فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 11127

97 - (أَخْبَرَنَا) وفي رواية (مُحَمَّدٌ) كما في رواية، وفي أخرى ، وفي أخرى بتخفيف اللام على الأصح، وقد تقدم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( أنا أعلمكم ) ) [خ¦20] .

(حَدَّثَنَا) أي قال حدثنا، ومن عادة المحدثين حذف «قال» إذا تكرر خطًا لا نطقًا، وفي رواية (الْمُحَارِبِيُّ) بضم الميم وبالحاء المهملة وبالراء المكسورة بعدها باء موحدة بعدها ياء آخر الحروف مشددة، هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي، قال يحيى بن معين ثقة، وقال أبو حاتم صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عنهم، مات سنة خمس وتسعين ومائة، وليس له عند البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر في «العيدين» [خ¦966] ، روى له الجماعة، وذكر أن بعضهم صحَّف المحاربي فقال «البخاري» فأخطأ خطأ فاحشًا.

(قَالَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) ؛ بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية، هو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، نسب إلى جد أبيه حيان الذي لقبه (حي) وهو أشهر به من اسمه، وكذا من ينسب إليه من أولاده فيقال غالبًا صالح بن حي، وفي طبقته راو آخر كوفي أيضًا يقال له صالح بن حيان القرشي لكنه ضعيف، وأما هذا فثقة مشهور.

وقد طعن من لا خبرة له في البخاري أنه أخرج لصالح بن حيان، وظنه صالح بن حيان القرشي، وليس كذلك فإن البخاري رحمه الله إنما أخرج لصالح بن حيان الذي يلقب أبوه بالحي، وهذا الحديث يُعرف بروايته عن الشعبي دون رواية القرشي عنه.

وقد أخرج البخاري حديثه من طرق منها في «الجهاد» من طريق ابن عيينة قال حدَّثنا صالح بن حي قال سمعت الشعبي [خ¦3011] ، وأصرح من ذلك أنه أخرج الحديث المذكور في كتاب «الأدب المفرد» بالإسناد الذي أخرجه هنا فقال صالح بن حي هذا، وصالح بن حي هذا هو أبو الحسن الهَمْداني الثوري،

ج 1 ص 584

نسبة إلى ثور هَمْدان الكوفي، وهو والد الحسن وعلي مات هو وابنه علي سنة ثلاث وخمسين ومائة، وابنه الحسن سنة سبع وستين ومائة، وحيان منصرف وغير منصرف، قيل جاء رجل اسمه حيان إلى ملك فقيل للملك أينصرف حيان أم لا؟ فقال الملك إن أكرمته لا ينصرف وإلا فينصرف، ووجه ذلك بأنه إن أكرمه فكأنه أحياه فيكون من الحي فلا ينصرف لزيادة الألف والنون، وإن لم يكرمه فكأنه أهلكه فيكون من الحين وهو الهلاك فينصرف.

(قَالَ) أي صالح (قَالَ عَامِرٌ) هو ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) أبو عمرو الهَمْداني، وقد مر في باب «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] .

(حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة؛ أي الأكبر عامر الأشعري الكوفي قاضيها (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كما صرح به في «العتق» [خ¦2547] وغيره، وقد مرا في باب «أي الإسلام أفضل» [خ¦11] .

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم كوفيون ما خلا ابن سَلاَم، ومنها أن فيه رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في «العتق» [خ¦2547] ، وفي «النكاح» أيضًا [خ¦5083] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، والترمذي في «النكاح» وقال حسن، والنسائي فيه أيضًا، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.

(قَالَ) أي إنه قال أبو موسى الأشعري (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةٌ) مبتدأ؛ أي ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة، وقوله (لَهُمْ أَجْرَانِ) خبره أولهم أو الأول (رَجُلٌ) وكذا امرأة؛ لأنه حيث يذكر الرجال يدخل فيهم النساء بالتبعية، فقوله «رجل» خبر مبتدأ محذوف كما قدرنا.

وقال الكرماني بدل من «ثلاثة» بدل البعض بالنظر إليه فقط، وبدل الكل بالنظر إلى المجموع، أو قوله «ثلاثة» مبتدأ، وقوله (( لهم أجران ) )صفته، وقوله (( رجل ) )وما عطف عليه خبره، أقول والأول هو الظاهر.

(مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ؛ في محل الرفع على أنه صفة «رجل» (قَدْ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) اختلفوا فيه فقال بعضهم هم الذين بقوا على ما بُعِث به نبيهم من غير تبديل ولا تحريف، فمن بقي على ذلك حتى بعث نبينا صلى الله عليه وسلم فآمن به فله الأجر مرتين، ومن بدَّل منهم أو حرَّف فلم يبقَ له أجر في دينه فليس له أجر إلا بإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل (( أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ) ) [خ¦7] وهرقل كان ممَّن دخل في النصرانية بعد التبديل كما مر في «بدء الوحي» [خ¦7] .

وقال

ج 1 ص 585

بعضهم يحتمل إجراؤه على عمومه فيتناول سائر الأمم أيضًا فيما فعلوه من خير [1] ، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان سببًا لإعطاء الأجر مرتين، مرة على عملهم الخير الذي فعلوه في ذلك الدين وإن كانوا مبدِّلين محرِّفين، فإنه قد جاء أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم كما في حديث حكيم بن حزام «أسلمت على ما أسلفت من خير» [خ¦1436] على أحد التوجيهين [2] فيه، ومرة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر فإن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول [3] غيرهم.

وأيضًا في قوله «آمن بنبيه» إشعار بأن سبب الأجر مرتين هو الإيمان بالنبيين، والكفارُ ليسوا كذلك، ويمكن أن يفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف 157] فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره كما ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن، وقال بعضهم المراد به هنا أهل الإنجيل خاصة على القول بأن النصرانية ناسخة لليهودية، وقال الحافظ العسقلاني (ولا حاجة إلى اشتراط النسخ؛ لأن عيسى عليه السلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنًا فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيه) .

نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن؛ إذ هو مؤمن بنبيه موسى عليه السلام ولم يكذب نبيًا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ممن كان بهذه المثابة وآمن به لا يُشْك أنه يدخل تحت الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام؛ لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة، نعم في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم إشكال، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص 54] الآية نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره.

ففي الطبراني من حديث رِفاعة القُرظي قال (( نزلت هذه الآيات فيَّ ومن آمن معي ) ). وروى الطبراني بإسناد صحيح عن علي بن رِفاعة القُرظي قال خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعةُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوذوا فنزلت {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص 52] الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى عليه السلام، بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين، ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة إنهم لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام؛ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فبهذا يرتفع الإشكال.

فالتحقيق أن المراد من الكتاب التوراة والإنجيل، لا الإنجيل فقط؛ لما سبق من سبب نزول الآية الموافقة للحديث، ولا التوراة فقط؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أنه قد رُوي أن الآية نزلت في أربعين من أهل الإنجيل

ج 1 ص 586

اثنان وثلاثون جاؤوا مع جعفر من الحبشة، وثمانية من الشام، كما ذكره البيضاوي رحمه الله.

وقد ذكر في «تفسير الطبري» وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي، وسلمان كان نصرانيًا فأسلم كما سيأتي في «البيوع» [خ¦2217] .

وأما ما وقع في «شرح ابن التين» وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، فهو صواب في عبد الله، خطأ في كعب؛ لأن كعبًا ليست له صحبة، ولم يسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا قبله.

وربما يؤيد كون المراد من الكتاب الإنجيل، ومن النبي عيسى عليه السلام ما ذكره البخاري في باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} [مريم 16] من رواية صالح بن حي أن رجلًا من أهل خراسان قال للشعبي ما قال، فقال الشعبي أخبرني أبو بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أدَّب الرجل أمته فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران، وإذا آمن بعيسى، ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه، فله أجران ) ) [خ¦3446] .

فإن قيل هل هذا الحكم مختص بمن آمن من أهل الكتاب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أم شامل لمن آمن منهم في زماننا أيضًا؟، فالجواب أنه قال الكرماني (إنه مختص بهم؛ لأن عيسى عليه السلام ليس نبيهم بعد البعثة، بل نبيهم بعدها محمد صلى الله عليه وسلم) .

وقال الحافظ العسقلاني (إن ذلك لا يتم أيضًا لمن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده صلى الله عليه وسلم، فما قاله شيخنا _ يعني شيخ الإسلام البلقيني _ من أن هذه الثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة أظهر، وأما ما قوَّى به الكرماني دعواه من أن السياق مختلف حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب(( رجل ) )بالتنكير، وفي (( العبد ) )بالتعريف، وحيث زيدت فيه (( إذا ) )الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال، بخلاف العبد فهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس هو متفقًا عليه بين الرواة، بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى عليه السلام بـ «إذا» في الثلاثة [خ¦3446] ، وعبر في «النكاح» بقوله «أيما رجل» في المواضع الثلاثة [خ¦5083] ، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا؛ لأن المعرَّف بلام الجنس مؤدَّاه مؤدى النكرة) انتهى.

وتعقبه محمود العيني بأن ما جعله أظهر دعوى بلا دليل، بل ظاهر الحديث يرده؛ لأنه قيد في حق أهل الكتاب بقوله (( آمن بنبيه ) )أي بنبيه الذي كان مبعوثًا إليه، ثم آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والكتابي بعد البعثة ليس له نبي غير نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لانقطاع دعوة عيسى عليه السلام بالبعثة، ودخوله تحت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، فإذا آمن استحق أجرًا واحدًا بمقابلة إيمانه بالنبي المبعوث إليه،

ج 1 ص 587

وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، وأما ما قاله من عدم تمام ما قاله الكرماني فليس بشيء لمن له تأمل.

وأما قوله «فهو غير مستقيم» ؛ لأنه مشى مع ظاهر اللفظ»، فغير مستقيم؛ لأن قصد الكرماني بيان النكات بحسب ما وقع في ظواهر الألفاظ، والاختلاف من الرواة في لفظ الحديث لا يضر دعوى الكرماني من أن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال، أما وقوع «إذا» في الثلاثة وإن كانت «إذا» للاستقبال؛ فهو أن حصول الأجرين مشروط بالإيمان بنبيه، ثم بنبينا صلى الله عليه وسلم، والحال أن بالبعثة تقطع دعوة غير نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يبقَ إلا الإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يحصل إلا أجر واحد؛ لانتفاء شرط الأجرين، وأما وقوع (أيما) وإن كانت تدل على التعميم صريحًا؛ فهو في تعميم جنس أهل الكتاب، ولا يلزم من تعميم ذلك تعميم الأجرين في حق أهل الكتاب.

فالظاهر ما قاله الكرماني من أن هذا الحكم مختصٌّ بمن هو في عهده صلى الله عليه وسلم، وأما الحكم في الآخرين، وهما العبد، وصاحب الأمة؛ فهو مستمرٌّ إلى يوم القيامة، هذا ما ذكره العيني ملخصًا، فافهم.

فإن قلت على هذا يلزم أن يكون الصحابي الذي كان كتابيًا أجره زائدًا على أجر أكابر الصحابة، وذلك باطل بالإجماع، فالجواب أن الإجماع خصَّهم وأفردهم من هذا الحكم، وأما كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابيًا، فيلتزم ذلك فيهم.

(وَ) الثاني (الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ) أي جنس العبد المملوك، وإنما وصفه بالمملوك؛ لأن جميع الأناسي عباد الله، فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للناس (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى) كالصلاة والصوم (وَحَقَّ مَوَالِيْهِ) بسكون الياء جمع مولى، وهو مشترك بين المعتِق _ بكسر التاء _ والمعتَق _ بفتحها _ وابن العم والناصر، والجار والحليف، وكل من ولي أمر أحد، والمراد هنا الأخير؛ أي السيد، والقرينة المعينة له لفظ «العبد» ، وإنما جمع الموالي مع إفراد العبد؛ لأنه لما كان المراد من العبد جنس العبد ناسب أن يجمع المولى؛ ليكون عند التوزيع لكل عبد مولى؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع، أو ما يقوم مقامه؛ مفيدة للتوزيع، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين الموالي مملوكًا لهم، والمراد بحقهم خدمتهم، لا يقال كيف يجوز ذلك ويلزم منه أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات؛ لأنه يقال لا محذور في التزام ذلك، أو يكون أجره ضعفه من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أُخر يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدِّي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما.

(وَ) الثالث (رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا) أي يحل وطؤُها له، سواء كانت موطوءة أو لا، وفيه إشارة خفية

ج 1 ص 588

إلى أن اللائق لمن عنده أمة كذلك، ذلك كما قيل في قوله عليه السلام (( أو ولد صالح يدعو له ) ).

(فَأَدَّبَهَا) وفي نسخة بلا فاء، وهو من التأديب، والأدب هو حسن الأحوال والأخلاق؛ أي أدبها لتتخلق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) أي أدَّبها من غير تعنيف وضرب، بل برفق ولطف (وَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمه من أمور الدين، فالتأديب يتعلق بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، أو الأول دنيوي، والثاني ديني، فلا تكرار.

(فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا) بأن علمها بالتدريج والتسهيل (ثُمَّ أَعْتَقَهَا) أتى في هذه الجملة بـ «ثم» ، وفيما قبلها وفيما بعدها بالفاء؛ لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطء، بل لابد منهما في الوطء، بل قبله أيضًا؛ لوجوبهما على السيد بعد التملك، أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسي إلى صنف آخر منها، ولا يخفى ما بين الصنفين من البعد، بل من الضدية في الأحكام، والمنافاة في الأحوال، فناسب أن يؤتى بلفظ دال على التراخي فيها، بخلاف أخواتها.

(فَتَزَوَّجَهَا) أي بعد أن أصدقها (فَلَهُ أَجْرَانِ) الظاهر أن الضمير راجع إلى الرجل الأخير، ولم يقتصر على قوله «لهم أجران» مع كونه داخلًا في الثلاثة بحكم العطف؛ للاهتمام به، فإن البلغاء يكررون بعض الكلام، لذلك كما قال الحماسي

~وإنْ امرأ دامَتْ مَواثيقُ عهدِهِ علَى مثلِ هذَا إنَّه لكريمُ

أو لأن الجهة كانت فيه متعددة، وهي التأديب والتعليم والإعتاق والتزوج، بل والوطء وإحسان التأديب وإحسان التعليم، فتكون الجهات سبعة [4] ، فكان مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله (( فله أجران ) )إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران، وذلك لأن التأديب والتعليم موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس، فلم يبقَ مختصًا بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلا في الإعتاق والتزوج.

وإنما ذكر الآخرين أعني التأديب والتعليم؛ لأنهما أكمل للأجر، إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة، وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه، أو لأن فيه جهتين جهة الأحوال التي للرقبة، وجهة الأحوال التي للحرية، ولذا ميز بينهما بلفظ (( ثم ) )ولكل من الجهتين أجر.

وأما تعريف «العبد» ، وتنكير «الرجل» في الموضعين، فلا أثر له سوى التفنن؛ لأن المعرَّف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة كما سبق، وكذا الإتيان في العبد بـ «إذا» دون القسم الأول؛ لأن (( إذا ) )ظرف، وقوله (( قد آمن ) )حال، وهي في حكم الظرف؛ لأن معنى جاء زيد راكبًا، جاء

ج 1 ص 589

في وقت الركوب وحاله، ثم تخصيص هذا الحكم بهؤلاء الثلاثة مع أن غيره أيضًا كذلك مثل من صلى وصام، فإن للصلاة أجرًا، وللصوم أجرًا آخر، وكذلك الولد إذا أدى حق الله، وحق والده؛ لأن كل واحد من هؤلاء كأنه جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة، فكأنه فاعل للضدين عامل بالمتنافيين بخلاف غيرهم، هذا ما قاله الكرماني.

والصحيح من الجواب أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وكذلك التنصيص على العدد المحصور لا يدل على التخصيص، والحكم في غير المذكور يثبت بالاقتضاء، فلا يوجب إبطال العدد المنصوص على ما في «شرح المقاصد» وغيره، نعم ما ذكره الكرماني يصلح لأن يكون وجهًا للتخصيص بالذكر، فافهم.

وقد قال المهلب (فيه دليل على أن من أحسن في معنيين من أيِّ فعلٍ كان من أفعال البر، فله أجره مرتين، والله يضاعف لمن يشاء) .

(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) أي الشعبي، والمعنى قال صالح الراوي عنه، ثم قال عامر (أَعْطَيْنَاكَهَا) أي المسألة أو المقالة، ظاهره أنه خاطب بذلك صالحًا، وهذا هو الذي غرَّ الكرماني، فجزم بأن الخطاب لصالح وليس كذلك، بل الخطاب لرجل من أهل خراسان سأل الشعبي عمن يعتق أمته، ثم يتزوجها على ما جاء في البخاري في باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} [مريم 16] ، وقد سبق ذكره [خ¦3446] .

(بِغَيْرِ شَيْءٍ) ؛ أي من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخروي حاصل له، وهو ثواب التبليغ والتعليم (قَدْ) وفي بعض النسخ بالواو، وفي بعضها (كَانَ يُرْكَبُ) على صيغة المجهول (فِيمَا دُونَهَا) أي يرحل فيما دون هذه المسألة أو المقالة؛ أي لأجل ما «هو أهون» منها كما عنده في «الجهاد» [خ¦3011] .

(إِلَى الْمَدِينَةِ) ؛ النبوية، وقد كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في البلاد بعد فتح الأمصار وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه إلا من طلب التوسع في العلم ورحل.

وقد تقدم حديث جابر في ذلك [خ¦78] ، ولهذا عبر الشَّعبي مع كونه من كبار التابعين بقوله (( كان ) )، وإنما قال الشعبي ذلك تحريضًا للسامع ليكون أدعى لحفظه، وأجلب لحرصه، وقد روى الدارمي بسند صحيح عن بُسر بن عبيد الله _ بضم الموحدة وسكون المهملة _ قال إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد،

ج 1 ص 590

وعن أبي العالية قال (كنا نسمع الحديث عن الصحابة فلا نرضى حتى نركب إليهم، فنسمعه منهم رضي الله عنهم) .

اعلم أن سؤال الخراسانيِّ الشَّعبَّي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها لم يكن لمجرد تعلم هذه المسألة، بل لمعنى آخر، وهو ما جاء في رواية مسلم أن رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي فقال يا عامر إن من قبلنا مَنْ أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها هو كالراكب بدنته، وفي طريق كالراكب هديَه، كأنهم توهموا في الإعتاق والتزوج الرجوع بالنكاح فيما خرج عنه بالعتق، فأجابه الشعبي بما يدل على أنه مُحِسنٌ إليها إحسانًا بعد إحسان، وأنه ليس من الرجوع في شيء فذكر الحديث.

قال ابن بطال (وفي الحديث إثبات فضل المدينة، وأنها معدن العلم. وإليها كان يرحل في طلب العلم، ويقصد في اقتباسه، أقول نعم كان كذلك في الزمان الأول، وفيه أيضًا بيان ما كان السلف رحمهم الله عليه من الرحلة إلى البلدان البعيدة في حديث واحد أو مسألة واحدة [5] وبعض المالكية خصصوا العلم بالمدينة بقول الشعبي، وهو ترجيح بلا مرجح، فلا يقبل) .

[1] (( فيما فعلوه من خير ) )ليست في (خ) .

[2] في هامش الأصل والتوجيه الآخر أن ما أسلفت من خير كان سببًا لإسلامك لا أن ثوابه حاصل لك. منه.

[3] (( من قوله فيه ومرة. .. إلى قوله فلا يتناول ) )ليس في (خ) .

[4] (( قوله بل والوطء وإحسان التأديب وإحسان التعليم فتكون الجهات سبعة ) )ليس في (خ) .

[5] من قوله (( وفيه أيضًا بيان .. إلى قوله مسألة واحدة ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت