فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 11127

1145 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هو ابن عبد الرَّحمن (وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ) سلمان (الأَغَرِّ) بالغين المعجمة وتشديد الراء، الثَّقفي الجهني، والأغر اثنان أبو عبد الله، وأبو مسلم، ومن أهل العلم من جعلهما واحدًا لروايتهما عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث النُّزول. والحقُّ أنَّهما اثنان، والله أعلم كلاهما يرويان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى) بفتح الياء فعل مضارع من نزل.

وقال ابنُ فورك ضبط لنا بعض أهل النَّقل هذا الخبر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بضم الياء، من الإنزال. وذكر أنَّه ضبط عمَّن سمع منه من الثِّقات الضَّابطين، فيكون معدَّى إلى مفعول محذوف؛ أي يُنزِل اللهُ ملكًا.

قال القرطبي والدَّليل على صحَّة هذا ما رواه النَّسائي من حديث الأغر، عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله عزَّ وجلَّ يمهل حتَّى يمضيَ شطر اللَّيل الأوَّل، ثمَّ يأمر مناديًا، يقول هل من داع فيُستجاب له ... ) )الحديث، وصحَّحه عبد الحقِّ.

وعلى رواية الضم؛ فلا إشكال في الحديث، ولا يعكِّر عليه ما في رواية رفاعة الجُهني (( ينزلُ الله إلى السَّماء الدُّنيا فيقول لا أسألُ عن عبادِي غيري ) )رواه ابن حبَّان في «صحيحه» ؛ لأنَّه يجوز أن يكون الملَك مأمورًا بالمناداة، ولا يسأل البتَّة عمَّا كان يعمله العباد، فهو سبحانه وتعالى أعلم بما كان وبما يكون، ولا يخفى عليه خافية.

وفي رواية مالك عند مسلم (( يتنزَّل ربنا ) )بزيادة تاء بعد ياء المضارعة، ومعنى ذلك أنَّ مقتضى عظمة الله تعالى وجلاله واستغنائه أن لا يعبأَ بحقيرٍ ذليلٍ فقيرٍ، لكن يتنزَّل بمقتضى كرمه ولطفه ويقول من يقرضُ غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله (( إلى السَّماء الدُّنيا ) )عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدُّنيا بمعنى القربى.

وأمَّا على رواية (( يَنزل ) )بفتح الياء، فقد اختلف العلماء في معناه، فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهو الانتقالُ من فوق إلى تحت، وممَّن قال بذلك ابن قتيبة وابن عبد البرِّ. وحُكِي أيضًا عن أبي محمَّد بن أبي زيد القيرواني.

وأنكر ذلك جمهور العلماء؛ لأنَّ القول بالجهةِ يؤدِّي إلى تحيُّز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك.

ومنهم من أنكر صحَّة الأحاديث الواردة في ذلك وهم الخوارج والمعتزلة، أو أكثرهم كجَهْم بن صفوان، وإبراهيم بن صالح، ومنصور بن طلحة وهو مكابرة.

ج 5 ص 590

والعجب أنَّهم أوَّلوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما ورد في الحديث إمَّا جهلًا وإمَّا عنادًا.

وذكر البيهقيُّ في كتاب «الأسماء والصِّفات» عن موسى بن داود قال قال لي عبَّاد بن عوَّام قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحوٍ من خمسين سنة قال فقلتُ يا أبا عبد الله إنَّ عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، قال فحدَّثني نحو عشرة أحاديث من نحو هذا، وقال أمَّا نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التَّابعين عن أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فهم عمَّن أخذوا.

وقد وقع بين إسحاق بن راهويه وبين إبراهيم بن صالح المعتزلي، وبينه وبين منصور بن طلحة أيضًا منهم كلامٌ بعضه عند عبد الله بن طاهر، وبعضه عند ابنه طاهر بن عبد الله.

قال إسحاق بنُ راهويه جمعني وهذا المبتدع _ يعني إبراهيم بن صالح المعتزلي _ مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، فسألني الأمير عن أخبار النُّزول فسردتها فقال إبراهيم كفرتُ بربٍّ ينزل من سماء إلى سماء، فقلت آمنت بربٍّ يفعلُ ما يشاء، قال فرضي عبد الله كلامي، وأنكرَ على إبراهيم.

وقد أخذَ إسحاق كلامه هذا من الفضيل بن عياض رحمه الله، فإنَّه قال إذا قال الجهميُّ أنا أكفر بربٍّ ينزلُ ويصعدُ، فقلت آمنت بربٍّ يفعلُ ما يشاء. ذكره أبو الشَّيخ ابن حيَّان في كتاب «السنَّة» .

وذكر فيه عن أبي زرعة قال هذه الأحاديث المتواترة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهي عندنا صحاح قويَّة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ينزل ) )، ولم يقل كيف ينزل، فلا نقول كيف ينزل، نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابنُ المبارك حين قال له رجلٌ كيف ينزلُ الله تعالى؟ فقال له بالفارسيَّة توكد خداي كار خويش؛ أي ينزل كما يشاء.

وروى البيهقيُّ في كتاب «الأسماء والصِّفات» أنا أبو عبد الله الحافظ، قال سمعت أبا محمَّد أحمد بن عبد الله المزني يقول حديث النُّزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحةٍ، وورد في التَّنزيل ما يصدِّقه وهو قوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر 22] .

ومنهم من أوَّل وأفرط في التَّأويل حتَّى كاد أن يخرجَ إلى نوع من التَّحريف.

ومنهم من فصَّل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأوَّلوا في بعض وفوَّضوا في بعض.

ونُقِل ذلك عن مالك، وجزم به من المتأخِّرين

ج 5 ص 591

ابن دقيق العيد.

والجمهورُ سلكوا في هذا الباب الطَّريق الواضحة السَّالمة، وأجروها على ما ورد مؤمنين به على طريقِ الإجمال، منزِّهين لله تعالى عن التَّشبيه والكيفيَّة. ومنهم الزُّهري والأوزاعي وابن المبارك والسُّفيانان واللَّيث بن سعد وحمَّاد بن زيد وحمَّاد بن سلمة وغيرهم من أئمَّة الدِّين. ومنهم الأئمَّة الأربعة مالك وأبو حنيفة والشَّافعي وأحمد.

قال البيهقيُّ في كتاب «الأسماء والصِّفات» قرأت بخطِّ الإمام أبي عثمان الصَّابوني عقب حديث النُّزول، قال الأستاذ أبو منصور الخُمْشادي وقد اختلف العلماء في قوله «ينزل الله» ، فسئل أبو حنيفة رحمه الله فقال بلا كيف. وقال حمَّاد بن زيد نزوله إقباله.

وروى البيهقي في كتاب «الاعتقاد» بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى قال قال لي محمَّد بن إدريس الشَّافعي لا يقال للأصل لِمَ ولا كيف. وروى بإسناده إلى الرَّبيع بن سليمان قال قال الشَّافعي الأصل كتاب أو سنَّة أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع النَّاس.

قال البيهقيُّ وأسلم الوجوه الإيمان بلا كيف، والسُّكون عن المراد، إلَّا أن يَرِدَ ذلك عن الصَّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيُصار إليه. ومن الدَّليل على ذلك اتِّفاقهم على أنَّ التَّأويل المعين غير واجبٍ فحينئذٍ التَّفويض أسلم.

وقال ابنُ العربي حكي عن المبتدعة ردُّ هذه الأحاديث، وعن السَّلف إمرارها، وعن قوم تأويلها، وبه أقول، فأمَّا قوله «ينزل» فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل عن أمره ونهيه، والنُّزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني، فإنْ حملتَه في الحديث على الحسِّي فتلك صفة الملَك المبعوث بذلك، وإن حملته على المعنوي بمعنى أنَّه لم يفعل ثمَّ فعل فسمِّي ذلك نزولًا عن مرتبة إلى مرتبةٍ فهي عربيَّة صحيحةٌ. انتهى.

والحاصل أنَّه لا شكَّ أنَّ النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله تعالى منزَّه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، والعلماء فيه فرقتان

الأولى المفوِّضة يؤمنون بها ويفوِّضون تأويلها إلى الله عزَّ وجلَّ مع الجزم بتنزيههِ عن صفات النُّقصان.

والثَّانية المأوِّلة يأوِّلونها على ما يليق به بحسب

ج 5 ص 592

المواطن، فأوَّلوا قوله «ينزل الله» بأنَّ المعنى ينزل أمره أو الملَك بأمره، وبأنَّه استعارة، ومعناه التلطُّف بالدَّاعين والإجابة لهم كما هو ديدن الملوك الكرماء والسَّادة الرُّحماء إذا نزلوا بقرب قومٍ محتاجين ملهوفين فقراءَ مستضعفين.

وقال البيضاويُّ لمَّا ثبت بالقواطع العقليَّة والنقليَّة أنَّه سبحانه منزَّه عن الجسميَّة والتحيُّز امتنع عليه النُّزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد دنو رحمته.

وقد روي (( يهبطُ الله من السَّماء العليا إلى السَّماء الدُّنيا ) )؛ أي يتنقَّل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال، وقهر الأعداء، والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام من الرَّأفة والرَّحمة والعفو. ويقال لا فرقَ بين المجيء والإتيان والنُّزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسُّكون والنُّقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، وإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان تأويل ذلك على حسب ما يليقُ بنعته وصفته تعالى.

فالنُّزول لغةً تستعمل لمعان خمسة مختلفة بمعنى الانتقال، كقوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان 48] ، وبمعنى الإعلام كقوله تعالى {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء 193] ؛ أي أعلم به الرُّوح الأمين محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وبمعنى القول {سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام 93] ؛ أي سأقول مثل ما قال. وبمعنى الإقبال على الشَّيء، وذلك مستعمل في كلامهم، جار في عرفهم يقولون نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دنيِّها؛ أي أقبل. وبمعنى نزول الحكم حتَّى نزل بنا بنو فلان؛ أي حكم، ويقال أيضًا نزل قدر فلان عند فلان؛ إذا انخفض، وذلك كله متعارف عند أهل اللُّغة، وإذا كان كذلك وجبَ حمل ما وُصِف به الرَّب جلَّ جلاله من النُّزول على ما يليقُ به من بعض هذه المعاني، وهو إقباله على أهلِ الأرض بالرَّحمة والاستيقاظ بالتَّذكير والتَّنبيه الذي يلقى في القلوب، والزَّواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطَّاعة.

وقوله (( تبارك وتعالى ) )، وفي بعض النُّسخ جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، لمَّا أسند ما لا يليقُ إسناده بالحقيقة إلى الله تعالى أتى بما يدلُّ على التنزيه على سبيلِ الاعتراض.

(كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي القربى إلى وجه الأرض(حِينَ يَبْقَى

ج 5 ص 593

ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ)برفع «الآخِر» _ بكسر الخاء _ على أنَّه صفة للثلث، ولم تختلف الرِّوايات عن الزُّهري في تعيين الوقت، واختلفت الرِّوايات عن أبي هريرة رضي الله عنه وغيره.

قال التِّرمذي رواية أبي هريرة أصحُّ الرِّوايات في ذلك. ويقوِّي ذلك أنَّ الرِّوايات المخالفة له اختلف فيها على رواتها، وسلكَ بعضهم طريق الجمع، وذلك أنَّ هاهنا ستَّ روايات

الأولى هي التي هاهنا، وهي ثلث اللَّيل الآخر.

الثَّانية إذا مضى الثلث الأوَّل.

الثَّالثة الثلث الأوَّل أو النصف.

الرَّابعة النصف.

الخامسة النصف أو الثلث الأخير.

السَّادسة الإطلاق.

فأمَّا المطلَّقة منها فتحمل على المقيَّدة. وأمَّا التي بأو فإن كانت «أو» للشَّك فالمجزوم به مقدَّم على المشكوك فيه، وإن كانت للتردُّد بين حالين، فيجمع بين الرِّوايات بأنَّ ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال؛ لكون أوقات اللَّيل تختلف في الزَّمان وفي الآفاق باختلاف تقدُّم دخول اللَّيل عند قوم، وتأخُّره عند آخرين.

وقال بعضُهم يحتمل أن يكون النُّزول يقع في الثلث الأوَّل، والقول يقع في النِّصف وفي الثلث الثَّاني، وقد يحمل على أنَّ ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردتْ بها الأخبار، ويحملُ على أنَّ النَّبي [1] صلى الله عليه وسلم أعلم بأحد الأمور في وقتٍ فأخبر به، ثمَّ أُعِلم به في وقت آخر فأخبر به، فنقل الصَّحابة رضي الله عنهم ذلك عنه.

فإن قيل ما وجه التَّخصيص بالثلث الأخير الذي رجَّحه جماعة على غيره من الرِّوايات المذكورة.

فالجواب أنَّه وقت التهجُّد، وغفلة النَّاس عمَّن يتعرَّض لنفحات رحمة الله تعالى، واستغراقهم في النَّوم والاستلذاذ به، ومفارقةُ اللَّذة والدِّعة صعبة لاسيَّما لأهل الرَّفاهية، وفي زمن البرد ولاسيَّما في قِصَرِ اللَّيل، وعند ذلك تكون النيَّة خالصة، والرَّغبة إلى الله تعالى وافرة، وذلك مظنَّة القبول والإجابة، وهو وقت عبادة أهل الإخلاص. ورُوِي أنَّ آخر اللَّيل أفضل للدُّعاء والاستغفار.

وروى محارب بن دثار عن عمِّه أنَّه كان يأتي المسجد في السَّحر، ويمرُّ بدار ابن مسعود رضي الله عنه فسمعه يقول اللَّهم إنَّك أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي، فسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن ذلك فقال إنَّ يعقوب عليه السَّلام أخَّر الدُّعاء لبنيه إلى السَّحر بقوله {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ} [يوسف 98] . وروي أنَّ داود عليه السَّلام سأل جبريل عليه السَّلام أيُّ اللَّيل أسمع؟ فقال لا أدري

ج 5 ص 594

غير أنَّ العرشَ يهتز في السَّحر.

(يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيب لَهُ) بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف؛ أي فأنا أستجيبُ، وكذا الحكم في «فأعطيه» وفي «فأغفر له» ، وقد قرئ بهما في قوله تعالى {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد 11] الآية. وليست السين في قوله «فأستجيب» للطَّلب، بل هو بمعنى أُجيب.

فإن قيل ليس في وعد الله خلف، وكثير من الدَّاعين لا يُستجاب لهم.

فالجواب أنَّ ذلك لوقوع الخلل في شرط من شروط الدُّعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الدَّاعي، أو لكون الدُّعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو يحصل الإجابة ويتأخَّر المطلوب إلى وقت آخر يريد الله تعالى وقوع الإجابة فيه، إمَّا في الدُّنيا أو في الآخرة لمصلحة العبد، أو لأمر يريده الله تعالى.

(مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) لم تختلف الرِّوايات عن الزُّهري في الاقتصار على الثَّلاثة المذكورة وهي الدُّعاء والسُّؤال والاستغفار، والفرق بين هذه الثَّلاثة أنَّ المطلوب إمَّا دفع المضارِّ أو جلب المسار، وذلك إمَّا دنيوي وإمَّا ديني، ففي الاستغفار إشارة إلى الأوَّل، وفي السُّؤال إشارة إلى الثَّاني، وفي الدُّعاء إشارة إلى الثَّالث.

وقال الكرماني حاصله أنَّ الدُّعاء ما لا طلب فيه نحو يا الله يا رحمن يا أرحم الرَّاحمين، والسُّؤال هو الطَّلب، أو المقصود واحد، واختلاف العبارات لتحقيق القضية وتأكيدها. هذا وزاد سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه «هل تائب فأتوب عليه» .

وزاد أبو جعفر عنه «من ذا الذي يسترزقني فأرزقه، من ذا الذي يستكشف الضرَّ فأكشف عنه» . وزاد عطاء مولى أم صُبَيَّة عنه «ألا سقيمٌ يستشفيني فيُشفى» ، ومعانيها داخلة فيما تقدَّم، وزاد سعيد بن مرجانة عنه «من يقرض غير عدوم ولا ظلوم» .

وفيه تحريض على عمل الطَّاعة، وإشارة إلى جزيل الثَّواب عليها.

وزاد حجَّاج بن منيع عن جدِّه، عن الزُّهري عند الدَّارقطني في آخر الحديث (( حتَّى الفجر ) )، وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عند مسلم (( حتَّى ينفجر الفجر ) ).

وفي رواية محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة

ج 5 ص 595

(( حتَّى يطلع الفجر ) )، وكذا اتفقت معظم الرِّوايات على ذلك، إلَّا أنَّ في رواية نافع بن جبير، عن أبي هريرة رضي الله عنه عند النَّسائي (( حتَّى ترحل الشَّمس ) )وهي شاذَّة.

وزاد يونس في روايته عن الزُّهري في آخره أيضًا «وكانوا يفضِّلون صلاة آخر اللَّيل على أوَّله» ، أخرجها الدَّارقطني أيضًا. وله في رواية ابن سمعان عن الزُّهري ما يشير إلى أنَّ قائل ذلك هو الزُّهري، وبهذه الزِّيادة يظهر مناسبة ذكر الصَّلاة في التَّرجمة، ومناسبة التَّرجمة التي بعد هذه لهذه، والله أعلم.

وفي الحديث من الفوائد تفضيل صلاة آخر اللَّيل على أوَّله، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك فيمن طمع أن يتنبَّه، وأنَّ آخر اللّيل أفضل للدُّعاء والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران 17] وإنَّ الدُّعاء في ذلك الوقت مجاب.

ورجال إسناد هذا الحديث مدنيُّون، إلَّا أنَّ ابن سلمة سكن البصرة.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦7494] ، و «الدَّعوات» أيضًا [خ¦6321] ، وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه.

تتمة قال التِّرمذي بعد أن أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي الباب عن عليِّ بن أبي طالب وأبي سعيد ورفاعة الجهني وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبي الدَّرداء وعثمان بن أبي العاص رضي الله عنهم.

وقال العينيُّ وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد الله، وعبادة بن الصَّامت، وعقبة بن عامر، وعمرو بن عبسة، وأبي الخطَّاب رضي الله عنهم.

أمَّا حديث علي رضي الله عنه فأخرجه الدَّارقطني في كتاب «السنَّة» من طريق محمَّد بن إسحاق عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة، ولأخَّرت العشاء الآخرة إلى ثلث اللَّيل، فإنَّه إذا مضى ثلث اللَّيل الأوَّل هبط الله إلى السَّماء الدُّنيا، فلم يزل هناك حتَّى يطلع الفجر فيقول ألا سائل يُعطَى سؤله، ألا داع يُجاب ) ).

ورواه أحمد في «مسنده» ، ورواه الدَّارقطني أيضًا من طريق أهل البيت من رواية الحسين بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدِّه جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله ينزل في كلِّ ليلة جمعة من أوَّل اللَّيل إلى آخره إلى السَّماء

ج 5 ص 596

الدُّنيا، وفي سائر اللَّيالي من الثلث الأخير من اللَّيل، فيأمر ملكًا ينادي هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشرِّ أقصر )) وفي إسناده من يُجهَل.

وأمَّا حديث أبي سعيد رضي الله عنه فأخرجه مسلم والنَّسائي في «اليوم والليلة» من رواية الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما (( إنَّ الله يمهل حتَّى إذا ذهب ثلث اللَّيل الأوَّل ينزل إلى السَّماء الدُّنيا ... ) )الحديث.

وأمَّا حديث رفاعة الجهني رضي الله عنه، فرواه ابن ماجه من رواية عطاء بن يسار عنه قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله يمهل حتَّى إذا ذهب من اللَّيل نصفه أو ثلثاه قال لا أسأل عن عبادي غيري ... ) )الحديث، ورواه النَّسائي [2] في «اليوم واللَّيلة» .

وأمَّا حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه، فرواه النَّسائي في «اليوم واللَّيلة» عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الله ينزل كلَّ ليلة إلى السَّماء الدُّنيا فيقول هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ) ). ورواه أحمد في «مسنده» من هذا الوجه وزاد (( حتَّى يطلع الفجر ) ).

وأمَّا حديث ابن مسعود رضي الله عنه فأخرجه أحمد من رواية أبي إسحاق الهَمْداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا كان ثلث اللَّيل الباقي يهبط الله عزَّ وجلَّ إلى السَّماء الدُّنيا، ثمَّ يفتح أبواب السَّماء، ثمَّ يبسط يده فيقول هل من سائل يُعطَى سؤله، ولا يزال كذلك حتَّى يسطع الفجر ) ).

وأمَّا حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه فرواه الطَّبراني في «معجمه الكبير» و «الأوسط» من رواية زيادة بن محمَّد الأنصاري، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن فَضَالة بن عبيد، عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يقول الله تعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من اللَّيل فينظر في السَّاعة الأولى منهنَّ في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، وينظر في السَّاعة الثَّانية في جنَّة عدن وهي مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها إلَّا الأنبياء والشُّهداء والصِّدِّيقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطر على قلب بشر، ثمَّ يهبط آخر ساعة من اللَّيل فيقول ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داع يدعوني فأستجيب له حتَّى يطلع الفجر، قال الله تعالى

ج 5 ص 597

{وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء 78] يشهده الله وملائكته )) . قال الطَّبراني وهو حديث منكر.

وأمَّا حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، فرواه أحمد والبزَّار من رواية علي بن زيد، عن الحسن بن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ينادي منادٍ كلَّ ليلة هل من داعٍ فيُستجاب له؟ هل من سائلٍ فيُعطى؟ هل من مستغفرٍ فيُغفر له؟ حتَّى يطلع الفجر ) ). ورواه الطَّبراني في «الكبير» بلفظ (( تفتح أبواب السَّماء نصف اللَّيل فينادي منادٍ ... ) )فذكره.

وأمَّا حديث جابر رضي الله عنه فرواه الدَّارقطني في كتاب «السنَّة» ، وأبو الشَّيخ ابن حيَّان أيضًا في كتاب «السنَّة» من رواية عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الله ينزل كلَّ ليلة إلى السَّماء الدُّنيا لثلث اللَّيل فيقول ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له، ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له، ألا مُقْتَرٌ عليه فأرزقه، ألا مظلوم يستعزَّني فأنصره، ألا عان يدعوني فأفكَّ عنه، فيكون ذلك مكانه حتَّى يضيء الفجر، ثمَّ يعلو ربنا عزَّ وجلَّ إلى السَّماء العليا على كرسيه ) )وهو حديث منكر، وفي إسناده محمَّد بن إسماعيل الجعفري يرويه عن عبد الله بن سلمة بن أسلم، والجعفري منكر الحديث، قاله أبو حاتم، وعبد الله بن سلمة ضعَّفه الدَّارقطني. وقال أبو نُعيم متروك.

وأمَّا حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه فرواه الطَّبراني في «المعجم الكبير» و «الأوسط» من رواية يحيى بن إسحاق عن عبادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السَّماء الدُّنيا حين يبقى ثلث اللَّيل فيقول ألا عبد من عبادي ... ) )الحديث نحو حديث جابر.

وفي آخره (( حتَّى يصبح الصُّبح، ثمَّ يعلو عزَّ وجلَّ على كرسيه ) )، وفي إسناده فُضيل بن سليمان النُّميري وهو وإن خرَّج له الشَّيخان، فقد قال فيه ابن معين ليس بثقة.

وأمَّا حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه فرواه الدَّارقطني من رواية يحيى بن أبي كثير عنه قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( إذا مضى ثلث اللَّيل _ أو قال نصف اللَّيل _ ينزل الله عزَّ وجلَّ إلى السَّماء الدُّنيا فيقول لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري ) ). قال الدَّارقطني

ج 5 ص 598

وفيه نظر.

وأمَّا حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه فرواه الدَّارقطني أيضًا في كتاب «السنَّة» من رواية جرير بن عثمان قال نا سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة [3] قال أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ يا رسول الله ... الحديث. وفيه (( أنَّ الربَّ عزَّ وجلَّ يتدلَّى من جوف اللَّيل ) ). زاد في رواية الآخر (( فيغفر إلَّا ما كان من الشِّرك ) ). وزاد في رواية (( والبغي، والصَّلاة مشهودة حتَّى تطلع الشَّمس ) ).

وأمَّا حديث أبي الخطَّاب أنَّه سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال (( أحبُّ إليَّ أن أوتر نصف اللَّيل إنَّ الله يهبطُ من السَّماء العليا إلى السَّماء الدُّنيا، فيقول هل من مذنبٍ؟ هل من مستغفرٍ؟ هل من داعٍ؟ حتَّى إذا طلع الفجرُ ارتفعَ ) ). قال أبو أحمد الحاكم وابن عبد البر أبو الخطَّاب له صحبةٌ ولا يُعرف اسمه.

[1] قوله (( يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويحمل على أن النبي ) )ليس في (خ) .

[2] قوله (( قال لا أسأل عن عبادي غيري الحديث، ورواه النَّسائي ) )ليس في (خ) .

[3] من قوله (( فرواه ... إلى قوله عمرو بن عبسة ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت