشة رضي الله عنها فقالت لها سمعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شيئًا في عذاب القبر؟ فقالت عائشة رضي الله عنها لا، وما عذاب القبر؟ قالت فسليه، فجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة رضي الله عنها عن عذاب القبر فقال صلى الله عليه وسلم (( عذاب القبر حقٌّ ) )قالت فما صلَّى بعد ذلك صلاة إلَّا سمعته يتعوَّذ من عذاب القبر.
وفي حديث منصور عن أبي وائل عن مسروق عنها قالت دخل عليَّ عجوزتان من عُجُزِ اليهود، فقالتا إنَّ أهل القبور يعذَّبون في قبورهم، فكذَّبتهما ولم أصدِّقهما، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له دخل عليَّ عجوزتان من عُجُز اليهود فقالتا إنَّ أهل القبور يعذَّبون في قبورهم فقال (( إنَّهم ليعذبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم ) ).
وفي هذا دليل على أنَّ اليهوديَّة كانت تعلم عذاب القبر إمَّا سمعت ذلك من التَّوراة، أو من كتاب من كتبهم. فإن قيل هل كان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك، وكان يتعوَّذ، ولم تشعر به عائشة رضي الله عنها، أو سمع ذلك من اليهوديَّة؟
فالجواب أنَّ الطَّحاوي نقل أنَّه صلى الله عليه وسلم سمع من اليهوديَّة ذلك، فارتاع من ذلك، ثمَّ أُوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر، أو أنَّه صلى الله عليه وسلم لما رأى استغراب عائشة رضي الله عنها حيث سمعت ذلك من اليهوديَّة، وسألته عنه؛ أعلن به بعد ما كان يسرُّ؛ ليترسَّخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا منه على خيفة، نقله التُّوربشتي عنه.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِذًا بِاللَّهِ) مصدر على وزن فاعل كما في قولهم عافاه الله عافية، وتقديره أعوذ عائذًا بالله؛ أي أعوذ عياذًا بالله، ويجوز أن يكون اسم فاعل منصوبًا على الحال تقديره أعوذ حال كوني عائذًا بالله. وروي بالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي أنا عائذ بالله.
(مِنْ ذَلِكَ) أي من عذاب القبر.
(ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ) لفظة «ذات» زائدة. وقال الدَّاودي لفظة «ذات» بمعنى في؛ أي في غداة، وردَّ عليه ابن التِّين بأنَّه غير صحيح، بل تقديره في ذات غداة.
وقال العينيُّ الصَّواب معه، إذ لم يقل أحد أنَّ «ذات» بمعنى في، ويجوز أن يكون من باب إضافة المسمَّى إلى اسمه.
(مَرْكَبًا) بفتح الكاف (فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء والسين
ج 5 ص 356
المفتوحتين (فَرَجَعَ ضُحًى) بضم الضاد مقصور منون، وهو ارتفاع النَّهار (فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْحُجَرِ) بفتح الظاء المعجمة وزيادة الألف والنون على التثنية، والحُجَر _ بضم الحاء المهملة وفتح الجيم _ جمع حجرة، والمراد بها بيوت أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكلمة «ظهراني» مقحمة، والمراد بين الحجر.
(ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) صلاة الكسوف (وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ) يصلُّون (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) قرأ فيه نحو سورة البقرة (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آية (ثُمَّ رَفَعَ) رأسه من الرُّكوع.
(فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) قرأ فيه نحو سورة آل عمران، وفي رواية ، وفي رواية سقط قوله «ثمَّ رفع» (وَهْوَ) أي القيام الثَّاني (دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ) وفي نسخة فتأمَّل.
(ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه نحو ثمانين آية (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ) رأسه منه (فَسَجَدَ) بفاء التعقيب، وفيه دلالة على عدم إطالة الاعتدال بعد الركوع الثَّاني.
(ثُمَّ قَامَ) بعد ما سجد سجدتين (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) قرأ فيه نحو سورة النِّساء (وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ) من الرَّكعة الأولى (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر سبعين آية (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) الذي هو الثَّاني من الرَّكعة الأولى فتفطَّن.
(ثُمَّ رَفَعَ) رأسه منه (فَسَجَدَ) ظاهره أنَّ الثَّانية لم يقم فيها قيامين، ولا ركع ركوعين، والظَّاهر أنَّ الرَّاوي اختصر. وقد وقع في «فرع اليونينية» أي من الرُّكوع، وفي رواية اختلف هل المراد به القيام الأوَّل من الثَّانية، أو هو الجميع، فيكون كل قيام دون الذي قبله. ومن ثمه اختلف في القيام الأوَّل من الثَّانية وركوعه.
وسيأتي مزيد لذلك في باب «الرَّكعة الأولى في الكسوف أطول» [خ¦1064] إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه نحو خمسين آية، (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ) بفاء التعقيب أيضًا (وَانْصَرَفَ) من صلاته بعد التشهُّد والتَّسليم (فَقَالَ)
ج 5 ص 357
صلى الله عليه وسلم (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ) ممَّا ذكر في حديث عروة [خ¦1044] من أمره لهم بالصَّلاة والصَّدقة والذِّكر، ونحو ذلك (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وهذا هو موضع التَّرجمة على ما لا يخفى.
ومناسبة التَّعوذ عند الكسوف أنَّ ظلمة النَّهار بالكسوف يشابه ظلمة القبر، وإن كان نهارًا، والشيء بالشيء يُذكَر، فيُخاف من هذا كما يخاف من ذاك، قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية» .
وفي الحديث أنَّ عذاب القبر حقٌّ يجب الإيمان به، وقد دلَّ القرآن في مواضع على أنَّه حق. وقد خرَّج ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه 124] قال (( عذاب القبر ) ).
وروى التِّرمذي عن عليٍّ رضي الله عنه قال ما زلنا في شكٍّ في عذاب القبر حتَّى نزلت {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر 1 - 2] .
وقال قتادة والرَّبيع بن أنس في قوله تعالى {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة 101] أن أحدهما في الدُّنيا، والآخر عذاب القبر، وأهل السنَّة مجمعون على الإيمان به والتَّصديق، ولا ينكره إلَّا مبتدع، وإن من لا علم له بذلك يأثم، وإن مَن سمع بذلك وجب عليه أن يسأل أهل العلم؛ ليعلم صحَّته.
وفيه أيضًا أنَّ حال عذاب القبر عظيم، فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالتعوُّذ منه.
وفيه أيضًا أن وقت صلاة الكسوف وقت الضُّحى على ما صلَّى صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت بحسب حصول الكسوف فيه. والعلماء اختلفوا فيه
فقال ابن التِّين أوَّل وقته وقت جواز النَّافلة. وأمَّا آخره فقال مالك إنَّها إنَّما تصلَّى ضحوة النَّهار، ولا تصلَّى بعد الزَّوال، فجعلها كالعيدين، وهي رواية ابن القاسم عنه.
وروى عنه ابن وهب تصلَّى في وقت صلاة النَّافلة، وإن زالت الشَّمس، وعنه لا تصلَّى بعد العصر، ولكن يجتمع النَّاس فيدعون ويتصدَّقون ويرغبون إلى الله تعالى.
وقال الكوفيُّون لا تُصلَّى في الأوقات المنهيِّ عن الصَّلاة فيها؛ لورود النَّهي بذلك، وتصلَّى في سائر الأوقات، وهو قول ابن أبي مليكة وعطاء وجماعة.
وقال الشَّافعي رحمه الله تُصلَّى في كلِّ وقت نصف النَّهار، وبعد العصر والصُّبح، وهو قول أبو ثور، وابن الجلاب المالكي.
وقال أصحابنا
ج 5 ص 358
الحنفيَّة وقتها المستحبُّ كسائر الصَّلوات، ولا تُصلَّى في الأوقات المكروهة، وبه قال الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعمرو بن شعيب، وقتادة، وأيوب، وإسماعيل ابن عُليَّة، وأحمد.
وقال إسحاق يصلُّون بعد العصر ما لم تصفر الشَّمس، وبعد صلاة الصُّبح، ولو كسفت في الغروب لم تصلَّ إجماعًا، ولو طلعت مكسوفة لم تصلَّ حتىَّ تحل النَّافلة، وبه قال مالك وأحمد وآخرون.
وقال ابن المنذر وبه أقول خلافًا للشَّافعي رحمه الله.
ج 5 ص 359