1095 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) النَّرسي الباهلي البصري، وقد مرَّ في باب «الجنب يخرج في الغسل» [خ¦284] (قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، هو ابن خالد البصري (قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاش الأسدي، وقد مرَّ في باب «إسباغ الوضوء» [خ¦139] .
(عَنْ نَافِعٍ، قَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ) في السَّفر، وصرَّح به في حديث الباب الذي بعده (وَيُوتِرُ) أي يصلِّي الوتر (عَلَيْهَا) أي على الرَّاحلة (وَيُخْبِرُ) ابن عمر رضي الله عنهما.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ) أي ما ذكر، وقد احتجَّ عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما بهذا الحديث وأمثاله على أنَّ
ج 5 ص 465
المسافر يجوز له أن يصلِّي الوتر على راحلته، وبه قال مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق، ويروى ذلك عن عليٍّ وابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكان مالك يقول لا يصلَّى على الرَّاحلة إلَّا في سفرٍ تُقصرُ فيه الصَّلاة.
وقال الأوزاعي والشَّافعي قصير السَّفر وطويله سواء في ذلك يصلِّي على راحلته. وقال ابنُ حزم يوتر المرء قائمًا وقاعدًا لغير عذرٍ إن شاء وعلى دابَّته.
وقال أصحابنا رحمهم الله لا يجوز الوتر على الرَّاحلة، ولا يجوز إلَّا على الأرض، كما في الفرائض، وبه قال محمَّد بن سيرين وعروة بن الزُّبير وإبراهيم النَّخعي، ويروى ذلك عن عمر بن الخطَّاب وابنه عبد الله في روايةٍ رضي الله عنهما.
واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطَّحاوي بإسناده عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يصلِّي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل. وإسناده صحيحٌ، فهذا يعارض حديث الباب وأمثاله.
ويؤيِّد هذا ما رُوِي عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير هذا الوجه من فعله روى الطَّحاوي، قال نا أبو بكرة، قال نا عثمان بن عمر وبكر بن بكَّار قالا حدَّثنا عمر بن ذرٍّ، عن مجاهد أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلِّي في السَّفر على بعيره أيْنَما توجَّه به، فإذا كان في السَّحر نزل فأوتر. وإسناده صحيحٌ.
وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده» من حديث سعيد بن جبير أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلِّي على راحلته تطوُّعًا، فإذا أراد أن يوترَ نزل فأوتر على الأرض. فإذا كان الأمر كذلك لا يبقى لأهل المقالة الأولى حجَّة، ولاسيَّما الرَّاوي إذا فعل بخلاف ما روى، فإنَّه يدلُّ على سقوط ما روى.
فإن قيل صلاة ابن عمر رضي الله عنهما الوتر على الأرض لا يستلزم عدم جوازه عنده على الرَّاحلة؛ لأنَّه يجوز له أن يفعل كذلك، وله أن يوتر على الرَّاحلة. ويحتمل أن يٌنزَّلَ فعل ابن عمر رضي الله عنهما على حالين فحيث أوتر على الرَّاحلة كان مجدًّا في السَّير، وحيث نزل فأوتر على الأرض كان بخلاف ذلك.
فالجواب أنَّ ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من وتره على الرَّاحلة كان قبل أن يُحكَم أمر الوتر ويغلَّظ شأنه، فإنَّه كان أولًا كسائر التطوُّعات، ثمَّ أُكِّد بعد ذلك فنُسخ.
قال الطَّحاوي فمن هذه الجهة ثبت نسخ الوتر على الرَّاحلة، وكان ما فعله ابنُ عمر رضي الله عنهما من وتره على الرَّاحلة قبل علمه بالنَّسخ، ثمَّ لمَّا عَلِمه رجع عنه وترك الوتر على الرَّاحلة،
ج 5 ص 466
ويجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوُّع، فله أن يصلِّي على الرَّاحلة وعلى الأرض. فإن قيل ما وجه هذا النَّسخ؟
فالجواب أنَّه إذا كان أحد النَّصين معارِضًا للآخر بأن يكون أحدهما موجبًا للحظر والآخر للإباحة، ولم يُعلم بالتَّاريخ جعل الموجب للحظر متأخِّرًا عن الموجب للإباحة؛ لئلا يلزم تكرار النَّسخ على ما عُرف في موضعه، والله أعلم.
فإن قيل رُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ثلاث هنَّ عليَّ فرائض وهنَّ لكم تطوُّع الوتر، والتهجُّد، وركعتا الفجر ) )رواه أحمد في «مسنده» ، والحاكم في «مستدركه» والدَّارقطني والطَّبراني والبيهقي، ولفظ البيهقي (( وركعتا الضُّحى ) )فإذا كان واجبًا عليه بالخصوصيَّة صحَّ فعله على الرَّاحلة، ولو كان واجبًا على العموم لم يصحَّ على الرَّاحلة كالظُّهر، وقد ثبت فعله على الرَّاحلة.
فالجواب أنَّ في إسناده أبا جناب الكلبي، واسمه يحيى بن أبي حيَّة، وهو ضعيفٌ، ولما رواه الحاكم سكت عليه، ولئن سلَّمنا صحَّته وخصوصيَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم بوجوبه في زمان، فلا نسلم عموم وجوبه بعد زمان كما مرَّ، على أنَّه يحتمل أن يكون فعله على الرَّاحلة من باب الخصوصيَّة أيضًا.