فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 11127

10 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، هو أبو الحسن آدم بن عبد الرحمن بن محمد، أصله من خراسان، نشأ ببغداد، وكتب عن شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام ومصر، واستوطن عسقلان الشام.

قال أبو حاتم هو ثقة مأمون متعبِّد من خيار عباد الله، وكان ورَّاقًا، وتوفي بعسقلان سنة عشرين ومائتين، وهو ابن ثمان وثمانين، وقيل ابن نيف وتسعين سنة، وليس في كُتب الحديث آدم بن أبي إياس غير هذا.

(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) وفي رواية ابن عساكر غير منصرف، هو أبو بسطام بن الحجاج بن الورد الأزدي، مولاهم الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة، وهو إمامٌ من أئمة الإسلام، والعلماء مجمعون على إمامته وجلالة قدره وعرفانه وورعه.

قال الشافعيُّ لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق. وقال أحمد كان شعبة أمَّة واحدة في هذا الشأن. وقال سفيان الثوري شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وكان ألثغ.

وقيل جف جلده على عظمهِ، ليس بينهما لحم من كثرة عبادة الله، مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة، وليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ)

ج 1 ص 175

بفتح السين والفاء، وحُكي إسكان الفاء، وأبو السَّفَر هو سعيد بن يُحمَد _ بضم الياء وفتح الميم _ كذا ضبطه النووي.

وضبط الغساني بضم الياء وكسر الميم، الثوري الهمداني الكوفي، مات في خلافة مروان بن محمد الذي به ختام الدولة الأموية، استخلف سنة سبع وعشرين ومائة، وانقرض إلى خمس سنين، روى له الجماعة.

(وَ) عن (وَإِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالد، كما وقع في نسخة أبو عبد الله البجلي، نسبة إلى بجيلة بنت صعب بن سعد الأحمسي مولاهم الكوفي، سمع خلقًا من الصحابة منهم أنس بن مالك، وجماعة من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام، وكان عالمًا متقنًا صالحًا ثقة.

قال مروان بن معاوية وكان إسماعيل يسمَّى الميزان، وكان طحانًا، توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين ومائة، وكلاهما

(عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة والباء الموحدة، هو أبو عمرو عامر بن شراحيل، وقيل ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي التابعي الجليل الثقة، نسب إلى شعب وهو بطن من همْدان _ بسكون الميم وإهمال الدال _ وُلد لستة مضت من خلافة عثمان رضي الله عنه.

روى عن خلق من الصَّحابة منهم عمر وعلي والسِّبْطان وسعد وسعيد وابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم. روي عنه أنَّه قال أدركتُ خمسمائة من الصَّحابة.

وقال ما كتبتُ سوداء في بيضاءَ، ولا حدَّثني أحد بحديث فأحببتُ أن يعيدَه عليَّ، ولا حدَّثني رجل بحديث إلَّا حفِظته. وقال ابنُ عيينة كان الشَّعبي أكبر الناس في زمانه. وقال أحمد بن عبد الله ومرسله صحيحٌ، روى عنه قتادة وخلق من التابعين، وَلِيَ قضاء الكوفة، ومات بها سنة ثلاث أو أربع أو خمس أو ست ومائة، وهو ابن نيف وثمانين سنة.

وكان ضئيلًا فقيل له ما لنا نراك نحيفًا؟ فقال إنِّي زوحمت في الرحم، وذلك لأنَّه كان أحد التَّوأمين، وكان أمه من سبي جَلولاء، وهي قرية بناحية فارس وكان مزَّاحًا.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بالواو (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) هو عَمرو بن العاص بن وائل القرشي، السَّهمي الزَّاهد العابد الصَّحابي ابن الصَّحابي كنيته أبو محمد على الأصح. وأمُّه رَيْطة بنت منبِّه بن الحجاج، أسلم قبل أبيه وشهد معه صفين، وكان يضرب بسيفين، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتي عشرة سنة. وقيل إحدى عشرة، قالوا ولا يعرف أحد غيره بينه وبين والده هذا السن.

وكان غزير العلم مجتهدًا في العبادة، وكان أكثر حديثًا من أبي هريرة؛ لأنَّه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، ومع ذلك فالَّذي رُوي له قليل بالنسبة إلى ما روي لأبي هريرة؛ لأنَّه سكن مصر، وكان الواردون إليهما قليلًا بخلاف أبي هريرة فإنَّه استوطن المدينة وهي مقصدُ المسلمين من كلِّ جهةٍ.

رُوي له سبعمائة حديث اتَّفقا منها على سبعة عشًر،

ج 1 ص 176

وانفرد البخاريُّ بثمانية عشر، ومسلم بعشرين. وكان أحمر عظيم البطن، وعَمي في آخر عمره.

مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة سنة خمس أو ثلاث أو سبع وستين أو اثنتين أو ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.

وفي الصحابة عبد الله بن عَمرو جماعات عدتهم ثمانية عشر.

ومن لطائف هذا الإسناد أن كلهم على شرط الستة إلا آدم فإنه ليس على شرط مسلم وأبي داود. ومنها أن شعبة فيه يروي عن اثنين أحدهما عبد الله بن أبي السَّفَر، والآخر إسماعيل بن أبي خالد، وكلاهما يرويان عن الشعبي، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة.

وأخرجه المؤلف أيضًا في الرقاق [خ¦6484] . وأخرج مسلم بعضه في (( صحيحه ) )عن جابر مرفوعًا (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) )مقتصرًا عليه.

وأخرج المؤلف أيضًا من حديث عبد الله بن عَمرو أن رجلًا سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أيُّ المسلمين خير؟ قال (( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ) [خ¦6484] .

وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم أيضًا.

(عَنِ النَّبِيِّ) أنه (قَالَ الْمُسْلِمُ) أي الكامل من قبيل زيد الرجل؛ أي الكامل في الرُّجولية بحمل الألف واللام على الجنس، فإن الجنس إذا أُطلق على شيء من أفراده يكون محمولًا على الكمال.

قال القاضي عياض وغيره المراد الكامل الإسلام والجامع لخصاله، من لم يؤذ مسلمًا لا بقول ولا بفعل. وهذا من جوامع كلامه صلَّى الله عليه وسلم وفصيحهِ كما يقال المال الإبل، والناس العرب على التَّفضل لا على الحصر. وقد سبق ما يبيِّن هذا التَّأويل وهو قول السَّائل أيُّ المسلمين خير؟ وجوابه صلَّى الله عليه وسلم بقوله (( مَن سلم المسلمون من لسانه ويده ) ).

وقال الخطَّابي معناه أنَّ المسلم الممدوح من كان هذا وصفه.

(مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ) وكذا المسلمات، فجمع التذكير للتَّغليب، وأهل الذِّمة، فذِكرُ المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ محافظة المسلم على كفِّ الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا، ولأنَّ الكفار بصدد أن يقاتَلوا، وإن كان يجب الكف عنهم ما داموا أهل ذمة.

(مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) خصَّ اللِّسان بالذِّكر؛ لأنه المُعبِّر عمَّا في النفس، وكذا اليد مع أنَّ الفعل قد يحصل بغيرها أيضًا؛ لأنَّ سلطنة الأفعال إنَّما يظهر بها، إذ بها البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع والإعطاء.

قال الزمخشريُّ لمًّا كان أكثر الأعمال تُباشَر بالأيدي غُلِّبت فقيل في كل عمل هذا ممَّا عملت أيديهم، وإن كان بعضها لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي، هذا فالمراد في الحديث ما هو أعم من الجارحة كالاستيلاء على حقِّ الغير من غير حقِّ فإنه أيضًا إيذاء، لكنه ليس باليد الحقيقيَّة.

ولأنَّ الإيذاء باليد واللِّسان أكثر فاعتُبِر الغالب، وعَبَّر باللسان دون القول؛ ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاء بصاحبه. وقدَّمها على اليد؛ لأنَّ إيذاءها أكثر وقوعًا وأسهل، أو لأنَّه أشد نكاية قال صلَّى الله عليه وسلم لِحسَّان (( اهْجُ المشركين فإنَّه أشق عليهم من رشق النِّبال ) ).

وقد قال الشَّاعر

~وقد يُرجى لجرحِ السَّيف بُرءٌ ولا بُرء لِمَا جَرَحَ اللِّسانُ

والحديث عام بالنسبة إلى اللِّسان دون اليد؛ لأن اللِّسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعدُ بخلاف اليد. نعم يمكن

ج 1 ص 177

أن يشارِك اللِّسان في ذلك في الكتابة، وإنَّ أثرها في ذلك لعظيم، ويُستثنى من ذلك الحكم الحَدُّ والتَّعزير والتَّأديب.

فإن قلت هذا الحديث يستلزم أنَّ من اتَّصف بهذا خاصة كان مسلمًا كاملًا.

فالجواب أنَّ الاستلزام ممنوع؛ لأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، أو يكون المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين، كما قاله الخطابي، أو هو واردٌ على سبيل المبالغة؛ تعظيمًا لترك الإيذاء، كأنَّ تَرْك الإيذاء هو نفسُ الإسلام الكامل، وهو محصورٌ فيه على سبيل الادِّعاء وأمثاله كثيرة.

قال العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون المراد بذلك تبيين علامة المسلم الَّتي يستدلُّ بها على إسلامهِ وهي سلامةُ المسلمين من لسانهِ ويده، كما ذكر مثله في علامةِ المنافق.

ويحتملُ أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حُسن معاملة العبد مع ربِّه؛ لأنَّه إذا أحسنَ معاملة إخوانه فأَوْلى أن يُحسِنَ معاملة ربِّه، فيكون من باب التَّنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى.

ونظر فيه محمود العيني من وجهين

الأول أن قوله يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حُسن معاملة العبد مع ربّه ممنوع؛ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة غير أنَّ الثابت في الإشارة غير مقصود من الكلام، ولا مسوق له الكلام، فانظر هل تجد فيه هذا المعنى.

والثاني أنَّ قوله فأَوْلى أن يُحسِن معاملة ربه؛ ممنوع أيضًا، ومن أين الأولوية في ذلك والأولوية موقوفة على تحقُّق المدَّعى والدعوى غير صحيحة؛ لأنَّا نجد كثيرًا من الناس يَسلَمُ الناس من لسانهم وأيديهم، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى.

هذا وفي هذا النَّظر نظر، فتأمل وتدبر.

وأما ما يقال من أنَّه يُفهَم من الحديث أنَّ من لا يسلم المسلمون منه لا يكون مسلمًا مع الاتَّفاق على أنه إذا أتى بالأركان الخمسة فهو مسلمٌ بالنَّص والإجماع فمدفوعٌ بما سبق من أنَّ المراد من المسلم هو الكامل على أنَّ سلامة المسلمين خاصة المسلم، ولا يلزم من انتفاء الخاصة انتفاء ماله الخاصة، فافهم.

(وَالْمُهَاجِرُ) أي الهاجر حقيقة، فالمهاجر كالمسافر بمعنى السَّافر، والمسارع بمعنى السَّارع وإن كان لفظ الفاعل يقتضي وقوع فعل بين اثنين، لكنَّه قد يكون للواحد وهو الَّذي فارق عشيرته ووطنه (مَنْ هَجَرَ) أي ترك من هجره يهجُره _ بالضم _ هجرًا وهجرانًا، والاسم الهجرة.

وفي (( العباب ) )الهجر ضدُّ الوصل. ومنه قيل للكلام الفاحش هُجْر _ بضم الهاء _؛ لأنه ينبغي أن يُهجَر.

(مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)

ج 1 ص 178

اعلم أنَّ الهجرة ضربان ظاهرة، وباطنة. فالباطنة ترك ما تدعوا إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدِّين من الفتن، فكأن المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يتكلوا على مجرد التحوُّل من دارهم إلى المدينة بل يجب عليهم أن يهجروا ما نهى الله تعالى ويمتثلوا أوامر الله؛ لتكمل هجرتهم.

ويحتمل أنه لمَّا انقطعت الهجرة لمَّا فُتحت مكة شقَّ فوات الهجرة على من لم يدرك ذلك، فأعلمهم النبي صلَّى الله عليه وسلم بأن حقيقةَ الهجرة هي هَجْر ما نهى الله عنه؛ تطييبًا لقلوبهم. ويحتملُ أن يكون هذا بيانًا؛ لانقطاع الهجرة، فكأنه قال عليه السَّلام انقطعت الهجرة فلا هجرة بعد إلَّا هجرة المعاصي.

وقال الخطَّابي _ كما قال في الجملة الأولى من هذا الحديث _ أن المهاجر الممدوح هو الذي جمع إلى هجران وطنه هَجْر ما حرَّم الله تعالى عليه، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال مستفيضٌ في كلامهم.

قال الكرمانيُّ والإثبات أيضًا كذلك؛ أي إثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال مستفيضٌ في كلامهم.

تنبيه قال الكرمانيُّ اعلم أنَّ الإسلام في الشَّرع يطلق على معنيين

أحدهما دون الإيمان، وهي الأعمال الظَّاهرة، كما في قوله تعالى {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات 14] .

والثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الإيمان استسلام لله تعالى في جميع ما قضى وقدَّر، وإخلاص وإحسان، كما في قوله تعالى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة 131] .

فيحتمل أن يكون المراد من المسلم في الحديث المُخلص المستسلم لقضاء الله وقدره، الرَّاضي به، فكأنه قال من أسلم وجهه لله ورضي بتقديراته، لا يتعرض لأحد بإيذاء أو بكفِّ أذاه عنهم بالكلِّية سيما عن إخوانه المسلمين، وهذا كلام حسنٌ فتدبَّره.

وفي الحديث فوائد

منها الحث على ترك أذى المسلمين بكلِّ ما يؤذي. ومنها الردُّ على المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقصٌ. ومنها الحثُّ على ترك المعاصِي واجتناب المناهي.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) البخاري، وفي رواية بإسقاط هذا اللفظ (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم _ بالخاء والزاي المعجمتين _ الضرير الكوفي، التميمي السعدي، مولى سعد بن زيد بن مناة بن تميم. يقال عَمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان سنين، روى عن الأعمش وغيره. وعنه أحمد وإسحاق، وهو ثبت في الأعمش، وكان مرجئًا، مات في صفر سنة خمس وتسعين ومائة.

وفي الرواة أيضًا أبو معاوية النَّخعي

ج 1 ص 179

عمرو، وأبو معاوية شيبان.

(حَدَّثَنَا دَاوُدُ) هو ابن أبي هند، كما وقع في رواية مولى عبد الله بن عامر، أحد الأعلام الثِّقات، بصري رأى أنسًا وسمع الشَّعبي وغيره من التابعين، وعنه شعبة والقطان، له نحو مائتي حديث، وكان حافظًا صوَّامًا دهره، قانتًا لله تعالى. مات سنة أربعين أو تسع وثلاثين ومائة بطريق مكة، عن خمس وسبعين سنة.

روى له الجماعة والبخاري استشهد به هاهنا خاصة، وليس له في (( صحيحه ) )ذكر إلا هنا.

(عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبي السَّابق ذِكرُه قريبًا (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السامي _ بالسين المهملة _ من بني سامة بن لؤي القرشي البصري. روى عن الجُرَيري وغيره، وعنه بُنْدار وغيره، وهو ثقةٌ قدريٌّ لكنه غير داعٍ، مات في شعبان سنة تسع وثمانين ومائة.

وفي (( الصحيحين ) )عبد الأعلى ثلاثة، وفي ابن ماجه آخر واهٍ، وآخر كذلك، وآخر صدوق، وفي الترمذي آخر ثقة، وفي الأربعة آخران ضعَّفهما أحمد فالجملة تسعة، وفي الضَّعفاء سبعة أخرى.

(عَنْ دَاوُدَ) بن أبي هند، السابق ذكره (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن العاص (عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم) وهذان تعليقان من تعليقات البخاري؛ لأنَّ البخاري لم يلحق أبا معاوية؛ لأنه ولد سنة أربع وتسعين ومائة، سنة وفاته، أو قبله بسنة، ولا عبد الأعلى؛ لأنَّ وفاته قبل ولادة البخاري بخمس سنين.

ونبَّه بالتعليق الأول بيان سماع الشَّعبي من عبد الله بن عمرو؛ لأن وُهيب ابن خالد روى عن داود، عن الشَّعبي، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو. حكاه ابن منده، فأخرج البخاري هذا التعليق؛ لينبِّه على سماع الشعبي من عبد الله بن عَمرو، فعلى هذا لعلَّ الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله بن عمرو، ثم لقيه فسمعه منه.

ونبَّه بالتعليق الثَّاني على أنَّ عبد الله الذي أُبهم في رواية عبد الأعلى هو عبد الله بن عمرو الذي بُيِّن في رواية أبي معاوية، والحديث المعلَّق عند أهل الحديث هو الَّذي حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر. وقد أكثر البخاري في (( صحيحه ) )ولم يستعملْه مسلم إلا قليلًا، واستعمالهما ذلك في كتابيهما دليل الصِّحة إذ هما ترجما كتابيهما [1] بالصحيح من أخبار رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فلولا أنه عندهما سند متَّصل صحيحٌ لم يدخلاه في كتابيهما.

ثمَّ إن التَّعليق الأول وصله إسحاق بن راهويه في (( مسنده ) )عن أبي معاوية،

ج 1 ص 180

وأخرجه ابن حبَّان في (( صحيحه ) )فقال حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير حدَّثنا محمد بن العلاء بن كُرَيب حدَّثنا أبو معاوية حدَّثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول ورب هذا البيت لَسَمِعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول (( المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ) ). فعُلِم أنه ما أراد إلَّا أصل الحديث.

قال الحافظ العسقلانيُّ والمراد بالناس هنا المسلمون، كما في الحديث الموصول، فهُم الناس حقيقةً عند الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق يُحمَل على الكامل. ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرطٍ وهو إلَّا بحقٍّ مع أن إرادة هذا الشرط متعيَّنة على كل حال. انتهى.

وقال محمود العيني فيه نظر من وجوه

أما أوَّلًا فقوله فهُم الناس حقيقةً، يدل على أنَّ غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة وليس كذلك.

وأما ثانيًا فلأن قوله ويمكن حمله ... إلى آخره، غير سديد؛ لأنه عامٌّ قطعًا.

وأما ثالثًا فلِأنَّ تخصيص الشرط المذكور بهذا الحديث غير موجَّه، بل هو مراعى هاهنا، وفي الحديث الموصول فبهذا الشرط يخرج عن العموم في حقِّ الأذى بالحق، وأمَّا في حق المسلم والذِّمي فعلى عمومه. انتهى.

وفي كلٍّ من وجوه النظر تأمُّل، فتأمل.

[1] (( دليل الصحة إذ هما ترجما كتابيهما ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت