فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 11127

98 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمهملة المفتوحة وبالموحدة، الأزدي البصري الذي قُدِّر مجلسه ببغداد بأربعين ألفًا، وقد تقدم في باب «من كره أن يعود في الكفر» [خ¦21] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج.

(عَنْ أَيُّوبَ) السختياني البصري المذكور في باب «حلاوة الإيمان» [خ¦16] (قَالَ) أي إنه قال (سَمِعْتُ عَطَاءً) أي ابن أبي رَبَاح _ بفتح الراء وبالموحدة المخففة وبالمهملة _ واسم ابن أبي رباح سلمان، وقيل مسلم القرشي المكي الفهري،

ج 1 ص 591

مولى ابن أبي خيثم الفهري، وابن أبي خيثم عامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مكة، ولد في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، وروى عنه ابنه أنه قال أعقِلُ قتل عثمان رضي الله عنه، نشأ بمكة وصار مفتيها، وهو من كبار التابعين وأجلة الفقهاء، روى عن العبادلة وعائشة وغيرهم، وروى عنه الليث حديثًا واحدًا، وجلالته وثقته وديانته متفق عليها، وكان حبشيًا أسود جعد الشعر، أفطس، أشل، أعور، أعرج، ثم عمي بعد ذلك، ولكن العلم والعمل رفعه، قال إسماعيل بن أمية (كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم خُيِّل إلينا أنه مؤيَّد من عند الله، وكانت الحلقة بعد ابن عباس رضي الله عنهما له) ، مات سنة خمس ومئة، وقيل أربع عشرة ومئة، وحج سبعين حجة، وعاش مئة سنة.

ومن غرائبه أنه قال إذا أراد الإنسان سفرًا له القصر قبل خروجه من بلده، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه وخالفه الجمهور، ومن غرائبه أيضًا أنه إذا وافق يوم عيد يوم جمعة، يصلي العيد فقط، ولا يصلي جمعة، ولا ظهرًا في ذلك اليوم.

(قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) ؛ وفي رواية ، (صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني أن الراوي تردد في أن لفظة «أشهد» من قول ابن عباس، أو من قول عطاء، ورواه أيضًا بالشك حماد بن زيد عن أيوب، أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» .

وأخرجه أحمد بن حنبل، عن غُندر، عن شعبة جازمًا بلفظ «أشهد عن كل منهما» ، وإنما أتى بلفظ الشهادة تأكيدًا لتحققه، ووثوقًا بوقوعه؛ لأن الشهادة خبر قاطع، واستعمل الشهادة بـ «على» ؛ لزيادة التأكيد في وثاقته؛ لأنه يدل على الاستعلاء بالعلم على خروجه عليه الصلاة والسلام، ومعه بلال إذا كان لفظة «أشهد» من قول ابن عباس رضي الله عنهما، أو على الاستعلاء بالعلم على سماعه من ابن عباس رضي الله عنهما إذا كانت من قول عطاء.

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن رواته أئمة أجلاء، ومنها أن فيه من التابعين اثنين، ومنها أن فيه لفظة الشهادة، وقد أخرج متنه مسلم،

ج 1 ص 592

وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه أيضًا.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) أي من بين صفوف الرجال إلى صفوف النساء (وَمَعَهُ بِلاَلٌ) وفي رواية بلا واو، وهو جائز بلا ضعف كما في قوله تعالى {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة 36] .

وبلال هذا هو ابن رباح _ بفتح الراء وتخفيف الموحدة _ الحبشي القرشي التيمي، يكنى أبا عبد الله، أو أبا عمرو، أو أبا عبد الرحمن، أو أبا عبد الكريم، وشهرته باسم أمه حمامة، كان قديم الإسلام، مِنْ أول من أظهر الإسلام، وعُذِّب على إسلامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه (( لو كان عندنا مال اشترينا بلالًا ) )، فقال أبو بكر للعباس رضي الله عنهما اشتريه لنا، فقال العباس لسيدته هل لك أن تبيعيني عبدك هذا قبل أن تُحرَمي ثمنه، قالت وما تصنع به إنه خبيث، فاشتراه العباس، فبعث به إلى أبي بكر فأعتقه، وقيل اشتراه وهو مدفون بالحجارة، وكان يؤذِّن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر بل تكون عندي، فقال إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إلى الله تعالى، قال اذهب، فذهب إلى الشام مجاهدًا، وكان ممن شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أمية بن خلف ممن يُعذِّب بلالًا عند إسلامه، ويوالي عليه العذاب، فقدَّر الله أن قتله بلال يوم بدر، فقال أبو بكر رضي الله عنه أبياتًا منها

~هَنِيئًا زادَكَ الرَّحمنُ فضْلًا فقدْ أدركْتَ ثأرَكَ يَا بلالُ

ولم يؤذِّن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيما رُوِي، إلا مرة لعمر رضي الله عنه حين قدم من الشام، فلم يرَ باكيًا أكثر من ذلك اليوم، وإلا في قدمة قدمها المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم طلب الصحابة ذلك، فأذَّن، ولم يُتمَّ الأذان، روي له أربعة وأربعون حديثًا، انفرد البخاري بحديثين مسندين، مات بدمشق أو بحلب سنة عشرين، وفضائله كثيرة رضي الله عنه.

(وَظَنَّ) ؛ صلى الله عليه وسلم، وفي نسخة بالفاء، (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ) ؛ بضم الياء وكسر الميم (النِّسَاءَ) أي كما أسمع الرجال، وفي نسخة سقط لفظ (( النساء ) )، و «أن» مع اسمها وخبرها ساد مسد مفعولي «ظن» .

(فَوَعَظَهُنَّ)

ج 1 ص 593

عليه السلام بقوله (( إني رأيتكن أكثر أهل النار؛ لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير ) ) (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) وهو ما يُبْذل من المال لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع، لكن الظاهر أن المراد هنا هو الثاني، فاللام فيها للعهد، وإنما أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وهي محَّاءة لكثير من الذنوب المدخلةِ النارَ على ما جاء في «الصحيح» (( تصدقن يا معشر النساء، فإني أريتكن أكثر أهل النار ) ) [خ¦304] ، وقيل أمرهن بها؛ لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة، والصدقةُ يومئذ كانت أفضل وجوه البر.

(فَجَعَلَتِ) أي طفقت، وهي مثل «كاد» في الاستعمال (الْمَرْأَةُ تُلْقِي) بضم التاء وكسر القاف؛ أي تطرح (الْقُرْطَ) بضم القاف وسكون الراء ما يعلق في شحمة الأذن، وقال ابن دريد هو كل ما في شحمة الأذن سواء كان من ذهب أو غيره، وفي «البارع» القُرط ما يكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة. وفي «العباب» والجمع أقراط وقروط وقرطة وقِراط، وأما الخُرْص _ بضم المعجمة _ فهو الحلقة الصغيرة.

(وَالْخَاتَمَ) بالنصب عطفًا على القرط (وَبِلاَلٌ) مبتدأ خبره قوله (يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) خبره، والجملة حالية، ومفعول «يأخذ» محذوف للعلم به؛ أي بأخذ ما يلقينه ليصرفه صلى الله عليه وسلم مصارفه؛ لأنه يَحرُم عليه الصدقة.

(وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية أي ابن أبي عُلية، (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني (عَنْ عَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح؛ أي قال عن عطاء بدل قوله «قال سمعت عطاء» كما في رواية شعبة.

(وَقَالَ) أيضًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) بدل قوله «سمعت ابن عباس» ، وفي رواية بدل قوله (( عن ابن عباس ) (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الحديث، فجزم بأن لفظة «أشهد» من كلام ابن عباس رضي الله عنهما فقط، وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في «مسنده» وكذا قال وهيب عن أيوب، ذكره الإسماعيلي، وهذا من تعليقات البخاري رحمه الله؛ لأنه لم يدرك إسماعيل بن عُلَية؛ لأنه مات في عام ولادة البخاري سنة أربع وتسعين ومائة، وما قال الكرماني من أنه يحتمل أن يكون قوله و «قال إسماعيل» عطفًا على قال حدثنا شعبة، فيكون المراد حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا إسماعيل، فلا يكون تعليقًا؛ فمردود بأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلًا لا لهذا الحديث

ج 1 ص 594

ولا لغيره.

وقد أخرجه البخاري في كتاب «الزكاة» [خ¦1431] موصولًا عن مؤمِّل بن هشام عن إسماعيل، وقد قيل إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها في الأمور النقلية.

ثم في الحديث فوائد منها استحباب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة، وأحكام الإسلام، وحثهنَّ على الصدقة، وهذا الحديث أصل في حضور النساء مجالس الوعظ ونحوه، لكن ذلك إذا لم يترتب عليه مفسدة، وخوف على الواعظ، أو الموعوظ، أو غيرهما.

ومنها أن النساء إذا حضرت صلاة الرجال يكنَّ بمعزل عنهم. ومنها أن على الإمام افتقاد رعيته وتعليمهم ووعظهم، والرجال والنساء في ذلك سواء.

ومنها أن صدقة التطوع لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، ويكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن، ولا من بلال، ولا من غيرهما، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي رحمه الله خلافًا لأكثر العراقيين من أصحابه حيث قالوا يفتقر إلى الإيجاب والقبول، ومنها أن الصدقات العامة إنما يصرفها مصارفها الإمامُ، ومنها أن الصدقة تنجي من النار، ومنها جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف على ذلك على ثلث مالها، وقال مالك لا يجوز الزيادة على الثلث إلا برضى الزوج، والحجة عليه أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل هل هذا بإذن أزواجهن أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، وأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال (( لا يحل لامرأة عطية إلا بإذن زوجها ) )فعلى تقدير صحته [1] فهو محمول على غير الرشيدة، أو المراد من مال زوجها لا من مالها. ومنها أن الأصل في الناس العقل، وفي التصرفات الصحة، إذ لم يفتش رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كون الملقيات عاقلة بالغة أم لا.

[1] في هامش الأصل وإنما قلنا فعلى تقدير صحته؛ لأنه مستند إلى عمرو بن شعيب وفيه كلام وهاهنا بحث تجده في (( عمدة القاري في شرح البخاري ) )لمحمود العيني. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت