1078 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد (قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) على صيغة اسم الفاعل
ج 5 ص 414
هو ابن سليمان التَّيمي، وقد مرَّ في باب «من خصَّ بالعلم قومًا» [خ¦129] (قَالَ سَمِعْتُ) وفي رواية بالإفراد (أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيمي.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (بَكْرٌ) هو ابن عبد الله المزني (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيع _ بضم النون وفتح الفاء _ (قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (الْعَتَمَةَ) أي صلاة العشاء (فَقَرَأَ) سورة ( {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فَسَجَدَ) عند آخر آية السَّجدة منها (فَقُلْتُ) له (مَا هَذِهِ) السَّجدة التي سجدت بها في الصَّلاة؟
(قَالَ سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في داخل الصَّلاة، كما في رواية أبي الأشعث عن معمر (فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) بالقاف؛ أي حتَّى أموت؛ لأنَّ المراد لقاء رسول الله وذلك لا يكون إلَّا بالموت.
استدلَّ به الثَّوري وأبو حنيفة والشَّافعي وأحمد على أنَّ من قرأ سجدة في صلاته لا بأس أن يسجد فيها، وكره مالك ذلك في الفريضة الجهريَّة والسريَّة.
وقال ابنُ حبيب لا يقرأ الإمام السَّجدة فيما يسرُّ به، ويقرأها فيما يجهر فيه. وذكر الطَّبري عن أبي مجلز أنَّه كان لا يرى السُّجود في الفريضة، وزعم أنَّ ذلك زيادة في الصَّلاة، ورأى أنَّ السُّجود فيها غير الصَّلاة، وحديث الباب يردُّ عليه، وعمل السَّلف من الصَّحابة وعلماء الأمَّة.
ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنَّه صلَّى الصُّبح فقرأ {وَالنَّجْمِ} فسجد فيها، وقرأ مرَّة في الصُّبح الحج فسجد فيها سجدتين. وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه في السُّورة يكون آخرها سجدة إن شئتَ سجدت بها، ثمَّ قمت وقرأتَ فركعتَ وإن شئتَ ركعت بها.
وقال الطَّحاوي إنَّما قرأ الشَّارع السَّجدة في العتمة والصُّبح، وهذا فيما يجهر فيه، وإذا سجد في قراءة السرِّ لم يُدرَ أسجد للتِّلاوة أم لغيرها.
وقال صاحب «الهداية» وإذا قرأ الإمام آية السَّجدة سجدها، وسجد المأموم معه، وإذا تلا المأموم وسمعها الإمام والقوم لم يسجد الإمام ولا المأموم في الصَّلاة بالاتفاق، ولا بعد الفراغ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمَّد يسجدونها بعد الفراغ، انتهى.
ويستدلُّ بسجوده صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة بسجدة التِّلاوة على التسوية بين الفريضة والنَّافلة، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وفرَّق المالكيَّة بين صلاة الفرض والنَّافلة، فإن كان في النَّافلة فيسجد لقراءة نفسه سواء كان منفردًا أو إمامًا إن أمن التَّخليط
ج 5 ص 415
عليهم، فإن لم يأمن التَّخليط عليهم لا يسجد، وأمَّا الفريضة فالمشهور عندهم أنَّه لا يسجد فيها سواء كانت سريَّة أو جهريَّة، وسواء كان منفردًا أو في جماعة.
وقال البيهقي في «الخلافيَّات» وحُكِي عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه لا يسجد للتِّلاوة في الصَّلاة السريَّة.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي هذا مشكلٌ مع قول أبي حنيفة رحمه الله بوجوب سجود التِّلاوة، فإن كان يقول إنَّه لا يسجد لقراءتها، كما حكاه البيهقي عنه فهو مشكلٌ، وإن قال إنَّه لا يقرأ آية السَّجدة كما حكاه ابن العربي عنه، فهو أقرب إلَّا أنَّ الحنفيَّة قالوا إنَّه يكره أن يقرأ السُّورة التي فيها السَّجدة، ولا يسجد بها في صلاة كانت أو في غيرها؛ لأنَّه كالاستنكاف عن السُّجود، فعلى هذا فالاحتياط على قولهم إنَّه لا يقرأ في الصَّلاة السريَّة سورة فيها سجدة.
وفي «الهداية» قال لا بأس أن يقرأ آية السَّجدة ويدعَ ما سواها، قال محمَّد وأحبُّ إلي أن يقرأ قبلها آية أو آيتين دفعًا لتوهم التَّفضيل، واستحسن المشايخ إخفاءها شفقة على السَّامعين.
وفي «المحيط» إذا كان التَّالي وحده يقرأ كيف شاء جهر أو أخفى، وإن كان معه جماعة قال مشايخنا إن كانوا متهيِّئين للسُّجود ووقع في قلبه أنَّه لا يشقُّ عليهم أداؤها ينبغي أن يجهر حتَّى يسجد القوم معه، وإن كانوا محدِثين ونظر أنَّهم لا يسجدون، أو يشقُّ عليهم أداؤها ينبغي أن يقرأها في نفسه ولا يجهر تحرُّزًا عن تأثيم المسلم.
هذا وكلُّ ذلك مبنيٌّ على وجوب سجدة التِّلاوة، ثمَّ إنَّه استدلَّ بأحاديث سجود التِّلاوة على أنَّه لا يقوم الرُّكوع مقام سجود التِّلاوة، وبه قال مالك والشَّافعي وأحمد رحمهم الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله يقوم الرُّكوع مقام سجود التِّلاوة استحسانًا لقوله تعالى {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص 24] .
وفي «الينابيع» إن كانت السَّجدة في آخر السُّورة فالأفضل أن يركع بها، وإن كانت في وسطها فالأفضل أن يسجد ثمَّ يقوم فيختم السُّورة، ثمَّ يركع، وإن كانت في أواخر السُّورة وبعدها آيتان أو ثلاث فإن شاء أتمَّ السُّورة وركع، وإن شاء سجد ثمَّ قام فأتمَّ السُّورة، فإن ركع بها يحتاج إلى النيَّة عند الرُّكوع بها، فإن لم يوجد منه النيَّة عند الرُّكوع بها لا يجزئه عن السَّجدة، ولو نوى
ج 5 ص 416
في ركوعه فقيل يجزئه، وقيل لا يجزئه.
واستدلَّ أيضًا بأحاديث سجود المستمع لآية السَّجدة على أنَّه لا فرق بين أن يسمعها ممَّن هو أهل للإمامة، أو لا، كما لو سمعها من امرأة أو صبيٍّ أو خنثى مُشكل أو كافر أو محدِث، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله.
وعند الشَّافعية كذلك على ما ذكره النَّووي في «الرَّوضة» وقال هو الأصح، وليس في عبارة الرَّافعي تصريح بالتَّصحيح له، ولكنَّه لما ذكر عبارة الغزالي في «الوجيز» قال ظاهر اللَّفظ يشمل قراءة المحدث والصَّبي والكافر، ويقتضي شرعيَّة السُّجود للمستمع لقراءته.
وحكى الرَّافعي قبل هذا عن صاحب «البيان» أنَّه لا يسجد المستمع لقراءة المحدِث، ثمَّ ذكر بعد ذلك عن الطَّبري في «العدَّة» أنَّه لا يسجد المستمع لقراءة الكافر والصَّبي.
وحكى ابن قدامة في «المغني» عن الشَّافعي وأحمد وإسحاق أنَّه لا يسجد لقراءة المرأة والخنثى المشكل رواية واحدةً، وحُكِي عن أحمد وجهان فيما إذا كان القارئ صبيًّا، وذهبت المالكيَّة أيضًا إلى أنَّه لا يسجد لاستماع قراءة من ليس أهلًا للإمامة. وقال الثَّوري إذا سمع آية السَّجدة من امرأة تلاها السَّامع وسجد. وقال اللَّيث إذا سمعها من غلام سجد.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي ذكر بعض أصحابنا أنَّ القارئ إذا كان ممَّن يمتنع عليه القراءة كالجُنب والسَّكران لم يسجد المستمع لقراءته، وبه جزم القاضي حسين في «فتاواه» .
ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريُّون، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود والنَّسائي.