فهرس الكتاب

الصفحة 1726 من 11127

1085 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكي، وقد تكرَّر ذكره (قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مصغَّر، وهب هو ابن خالد أبو بكر، وقد مرَّ في باب «من أجاب الفتيا في العلم» [خ¦84] (قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني السَّابق ذكره مرارًا (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ) من العلو _ بالمهملة _ (الْبَرَّاءِ) بفتح الموحدة وتشديد الراء وبالمد، كان يبري النَّبل أو القصب، واسمه زياد بن فيروز، على الأصح. قال الغسَّاني أبو العالية اثنان تابعيَّان بصريَّان يرويَّان عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أحدهما اسمه رُفَيع _ بضم الراء وفتح الفاء _ الرِّياحي، ويتميَّز أبو العالية زياد بالبرَّاء.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ) مكَّة يوم الأحد (لِصُبْحِ رَابِعَةٍ) أي وقت صبح ليلة رابعة من ذي الحجَّة (يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ) أي حال كونهم محرمين بالحجِّ، فالتلبية كناية عن الإحرام (فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي يجعلوا حجَّتهم.

(عُمْرَةً) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذِّكر؛ لأنَّ قوله «بالحجِّ» يدلُّ على الحجَّة كما في قوله تعالى {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة 8] أي العدل (إِلَّا مَنْ مَعَهُ) وفي رواية (هَدْيٌ) بفتح الهاء وسكون الدال، ما يُهدى إلى الحرم من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى، وفي رواية معرفًا باللام، وإنَّما استثنى صاحب الهدي؛ لأنَّه لا يجوز له التحلُّل حتَّى يبلغ الهدي محلَّه.

وقد مضى حديث أنس رضي الله عنه أنَّ مقامه صلى الله عليه وسلم بمكَّة في حجته كان عشرة أيَّام [خ¦1081] ، وبيَّن في هذا الحديث أنَّه قدم مكَّة رابعة ذي الحجَّة، وكان يوم الأحد فصلَّى الصُّبح بذي طوى، واستهلَّ ذي الحجَّة في ذلك العام ليلة الخميس، فأقام بمكَّة ليلة الأحد إلى ليلة الخميس، ثمَّ نهض ضحوة يوم الخميس إلى منى فأقام بها باقي نهاره وليلة الجمعة، ثمَّ نهض يوم الجمعة إلى عرفات؛ أي بعد الزَّوال وخطب بقرب عرفات وبقي بها إلى الغروب، ثمَّ أفاض ليلة السَّبت إلى المزدلفة فأقام بها إلى أن صلَّى الصُّبح، ثمَّ أفاض منها قبل طلوع الشَّمس يوم السَّبت، وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى، فرمى جمرة العقبة ضحوة، ثمَّ نهض إلى مكَّة ذلك اليوم فطاف بالبيت قبل الزَّوال، ثمَّ رجع من يومه إلى منى فأقام بها باقي يوم السَّبت والأحد والاثنين

ج 5 ص 434

والثلاثاء، ثمَّ أفاض بعد ظهر الثُّلاثاء وهو آخر أيَّام التَّشريق إلى المُحصَّب، فصلَّى به الظُّهر وبات فيه ليلة الأربعاء، وفي تلك اللَّيلة اعتمرت عائشة رضي الله عنها من التَّنعيم، ثمَّ طاف طواف الوداع سحرًا قبل صلاة الصُّبح من يوم الأربعاء وهو صبيحة رابع عشرة، وأقام عشرة أيَّام كما ذُكِر في حديث أنس رضي الله عنه [خ¦1081] ، وبهذا يطابق الحديث للتَّرجمة. وكان خروجه من المدينة إلى مكَّة لأربع بقين من ذي القعدة، وصلَّى الظُّهر بذي الحليفة وأحرم بأثرها.

وهذا كله مستنبط من قوله «قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجَّة» .

ومن الحديث الذي جاء فيه أنَّ يوم عرفة كان يوم جمعة، وفيه نزلت {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة 3] واستدلَّ بهذا الحديث أحمد وداود وأصحابه على جواز فسخ الحجِّ للعمرة، وهو مذهب ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّه روي أنَّه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يجعلوا حجَّتهم عُمرة إلَّا من كان ساق الهدي. ولا يجوز ذلك عند جمهور العلماء من الصَّحابة وغيرهم رضي الله عنهم.

قال ابن عبد البر ما أعلم من الصَّحابة من يجيز ذلك إلَّا ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وتابعه أحمد وداود. وأجاب عنه الجمهور بأنَّ ذلك خُصَّ به أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّه لا يجوز اليوم، والدَّليل على أنَّ ذلك خاصٌّ بالصَّحابة الذين حجُّوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم ما رواه أبو داود نا النُّفيلي، قال نا عبد العزيز بن محمَّد، قال أخبرني ربيعة بن عبد الرَّحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال قلت يا رسول الله فسخ الحجُّ لنا خاصَّة أو لمن بعدنا قال (( بل لكم خاصَّة ) ). وأخرجه ابن ماجه والطَّحاوي أيضًا.

وروى الطَّحاوي أيضًا نا ابن أبي عمران، قال نا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال نا عيسى بن يونس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن المُرَقِّع [1] بن صَيْفي، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال إنَّما كان فسخ الحجِّ للرَّكب الذين كانوا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج الطَّحاوي هذا من سبع طُرق.

وأخرجه ابن حزمٍ من طريق المُرقِّع وقال المُرقِّع مجهولٌ، وقد خالفه ابن عبَّاس وأبو موسى رضي الله عنهما فلم يريا ذلك خاصَّة. ولا يجوز أن يُقالَ في سنة ثابتة إنَّها خاصَّة لقوم دون قوم إلَّا بنصِّ قرآن أو سنَّة صحيحة.

وقال العيني

ج 5 ص 435

هذا مردود بأنَّ سائر الصَّحابة رضي الله عنهم ما وافقوه على هذا، والمُرَقِّع معروفٌ غير مجهول، وقد روى عنه مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، ويونس بن أبي إسحاق، وموسى بن عقبة، وعبد الله بن ذكوان، ووثَّقه ابن حبَّان، واحتجَّ به أبو داود والنَّسائي وابن ماجه. وعن أحمد حديث أبي ذرٍّ من أنَّ فسخ الحجِّ في العمرة خاصَّة للصَّحابة رضي الله عنهم صحيح.

(تَابَعَهُ) أي تابع أبا العالية (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح في روايته (عَنْ جَابِرٍ) أي ابن عبد الله (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وقد أخرج البخاري هذه المتابعة موصولة في باب «التمتُّع والقران والإفراد» من كتاب «الحج» [خ¦1564] ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

[1] في هامش الأصل المُرَقِّع بضم الميم وفتح الراء وتشديد القاف المكسورة وفي آخره عين مهملة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت