1130 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين المهملة، هو ابن كِدَام العامري الهلالي، وقد مرَّ في باب «الوضوء بالمد» [خ¦201] (عَنْ زِيَاد) بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية، هو ابن عِلاقة التغلبي، وقد مرَّ في آخر كتاب «الإيمان» [خ¦58] .
(قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ) أي ابن شعبة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ إِنْ) مخففة من المثقلة وضمير الشأن محذوف، والتقدير إنَّه (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ) بفتح اللام للتأكيد (لِيُصَلِّيَ) بكسر اللام؛ أي للصَّلاة، وفي رواية بدون اللام (_ أَوْ لَيُصَلِّي _) بفتح اللام بدل «ليقوم» ، وهو شكٌّ من الرَّاوي (حَتَّى تَرِمَ بالنصب) ؛ أي إلى أن ترمَ، ويجوز الرفع، وفي رواية خلاد بن يحيى (( حتَّى ترمَ أو تنتفخ ) ) [خ¦6471] وفي رواية أبي عَوانة عن زياد عند الترمذي (( حتى انتفختْ ) ). وفي رواية للبخاريِّ في «تفسير الفتح» (( حتَّى تورَّمت ) ) [خ¦4836] وللنَّسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( حتَّى يزلعَ ) )بزاي وعين مهملة، ولا اختلاف بين هذه الرِّوايات في الحقيقة، فإنَّه إذا حصل الانتفاخ والورم حصل الزلع والتَّشقق.
(قَدَمَاهُ) وقد مرَّ تفسيره (_ أَوْ سَاقَاهُ _) شكٌّ من الراوي، وفي رواية خلاد (( قدماه ) ) [خ¦6471] من غير شكٍّ.
(فَيُقَالُ لَهُ) لم يذكر المقول ولم يسمَّ القائل من هو، وفي «تفسير الفتح» (( فقيل له غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر ) ) [خ¦4836] .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البزار (( فقيل له يا رسول الله أتفعل هكذا وقد جاءك من الله أنْ قد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر ) ). وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني في «الصغير» (( فقيل يا رسول الله قد غفرَ الله لك ) )، وفي حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنه أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (( فقيل له يا رسولَ الله أوليس الله قد غفرَ لك ) ).
وفي حديث أبي جُحَيفة رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني في «الكبير» (( فقيل يا رسولَ الله قد غفرَ الله لك ) )، وفي رواية أبي عَوَانة (( فقيل له أتتكلَّف هذا ) ).
وأمَّا القائل ففي حديث عائشة رضي الله عنها فقالت عائشة رضي الله عنها (( لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفرَ الله لك ) ) [خ¦4837] .
(فَيَقُولُ أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكورًا ) )وزادت فيه (( فلمَّا كثر لحمه صلى جالسًا ... ) )الحديث [خ¦4837] .
والفاء في قوله «أفلا أكون» للسببية وهي منبئة عن محذوف؛ أي أأترك قيامي وتهجُّدي لما غَفَر لي فلا أكون عبدًا شكورًا.
والمعنى أنَّ المغفرة سببٌ لأن أقوم وأتهجَّد شكرًا له، فكيف أتركه؛ يعني ألا أشكره
ج 5 ص 553
وقد أنعم عليَّ وخصَّني بخير الدَّارين، فإنَّ الشّكور من أبنية المبالغة تستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد بالذِّكر مشعرٌ بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى.
ومن ثمة وصفه به في مقام الإسراء، ولأنَّ العبودية تقتضي صحَّة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر.
قال ابن بطَّال وفي هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشِّدة في العبادة، وإن أضرَّ ذلك ببدنه، وله أن يأخذَ بالرُّخصة ويُكلِّف نفسه بما سمحتْ به، إلا أنَّ الأخذَ بالشِّدَّة أفضل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له وبأنه قد غُفِر له، فكيف بمن جهل حاله وأثقلتْ ظهره الأوزار، ولا يأمن عذابَ النار، لكن ينبغي أن يُقَّد ذلك بما إذا لم يُفضِ إلى الملال؛ لأنَّ حال النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال، فكان لا يملُّ من عبادة ربه، وإن أضرَّ ذلك ببدنه، بل صحَّ أنه قال (( وجعلتْ قرَّة عيني في الصَّلاة ) )كما أخرجه النسائي من حديث أنس رضي الله عنه.
فأما غيره صلى الله عليه وسلم فإذا خشي الملال لا ينبغي له أن يُكِدَّ نفسه، وعليه يُحمل قوله صلى الله عليه وسلم (( خذوا من الأعمال ما تطيقون فإنَّ الله لا يملُّ حتى تملوا ) ) [خ¦1970] .
وفي الحديث أيضًا مشروعية الصَّلاة للشكر.
وفيه أيضًا أن الشُّكر يكون بالعمل كما يكون باللِّسان، كما قال تعالى {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ 13] ، فإذا وفَّقه الله تعالى لعمل صالحٍ شَكَر ذلك بعملٍ آخر، ثمَّ يكون شُكْر ذلك العمل الثاني بعمل ثالث، فتسلسل إلى غير نهاية، ولذلك قال تعالى {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ 13] .
وقال القرطبي ظنَّ من سأله عن سبب تحمِّله المشقة في العبادة أنَّه إنما يعبد الله خوفًا من الذنوب، وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنَّه غُفِر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة وهو الشُّكر على المغفرة، وإيصالُ النِّعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئًا، فيتعيَّن كثرة الشُّكر على ذلك، والشُّكر الاعتراف بالنِّعمة والقيام بالخدمة، فمَن كثر ذلك منهُ سمِّي شكورًا، ومن ثمَّة قال سبحانه وتعالى {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ 13] .
وفيه أيضًا ما كان النَّبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه.
قال العلماء إنَّما ألزم الأنبياء عليهم السلام أنفسهم شدَّة الخوف؛ لعلمهم بعظيم نعمة الله عليهم، وأنَّه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته؛ ليؤدُّوا بعض شكره، فإنَّ حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم.
ج 5 ص 554
تتمَّة قال بعض العلماء ما ورد في القرآن والسُّنة من ذكر ذنبٍ لبعض الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام كقوله تعالى {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ} [طه 121] ونحو ذلك، فليس لنا أن نقول ذلك في غير القرآن والسُّنة حيث ورد، ويأوَّل ذلك على ترك الأولى، وسُمِّيت ذنوبًا؛ لعظم مقدارهم، كما قال بعضهم حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين.
وعلى هذا فوجه قول من سأله من الصَّحابة رضي الله عنهم بقوله «أتتكلَّف هذا وقد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟» . أنَّه إنَّما أراد به ما وقع في سورة الفتح، ولعلَّ بعض الرُّواة اختصر عَزْو ذلك إلى الله تعالى، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه «تفعل ذلك وقد جاءك من الله أن قد غُفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟»
ولك أن تقول دلَّ قوله «وما تأخر» ، على انتفاء الذَّنب؛ لأنَّ ما لم يقع إلى الآن لا يسمَّى ذنبًا في الخارج، وأراد الله تعالى تأمينه بذلك؛ لشدَّة خوفه حيث قال صلى الله عليه وسلم (( إنِّي لأعلمكم بالله وأشدُّكم له خشية ) ) [خ¦6101] . فأراد سبحانه وتعالى أن لو وقع منك ذنبٌ لكان مغفورًا، ولا يلزمُ من فرض ذلك وقوعه، والله أعلم.
ورجال إسناد حديث الباب كوفيُّون، وهو من الرباعيَّات، وفيه مسعرٌ عن زياد.
وللمؤلف في «الرِّقاق» [خ¦6471] عن خلاد بن يحيى، عن مسعر حدَّثنا زياد بن علاقة. والحفَّاظ من أصحاب مسعر رووا عنه عن زياد، وخالفهم محمَّد بن بشر وحده، فرواه عن مسعر عن قتادة عن أنس. أخرجه البزار وقال الصَّواب عن مسعر عن زياد.
وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» من رواية أبي قتادة الحرَّاني عن مسعر عن علي بن الأقمر عن أبي جُحيفة. وأخطأ أيضًا، والصَّواب مسعرٌ عن زياد عن علاقة، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
وقال العينيُّ مسعر كما روى عن زيادٍّ قد روى أيضًا عن عليِّ بن الأقمر، فما وجه التَّخطئة ولم يبين مدَّعيها.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في «التفسير» أيضًا [خ¦4837] ، وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب، والترمذي في «الصَّلاة» ، وكذا النسائي وابن ماجه.
[1] كذا في المخطوط.