1071 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد (قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّختياني.
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ) أي في آخر سورة النَّجم، وزاد الطَّبراني في «الأوسط» من هذا الوجه بمكَّة.
ويُستفاد من ذلك أنَّ قصَّة ابن مسعود السَّابقة وابن عبَّاس رضي الله عنهم متَّحدة، قيل وإنَّما سجد النَّبي صلى الله عليه وسلم لما وصفه الله تعالى في مفتتح السُّورة بأنَّه {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3 - 4] وذكر بيان قربه
ج 5 ص 396
منه تعالى، وأنَّه رأى من آيات ربِّه الكبرى، وأنَّه {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم 17] فشكر الله تعالى على هذه النِّعمة العظمى، فسجد.
(وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ) الحاضرون من الفريقين، وقد تقدَّم من وجوه سجود المشركين مع المسلمين ما هو حق، وما هو باطل.
وقال القاضي عياض كان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه أنَّها أوَّل سجدة أُنزلت، واستشكل ذلك كما تقدَّم [خ¦1067] بأنَّ أول سورة أنزلت {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق 1] بالاتِّفاق وفيها أيضًا سجدة فهي سابقة على النَّجم.
وأُجيب كما سبق أيضًا بأنَّ السَّابق من هذه السُّورة أوائلها، وأمَّا بقيَّتها فنزلت بعد ذلك بدليل قصَّة أبي جهل في نهيه النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة، أو المراد أول سورة استعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم و {النَّجم} كما رواه ابن مردويه في «تفسيره» .
وقوله (والجن والإنس) هو إجمال بعد تفصيل، كما في قوله تعالى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة 196] قاله الكرماني.
وزاد صاحب «اللَّامع الصَّبيح» أو تفصيل بعد إجمال؛ لأنَّ كلًا من المسلمين والمشركين شامل للإنس والجن، فإن قيل من أين علم الرَّاوي أنَّ الجن سجدوا؟
فالجواب أنَّه يحتمل أن يكون عَلِمه بإخبار الرَّسول، ويحتمل أن يكون علمه بإزالة الحجاب؛ لأنَّ رؤية الإنس للجن جائزة عند أهل السنَّة، وأنكرت المعتزلة ذلك واستدلَّ بعضهم بقوله تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف 27] مع قوله {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف 50] وأجاب أهل السنَّة بأنَّ هذا خرج مخرج الغالب في عدم رؤية الإنس الجن أو الشَّياطين.
وقد ثبت في الأحاديث الصَّحيحة رؤية النَّبي صلى الله عليه وسلم الشَّيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأنَّه خنقه حتَّى وجد برد لسانه، وأنَّه قال لولا دعوة سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد ... الحديث [خ¦461] .
وثبت في «الصَّحيح» رؤية أبي هريرة رضي الله عنه له لمَّا دخل ليسرق تمر الصَّدقة، وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه تدري مَن يخاطب منذ ثلاث؟ وقال فيه (( صدقك وهو كذوب ) ) [خ¦2311] ، لكنَّ أبا هريرة رضي الله عنه رأى في صورة مسكين على هيئة الإنس وهو دالٌّ على أنَّ الشَّياطين والجن يتشكَّلون في غير صورهم كما تتشكَّل الملائكة في هيئة الآدميِّين.
وقد نصَّ الله تعالى في كتابه على عمل الجن لسليمان عليه السَّلام
ج 5 ص 397
ومخاطبتهم له في قوله تعالى {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ} [النمل 39] الآية، ومثل هذا لا يُنكر مع تصريح القرآن بذلك وثبوت الأحاديث الصَّحيحة.
ثمَّ إنَّه احتجَّ بهذا الحديث أبو حنيفة والثَّوري والشَّافعي وأحمد وإسحاق وعبد الله بن وهب وابن حبيب المالكيِّ على أنَّ سورة النَّجم فيها سجدة.
وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة وطاوس ومالك ليس في سورة النَّجم سجدة، واحتجُّوا بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه الآتي [خ¦1072] في الباب التَّالي وسنذكر الجواب عنه عند ذكره.
ورُوِي في هذا الباب عن جماعة منهم أبو هريرة رضي الله عنه عند أحمد قال سجد النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في النَّجم إلَّا رجلين من قريش أرادا بذلك الشُّهرة. ورجال إسناده ثقات.
ومنهم أبو الدَّرداء رضي الله عنه أخرج حديثه التِّرمذي من رواية أمِّ الدَّرداء عنه قال سجدت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة منها التي في النَّجم.
ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخرجه الطَّبراني في «الكبير» من رواية مصعب بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قرأ {والنَّجم} بمكَّة، فسجد وسجد النَّاس معه حتَّى إنَّ الرَّجل ليرفع إلى جبينه شيئًا من الأرض فيسجد عليه، وحتَّى يسجد على الرَّجل.
ومصعب بن ثابت مختلف فيه، ضعَّفه أحمد وابن معين ووثَّقه ابن حبَّان، وقال أبو حاتم صدوق كثير الغلط.
ومنهم المطَّلب بن أبي وداعة أخرج حديثه النَّسائي بإسناد صحيحٍ من رواية ابنه جعفر بن المطَّلب عنه قال قرأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة سورة النَّجم فسجد وسجد من معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن يومئذ أسلم المطَّلب.
ومنهم عمرو بن العاص رضي الله عنه أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن نُمير عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصَّل.
ومنهم عائشة رضي الله عنها أخرج حديثها الطَّبراني في «الأوسط» من رواية عبد الرَّحمن بن بشير، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنَّجم، فلمَّا بلغ السَّجدة سجد. وعبد الرَّحمن بن بشير منكر الحديث.
ومنهم عَمرو الجني أخرج حديثه الطَّبراني أيضًا من رواية عثمان بن صالح قال حَدَّثني عمرو الجني قال كنت عند النَّبي صلى الله عليه وسلم فقرأ
ج 5 ص 398
سورة النَّجم فسجد فيها.
قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وعثمان بن أبي صالح شيخ البخاري لم يُدرك أحدًا من الصَّحابة، فإنَّه توفي سنة تسع عشرة ومائتين إلَّا أنَّه ذكر أنَّ عمرًا هذا من الجنِّ، وقد نسبه أبو موسى في «ذيله في الصَّحابة» عمرو بن طلق. وقال الذَّهبي عمرو الجني قيل هو ابن طلق. وقال والعجب أنَّهم يذكرون الجنَّ من الصَّحابة ولا يذكرون جبريل وميكائيل.
وقال العيني الجنُّ آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مرسل إليهم، والملائكة ينزلون بالرِّسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ حديث الباب أخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» أيضًا [خ¦4862] ، وأخرجه التِّرمذي في «الصَّلاة» وقال حسن صحيحٌ.
ثمَّ إنَّ الظَّاهر أنَّ حديث الباب من مراسيل ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن الصَّحابة رضي الله عنهم فإنَّه لم يشهد تلك القصَّة، خصوصًا إن كانت قبل فرض الصَّلاة، لكن مراسيل الصَّحابة مقبولة على الصَّحيح، والظَّاهر أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما سمعه من النَّبي صلى الله عليه وسلم يحدِّث به، والله أعلم.
خاتمة روى البزَّار عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كُتِبت عنده سورة النَّجم، فلمَّا بلغ السَّجدة سجد وسجدنا معه وسجدت الدَّواة والقلم. وإسناده صحيح.
وروى الدَّارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه سجد النَّبي صلى الله عليه وسلم بآخر النَّجم والجن والإنس والشَّجر.
(وَرَوَاهُ) أي هذا الحديث (ابْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء وسكون الهاء وبالنون، هو ، كما في نسخة، وقد مرَّ في باب «تعليق القنو في المسجد» [خ¦421] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني، وأخرج الإسماعيلي متابعته من حديث حفص عنه.