فهرس الكتاب

الصفحة 1785 من 11127

1125 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة (قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) البجليِّ رضي الله عنه (قَالَ احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال ابن التِّين ذكر احتباس جبريل عليه السلام في هذا الباب ليس في موضعه؛ لأنَّه لا يلائم التَّرجمة.

وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا الحديث من تتمَّة الحديث السَّابق لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا، انتهى.

وكأنَّ جندبًا رضي الله عنه يقول اشتكى النَّبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلةً أو ليلتين، واتَّفق أن احتبسَ جبريل عليه السلام عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فمكثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أيَّامًا لا ينزلُ عليه وحيٌّ.

واختلفوا قدر مدَّة انقطاع الوحي، قال ابنُ جريج اثنا عشر يومًا، وقال الكلبيُّ خمسة عشر يومًا، وقال السُّدي ومُقاتل أربعين يومًا، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما خمسة وعشرين يومًا.

واختلفوا أيضًا في سبب احتباس جبريل عليه السلام، فذكر ابنُ إسحاق أنَّ مشركي قريش أرسلوا إلى يهود المدينة وسألوهم عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم فقالت لهم اليهود سلوه عن أصحاب الكهف، وعن قصَّة ذي القرنين، وعن الرَّوح، فإن أخبركم بقصَّة أصحاب الكهف وقصَّة ذي القرنين، ولم يخبركم عن أمر الرُّوح، فاعلموا أنَّه صادقٌ، فجاء المشركون وسألوه عنها، فقال صلى الله عليه وسلم ارجعوا سأخبركم غدًا. ولم يستثنِ، فاحتبس عنه الوحي، فقال المشركون قد وُدِّعَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم فنزل عليه بعد بطئه والضحى السُّورة، وقوله تعالى {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف 23 - 24] ؛ أي ولا تقولنَّ لأجل شيءٍ تعزم عليه إنِّي فاعله فيما يستقبل إلَّا أن يشاء الله؛ أي ملتبسًا بمشيئته قائلًا إن شاء الله، أو إلَّا وقت أن يشاءَ الله أن يقولَه بمعنى أن يأذنَ لك فيه.

وقال الواحديُّ وعن خولة خادم النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ جروًا دخل البيتَ فدخل تحت السَّرير فماتَ هناك، فمكثَ النَّبي صلى الله عليه وسلم أيَّامًا لا ينزل عليه الوحي، فقال (( يا خولةُ ما حدث في بيتي إن جبريل صلى الله عليه وسلم لا يأتيني ) )قالتْ خولة فهيَّأت البيت وكنسْتُه فأهويتُ بالمكنسة تحت السَّرير، فإذا جروٌ ميِّتٌ فألقيتُه

ج 5 ص 531

خلفَ الجدار، قال فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يرعد لِحْيَاهُ، وكان إذا نزل عليه الوحيُ استقبلته الرَّعدة، فقال صلى الله عليه وسلم (( يا خولةُ دثِّريني فأنزلَ الله تعالى {وَالضُّحَى} ) ).

وزاد ابنُ إسحاق فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السَّلام لما نزل ما أخَّرك فقال (( أما علمتَ أنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ) ).

وفي «تفسير النَّسفي» قال ابن جرير قال المشركون إنَّ محمدًا ودَّعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه، كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء عليهم السلام، وقال المسلمون يا رسول الله أما ينزل عليك الوحي؟ فقال وكيف ينزلُ عليَّ الوحي وأنتم لا تنقون براجمكم، ولا تقلمون أظفاركُم، فأنزلَ جبريل عليه السلام بهذه السورة، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يا جبريلُ ما جئتُ حتَّى اشتقتُ إليك ) )فقال جبريلُ عليه السلام وأنا كنتُ إليك أشدُّ شوقًا، ولكني عبد مأمور {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} [مريم 64] وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، أو لا ننزلُ في زمان دون زمان إلَّا بأمره ومشيئته {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم 64] تاركًا لك؛ أي ما كان عدم النُّزول إلَّا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إيَّاك، كما زعمت الكفرة، وإنَّما كان لحكمةٍ رآها فيه.

ورُوي أنَّ عثمان رضي الله عنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقود عنبٍ فجاء سائل فأعطاه، ثمَّ اشتراه عثمان رضي الله عنه بدرهمٍ فقدَّمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيًا، ثمَّ عاد السَّائل فأعطاه، ففعل ذلك ثلاثًا فقال صلى الله عليه وسلم ملاطفًا للسائل لا غضبان عليه (( أسائل أنت يا فلان أم تاجر؟ ) )فتأخر عنه الوحي أيامًا، ثمَّ نزلت {وَالضُّحَى} ... إلى آخره، ويناسبه قوله تعالى {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى 10] .

(فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ) بالرفع فاعل «أبطأ» ، وقد روى شعبة عن الأسود بلفظٍ آخر أخرجه المؤلِّف رحمه الله في «التفسير» [خ¦4951] قال قالت امرأةٌ يا رسول الله ما أرى صاحبك إلَّا أبطأَ عنك.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان؛ لأنَّ هذه عبَّرت بقولها «يا رسول الله» ، وتلك عبَّرت بقولها «يا محمد» ، وهذه عبرت بقولها «صاحبك» ، وتلك عبَّرت بقولها «شيطانك» كما مرَّ.

وسياق الأولى يُشعر

ج 5 ص 532

بأنَّها قالته تأسفًا وتوجعًا، وسياق الثانية يُشعر بأنَّها قالته تهكُّمًا وشماتة، وأمَّا المرأة التي عبَّرت بالشيطان فهي أمُّ جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهي أخت أبي سفيان بن حرب وامرأة أبي لهب [1] حمَّالة الحطب، كما روى الحاكم من حديث عبد الله بن موسى أنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم قال لمَّا نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} جاءت امرأة أبي لهب فقالت يا محمَّد على ما تهجوني؟ فقال (( ما هجوتك ما هجاك إلَّا الله تعالى ) )ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا لا ينزل عليه وحي فأتته فقالت يا محمَّد ما أرى شيطانك إلَّا قد قلاك، فنزلت {وَالضُّحَى} ورجاله ثقاتٌ.

وفي «تفسير الطبري» من طريق مفضَّل بن صالح عن الأسود في حديث الباب فقالت امرأة من أهله أو من قومه، ولا شكَّ أنَّ أمَّ جميل من قومه؛ لأنَّها من بني عبد مناف.

وعند ابن عساكر أنَّها إحدى عمَّاته، وقد أخرج قيسُ بن الربيع في «مسنده» عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الفريابيُّ شيخ البخاري في «تفسيره» عنه ولفظه فأتته إحدى عمَّاته أو بنات عمِّه، فقالت إنِّي لأرجو أن يكون شيطانك قد ودَّعك.

وقد حكى ابن بطَّال عن تفسير «بقي بن مخلد» قال قالتْ خديجةُ للنَّبي صلى الله عليه وسلم حين أبطأَ عنه الوحي إنَّ ربَّك قد قلاك، فنزلت {وَالضُّحَى} . وقد تعقَّبه ابن المُنيِّر ومن تبعه بالإنكار؛ لأنَّ خديجة قوية الإيمان لا يليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويٌّ، أخرجه إسماعيل القاضي في «أحكامه» والطَّبري في «تفسيره» وأبو داود في «أعلام النُّبوة» له كلُّهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصَّحابة رضي الله عنهم والإسناد إليه صحيحٌ.

وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها لكن ليس عند أحدٍ منهم أنَّها عبرت بقوله «شيطانك» ، وهذه هي اللَّفظة المستنكرة في الخبر.

وفي رواية إسماعيل وغيره «ما أرى صاحبك» بدل «ربك» ، والظَّاهر أنَّها عنتْ بذلك جبريل عليه السلام.

وأغرب سُنَيْد بن داود، فيما حكاهُ ابن بشكوال فروى في «تفسيره» عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

وغُلِّط سنيد

ج 5 ص 533

في ذلك، فقد رواه الطَّبري عن أبي كُريب عن وكيع فقال فيه قالت خديجة. وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية عن هشام، والله أعلم.

وفي «تفسير ابن عبَّاس» في رواية إسماعيل بن أبي زياد رضي الله عنهما أبطأ الوحي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أربعين يومًا فقال كعب بن الأشرف قد أطفأ الله نور محمَّد وأبطأ الوحي عنه فهبط جبريل عليه السَّلام بعد أربعين يومًا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما أبطأك عنِّي فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم 64] ) )وأنزل سورة الضحى تكذيبًا لكعب بن الأشرف {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا} أي يريدون أن يطفئوا، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإضافة تأكيدًا، كما زيدت لما فيها من معنى الإضافة تأكيدًا لها في لا أبا لك، أو يريدون الافتراء؛ ليطفئوا {نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} يعني دينه أو كتابه بطعنهم فيه، وإطفاء نور الله بأفواههم تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن هذا سحرٌ، مثبتٌ حالهم بحال من ينفخ في نور الشَّمس بفيه ليطفئه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} مبلغ غايته بنشده وإعلانه {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} إرغامًا لهم.

(فَنَزَلَتْ) سورة ( {وَالضُّحَى} ) أي ووقت ارتفاع الشَّمس وهو صدر النَّهار، فُسِّر الضُّحى بذلك بقرينة عطف الوقت وهو اللَّيل عليه، وهو مجازٌ بعلاقة الحلول والظَّرفية أو على تقدير المضاف، وفُسِّر في قوله تعالى {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} بضوء الشمس ونورها بقرينة إضافة الضُّحى إلى الشمس؛ لأنَّ إضافة وقت ارتفاع الشَّمس إليها لا معنى له بخلاف إضافة النُّور إليها، لكن الأظهر الأنسب لقوله {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أن يفسَّر هنا بوقت ضوء الشَّمس حين أشرقتْ وألقتْ شعاعها، والله أعلم.

ووجه تخصيصهِ من بين أوقات النَّهار؛ لأنَّ النَّهار يقوى فيه ويعتدلُ من الحرِّ والبرد في الشِّتاء والصيف أو أنَّه كلم الله فيه موسى عليه السلام، فكان له بذلك شرفٌ ومناسبةٌ بحال المقسم لأجله، أو أنَّه ألقى فيه السَّحرة سجَّدًا، كما قال تعالى {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه 95] .

ويجوز أن يكون المراد من الضُّحى النَّهار كله مجازًا من قبيل إطلاق اسم الجزءِ على الكلِّ بقرينة مقابلته بقوله {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} فإنَّ المراد به الليل كلَّه، فناسب ذلك أن يرادَ بالضَّحى النَّهار كله، كما فسَّر الضُّحى بالنَّهار في [2] قوله تعالى {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} [الأعراف 97] بقرينة وقوعه في مقابلة قوله {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا} أي بائتين داخلين في المساء.

ثمَّ إن الله تعالى إذا أرادَ تعظيم شيءٍ من مخلوقاته أقسم به، ولا يجوز لنا إلَّا القسم به تعالى فحسب، وقيل التَّقدير فيه وفي

ج 5 ص 534

أمثاله تقدير الرب؛ أي وربِّ الضحى، فافهم.

( {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} ) أي سكن أهله وركد ظلامُه، من سَجَى البحرَ سَجْوًا، إذا سكنت أمواجه، فإسناد السَّجى إلى اللَّيل مجازي من قبيل إسناد الفعل إلى زمانه، مثل صام نهارَه، أو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، فيكون اللَّيل إمَّا عبارةً عن سكون أهلها أو استقرار ظلامه، وكونه بحيث لا يزاد بعد ذلك، ولكلِّ واحدٍ من اللَّيل والنَّهار أثرٌ عظيمٌ في نظام العالم وصلاحه فأقسم بهما، لكن قدَّم اللَّيل في السُّورة المتقدِّمة لسبقه وأصالته؛ لأنَّ النَّهار إنَّما يحدث بطلوع النَّير، وبغروبه يعودُ الهواء إلى الحالة الأصليَّة، فلذلك قدم الظلمة في قوله تعالى {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام 1] وقدَّم النَّهار في هذه السورة؛ لأنَّ له فضيلة الشَّرق والاستنارة.

فإن قيل ما السَّبب في أنَّه ذكر الضُّحى وهو ساعة من النَّهار وذكر اللَّيل كليته؟

فالجواب أنَّه وإن كان ساعةً من النَّهار لكنَّه يُوازي جميع اللَّيل، كما أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم يوازي جميع الأنبياء عليهم السلام، ويقال إنَّ النَّهار وقت السُّرور، واللَّيل وقت الوحشة والغمِّ، فهو إشارةٌ إلى أنَّ غموم الدُّنيا أدوم من سرورها، فإنَّ الضحى ساعة واللَّيل ساعات.

وروي أنَّ الله تعالى لمَّا خلق العرش أظلَّت غمامة سوداء عن يسارهِ ونادتْ ماذا أُمطر؟ فأُجِيبت أن أمطري الهمومَ والأحزان مائة سنة، ثمَّ انكشفَت فأُمرت مرَّة أخرى بذلك، وهكذا إلى تمام ثلاثمائة سنة، ثمَّ بعد ذلك أظلَّت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادتْ ماذا أُمطر؟ فأُجيبت أن أمطِري السُّرور ساعةً، فبهذا السَّبب ترى الغموم والأحزان دائمة، والسُّرور قليلًا ونادرًا.

( {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} ) جواب القسم؛ أي ما قطعك قطعَ المودِّع، والمعنى ما قطعَ عنك وحيه قطعَ التَّارك لك وإنَّما أخَّره لحكمة، والتَّوديع أصله الودع، وبناء التَّفعيل للمبالغة فيه؛ لأنَّ مَن ودعَ مفارقًا فقد بالغ في التَّرك.

وقُرئ في الشواذ {ما ودَعك} بالتخفيف، وهو قليلُ الاستعمال فإنَّ العرب أماتوا ماضي يدعُ ويذرُ، قال المبرد لا يكادون يقولون ودع ووذرَ لثقل الواو في أوَّل الكلمة واستغنوا عنها بترك الماضي، وقد استعملوا مضارعيهما لعدم الثِّقل.

وقال ابن التِّين معنى التَّشديد

ج 5 ص 535

ما هو آخر عهدك بالوحي، ومعنى التَّخفيف ما ترككَ والمعنى واحدٌ.

(وَمَا قَلَى) أي وما أبغضَك، من القِلَى _ بكسر القاف وتخفيف اللام _ وهو البغضُ فإن فتحت القاف مددتَ وهي لغةُ طيء، وحُذِف المفعول استغناء بذكرهِ من قبل ومراعاة للفواصل {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى 4] فإنَّها باقيةٌ خالصةٌ عن الشَّوائب وهذه فانيةٌ بالمضارِّ، وذكر في وجه اتِّصال هذه الآية بما قبلها أمران

الأول أنَّه لمَّا نزل قوله تعالى {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} وكان ذلك في معنى أنَّ ربك لا يزال يواصلك بالوحي وأنواع الكرامة في الدُّنيا، وحصل له صلى الله عليه وسلم بذلك تشريفٌ عظيمٌ، فكأنَّه صلى الله عليه وسلم استعظم هذا التَّشريف فقال الرَّبُّ عزَّ شأنه {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} أي هذا التَّشريف وإن كان عظيمًا إلَّا أنَّ ما لك عند الله في الآخرة خيرٌ وأعظم.

والثاني أنَّ المعنى لا تظنَّ أنَّ ربَّك ودعك وقطع عنك وحيه أيامًا لذلك، بل نهاية أمرك خيرٌ من بدايته، فإنَّه لا يزال يتصاعد في الرِّفعة والكمال، فمن جملة أحوالك أنَّه احتبسَ عنك الوحي مرَّةً بعد تواتره وتعاقبه، فقال الأعداء فيك ما قالوا، وقلنا في ردِّهم مؤكدًا بالقسم {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ، وهذه الكرامة والموعدة خيرٌ لك ممَّا كان قبلُ من تواتر الوحي وتعاقبه، فالآخرة في هذا الوجه ليست هي الآخرة المتعارفة المقابلة للدُّنيا كما في الوجه الأول، بل هي بمعنى الحالة الآتية؛ كأنَّه تعالى سيزيده كلَّ يوم عزًّا إلى عزٍّ، وشرفًا إلى شرف، وحالًا خيرًا ممَّا كان في اليوم السابق.

وقيل في وجه اتصالها بما قبلها أنَّ انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون مبينًا على أنَّه تعالى تركه وعزله عن النُّبوة، غاية ما في الباب أنَّ انقطاع الوحي يدلُّ على الموت بناءً على حصولِ الاستغناء عن أمرِ الرِّسالة لبلوغ الحكمة فيها إلى غايتهَا فانفهمت منه قرب الموت، فالموتُ خيرٌ لك، فإنَّ ما لك عند الله في الآخرة أفضل ممَّا لك في الدُّنيا، واللام في قوله {وَلَلْآَخِرَةُ} لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة.

وقال المولى عصام الدين والأظهرُ أنَّها جملة حالية؛ أي ما ودَّعك ربك وما قلاك، والحال أنَّ الآخرة خيرٌ لك من الدُّنيا وأنت تختارها عليها، ومَن حاله كذلك لا يتركه ربه، ففيه إرشادٌ للمؤمنين إلى ما هو ملاك قرب العبد بالرَّب، وتوبيخ المشركين بما هم فيه من التزام أمر الدُّنيا والإعراض عن الآخرة، وحينئذٍ معنى قوله {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} أنَّه سوف يعطيك الآخرة، ولا يخفى حينئذٍ كمال اشتباك الجمل {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى 5] وعدٌ شاملٌ لما أعطاه من كمال النَّفس وظهور الأمر وإعلاء الدين ولما ادَّخر له ممَّا لا يعرف كُنْهه سواه.

رُوِي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما له في الجنَّة ألف قصر من لؤلؤ

ج 5 ص 536

أبيض ترابه المسك.

والشُّمول مستفادٌ من حذف المفعول الثاني لـ «يعطيك» ، واللام فيه للابتداء دخل الخبر بعد حذف المبتدأ والتَّقدير ولأنت سوف يعطيك، لا للقسم، فإنَّها لا تدخل على المضارع إلَّا مع النون المؤكدة، كذا قال البيضاويُّ.

وفيه أنَّه قال ابن هشام في «المغني» تارةً يجب اللام ويمتنع النون وذلك مع حرف التَّنفيس كالآية، ومع فصل معمول الفعل بين اللام والفعل نحو {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران 158] ومع كون الفعل للحال نحو {لا أقسم} وتارة يمتنعان، وذلك مع الفعل المنفيِّ نحو {تَاللَّهِ تَفْتَأُ} [يوسف 85] وتارة تجبان، وذلك فيما بقي نحو {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء 57] انتهى.

فحينئذٍ يجوز أن تكون اللامان لاما القسم، فأقسمَ الله تعالى على أربعة أشياءٍ اثنان منفيان توديعه وقلاه، واثنان مثَبتان مؤكَّدان وهما كون الآخرة خيرًا له من الدُّنيا وأنَّه سوف يعطيه ربه ما يرضيه، ثمَّ جمع «اللام» مع «سوف» لدَلالة على أنَّ العطاء كائنٌ لا محالة، وإن تأخَّر لحكمةٍ {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى} [الضحى 6] تعديدٌ لما أنعم عليه تنبيهًا على أنَّه كما أحسن إليه فيما مضى يُحسن فيما يستقبل، و «يجدك» من الوجود بمعنى العلم؛ أي ألم يعلمك الله يتيمًا، فيكون يتيمًا مفعوله الثَّاني أو بمعنى المصادفة فيكون يتيمًا حالًا.

فآوى أي جعل لك ما تأوي إليه، يُقال آوى فلان إلى منزله يأوي آويًا وآويته أنا إيواءً، والمأوى [كل] مكان يأوي إليه شيءٌ ليلًا أو نهارًا، يقول تعالى حين كنت صبيًّا ضعيفًا ما تركناك بل ربَّيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفًا على شرفاتِ العرش، وقلنا لك لولاكَ لما خلقتُ الأفلاك التفاسير، أتظنُّ أنَّا بعد هذه الحالة نهجرُك ونتركك، وكان يتمه أنَّ أباه عبد الله بن عبد المطلب توفي وأمُّ رسول الله صلى الله عليه سلم حاملٌ به ثمَّ لها شهران، وبه جزم ابن إسحاق وصحَّحه الذَّهبي.

وقال ابنُ كثير أنَّه المشهور، وابن الجوزي أنَّه قول الجمهور، والقسطلاني أنَّه الرَّاجح، وصحَّ عند الحاكم في «مستدركه» وذلك أنَّه خرج إلى الشام في عير قريشٍ للتِّجارة ثمَّ انصرفوا فمروا بالمدينة فمرض فتخلَّف عند أخواله من بني النَّجار، فماتَ ودفن بدار النَّابغة، وقيل بالأبواء، وهو ابن خمس وعشرين على ما ذكره الواقديُّ.

وقال ابنُ حجر كالعلائي ابن ثمان عشرة، وقيل مات وله صلى الله عليه وسلم عامان وثلث عام، وقيل بالنَّقصان فقيل أقلُّ من عامين، وقيل تسعة أشهر، وقيل سبعة، وقيل شهران، والكل ضعيفٌ.

ثمَّ ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مع جدِّه عبد المطلب وأمه آمنة فهلكتْ أمه آمنة، وهو ابنُ ستِّ سنين، ثمَّ مات جدُّه بعد أمِّه بسنتين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمان سنين، ولمَّا أشرف جده عبد المطلب على الموت أوصى به صلى الله عليه وسلم

ج 5 ص 537

أبا طالبٍ وهو وعبد الله كانا من أمٍّ واحدةٍ.

فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، فقام بنصره مدَّة مديدةً وأحبَّه حبًّا عظيمًا وكان لا ينام إلَّا بجنبهِ ويخصُّه بأنفس الطَّعام، وكان عياله إذا أكلوا جميعًا أو فرادى لم يشبعُوا فإذا أكلَ معهم المصطفى صلى الله عليه وسلم شبعوا، وكان يؤخِّر الغداء والعشاء حتَّى يحضر فيأكل معهم، فيفضل من الطَّعام، وإن لم يكن معهم لم يكفهم، فيقول أبو طالب إنَّه لمباركٌ، ثمَّ توفي أبو طالب وبعد ذلك لم يظهرْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم يُتْمٌ البتة، فذكَّره إليه هذه النِّعمة.

وفي «الفتوحات السبحانية» للإمام المناوي قال العزفي كانت نساء قريشٍ يرين إرضاع أولادهنَّ عارًا، وقيل كانوا يفعلونه؛ لأنَّ الغلام إذا تربَّى غريبًا يكون أنجب وأفصح، وقيل لتتفرغ النساء لأزواجهنَّ، وهذا منتفٍ هنا، وفي «تفسير أبي حيان» عن جعفر الصَّادق وإنَّما يُتِّمَ لئلا يكون لمخلوقٍ عليه منَّة.

وفي «كشف الأسرار» لابن العماد إنَّما رُبِّي يتيمًا لينظر إذا وصل إلى مدارج عزِّه في أوائل أمره، فيعلم أنَّ العزيز من أعزَّه الله، وأنَّ قوته ليست بالآباء والأمهات ولا بالمال والجاه.

{وَوَجَدَكَ ضَالًّا} [الضحى 7] أي عن علم الحكم والأحكام؛ أي وجدك غافلًا عن معالم النُّبوة وأحكام الشَّريعة {فَهَدَى} أي فعلمك بالوحي والإلهام والتَّوفيق للنَّظر، وهذا كقوله تعالى {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى 52] .

وقيل وجدك ضالًّا في الطَّريق حين خرجَ بك أبو طالب إلى الشَّام، وذلك أنَّه رُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج مع عمه أبي طالبٍ في قافلة مَيْسَرة غلام خديجة رضي الله عنها فبينا هو راكبٌ ناقته ذات ليلةٍ ظلماء وهو نائمٌ، فجاء إبليس فأخذ بزمام النَّاقة فعدل به عن الطَّريق، فجاءَ جبريل عليه السلام فنفخَ إبليسُ نفخةً فوقع منها إلى الحبشة، وقيل إلى أرض الهند، ثمَّ ردَّه إلى القافلة.

وقيل «وجدك ضالًّا» حين فطمتك حليمة وجاءت بك ليردك على جدك، فأزال ضلالك على جدك.

{وَوَجَدَكَ عَائِلًا} فقيرًا ذا عيالٍ، يقال عَالَ يَعِيل عَيْلةً وعُيُولًا؛ أي افتقرَ وأعال الرَّجل إذا كثر عياله؛ أي من ينفقْ عليهم، وقيل العائل ذو العيال، ثمَّ أطلق على الفقيرِ وإن لم يكن له عيال، والمشهور أنَّ المراد بالعائل هنا الفقير. ويؤيِّده ما وجد في مصحف عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه «ووجدك عديمًا فأغناك» .

{فَأَغْنَى} [الضحى 8] بما حصل لك من ربح تجارة سفر الشَّام مع مَيْسَرة وبمال خديجة وبتربية أبي طالبٍ وبمال أبي بكر، ثمَّ أمره بالهجرة فأغناه بإعانة الأنصار، ثمَّ أمر بالجهاد فأغناهُ بالغنيمة.

{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضحى 9] فلا تغلبه على ماله لضعفه، وقُرئ «فلا تكهر» ؛ أي فلا تعبس في وجهه {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى 10] فلا تزجر، وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إذا رددت السَّائل ثلاثًا فلم يرجع فلا عليك أن تَزْبُرَه ) )؛ أي تزجره، وقيل إنه ليس بالسَّائل المستجدي، ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره.

{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى 11] فإنَّ التَّحدث بها شكرها، والمراد نعمة الإيواء والهداية والإغناء وغيرها.

وقيل المراد بالنِّعمة النُّبوة والتَّحدث بها وتبليغها، قوبلت الامتنانات الثَّلاث بثلاثة تكاليف، ولما قدَّم ما يقابل المقدَّم عقَّب بذكر ما يقابل الأخير لمراعاة الفواصل، ولأنَّ في تأخيرها ما يقابل الثَّانية ترقيًا إلى الأشرف الأعلى لشموله النِّعم الدِّينية والدُّنياوية، ولأنَّ التَّحلية بعد التَّخلية، وتقديم الثَّاني عند ذكر الامتنانات على الثالث؛ لأنَّ ابتداءه بعد زمان اليتم وقت التَّكليف، فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان موفَّقًا للنَّظر الصَّحيح حينئذٍ

ج 5 ص 538

ولهذا لم يعبد صنمًا.

وقال القاضي عياض في كتاب «الشفا» تضمنت هذه السُّورة من كرامة الله تعالى له وتنويههِ به وتعظيمه إيَّاه ستَّة أوجه

الأوَّل القَسَم له عمَّا أخبر به من حاله بقوله {وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} وهذا من أعظمِ درجات المبرة.

الثَّاني بيان مكانته عندهِ وحظوته لديه بقوله {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي ما تركك وما أبغضك، قيل ما أهملك بعد أن اصطفَاك.

الثالث قوله {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى 1 - 4] قال ابنُ إسحاق أي مالك في مرجعك عند الله أعظم ممَّا أعطاك من كرامة الدُّنيا.

وقال سهلٌ أي ما ذخرتُ لك من الشَّفاعة والمقام المحمود خيرٌ لك ممَّا أعطيتك في الدُّنيا.

الرابع قوله تعالى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى 5] وهذه آيةٌ جامعةٌ لوجوه الكرامة وأنواع السَّعادة وشتات الإنعام في الدَّارين والزِّيادة، قال ابنُ إسحاق يُرضيه بالفلَج [3] في الدُّنيا والثَّواب في الآخرة وقيل يعطيه الحوض والشَّفاعة.

ورُوي عن بعض آل النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال ليس آيةً في القرآن أرجى منها، ولا يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخلَ أحدٌ من أمَّته النَّار.

الخامس ما عدَّه تعالى عليه من نعمه وقرَّره من آلائه في بقيَّة السُّورة من هدايتهِ إلى ما هداهُ أو هداية النَّاس به على اختلاف التَّفاسير، ولا مال له فأغناهُ بما آتاه، أو بما جعله في قلبهِ من القناعة والغنى، ويتيمًا فحدب أي عطفَ وأشفقَ عليه عمه وآواه إليه، وقيل آواه إلى الله، وقيل يتيمًا لا مثالَ لك فآواك إليه.

وقيل المعنى ألم يجدكَ فهدَى بك صَالًّا، وأغنى بك عائلًا، وآوى بكَ يتيمًا، ذكره بهذا المتن، وأنَّه على المعلوم من التَّفسير لم يهملْه في حال صغرهِ وعَيلتهِ ويُتمهِ وقبل معرفته به، ولا ودعه، ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه واصطفائه.

السَّادس أمره بإظهار نعمته عليه، وشُكر ما شرَّفه بنشره، وإشادة ذكره بقوله {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى 11] فإنَّ مِن شُكر النِّعمة التَّحدث بها، وهذا خاصٌّ له عامٌّ لأمَّته، انتهى.

[1] في هامش الأصل واسم أبي لهب عبد العزى كناه أبو لهب لحسن وجهه، قال السهيلي وذلك مقدمة إلى ما يصير إليه من اللهب. منه.

[2] من قوله (( بقوله {وَالَّليْلِ} ... إلى قوله بالنهار في ) )ليس في (خ) .

[3] في هامش الأصل الفلَج الفور بجميع المباغي والمقاصد. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت