100 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضم الهمزة والسين المهملة، وقد مر في باب «تفاضل أهل الإيمان» [خ¦22] (قَالَ
ج 1 ص 602
حَدَّثَنِي)بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بكسر الهاء وضم العين (عَنْ أَبِيهِ) عروة، وقد تقدموا في «الوحي» [خ¦2] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما، وقد مرَّ في باب «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] .
(قَالَ) أي إنه قال (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ) جملة وقعت حالًا، وإنما ذكر بلفظ المضارع حكاية للحال الماضية، واستحضارًا لها، وإلا فالأصل أن يقال «قال» ؛ ليطابق قوله «سمعت» .
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) من بين الناس (انْتِزَاعًا) يجوز نصبه على أنه مفعول مطلق مقدَّم على فعله، وهو قوله (يَنْتَزِعُهُ) وفي رواية وهو حال من الضمير في «يقبض» ، تقديره إن الله لا يقبض العلم حال كونه ينتزعه انتزاعًا (مِنَ الْعِبَادِ) بأن يرفعه من بينهم إلى السماء، أو يمحوه من صدورهم، أو على أنه مفعول مطلق عن معنى يقبض، نحو رجع القهقرى، وقوله (( ينتزعه ) )صفة مبينة له، أو على أنه حال من العلم بمعنى منتزعًا؛ أي إن الله لا يقبض العلم حال كونه منتزعًا، وقوله (( ينتزعه ) )صفة له أيضًا.
(وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) أقيم المُظَهر موضع المُضمَر لزيادة التعظيم كما في قوله تعالى {اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص 2] بعد قوله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1] .
(بِقَبْضِ) أرواح (الْعُلَمَاءِ) وموتِ حَمَلَتِه (حتَّى) ابتدائية تدخل على جملة؛ لتدل على أن مضمونها واقع بالتدريج كما أن كلمة (إِذ) تدل على تحقق وقوعه (لَمْ يُبْقِ) بضم الياء وكسر القاف من الإبقاء، وفاعله ضمير راجع إلى الله تعالى؛ أي «لم يترك» كما في رواية مسلم.
(عَالِمًا) بالنصب على المفعولية، وفي رواية بالرفع (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرفع (رُؤوسًَا) بضم الراء والهمزة والتنوين جمع رأس، كذا ضبطه النووي، وفي رواية _ بفتح الهمزة _ ممدودًا جمع رئيس، والأول أشهر روايةً (جُهَّالًا) بضم الجيم جمع جاهل صفة رؤوسًا، والمراد من الجهل هنا القدر المشترك بين البسيط والمركب المتناول لهما.
اعلم أن كلمة «إذا» ظرفية، والعامل فيها قوله «اتخذ» ، ويحتمل أن تكون شرطية، ولا يقال إذا كانت شرطية يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، وهنا ليس كذلك لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم؛ لأن ذلك في الشروط العقلية، وأما في غيرها فلا يسلم اطراد هذه القاعدة، أو المراد بالناس جميعهم، فلا يصح أن الكل اتخذوا رؤوسًا جُهالًا إلا إذا لم يبق عالم.
وأيضًا إن (( إذا ) )
ج 1 ص 603
للاستقبال و «لم» تقلبُ المضارع ماضيًا فكيف يجتمعان؟ لأنهما لما تعارضا تساقطا فبقي على أصله وهو المضارع، أو تعادلا فيفيد الاستمرار، فإن قلت كيف وقعت الجملة الشرطية غاية؟ فالجواب أن الغاية في الحقيقة ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط، فالمعنى ولكن يقبض العلم بقبض العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤوسًا جهالًا وقت انقراض أهل العلم بالكلية، فافهم.
(فَسُئِلُوا) على صيغة المجهول (فَأَفْتَوْا) بفتح التاء من الإفتاء (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وفي رواية أبي الأسود في «الاعتصام» عند المؤلف (( فيُفتون برأيهم ) ) [خ¦7307] (فَضَلُّوا) من الضلال؛ أي في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) من الإضلال؛ أي أضلوا السائلين، فإن قيل الضلال مقدم على الإفتاء فما معنى الفاء؟. فالجواب أن المتعقب على الإفتاء هو المجموع المركب من الضلال والإضلال لا الضلال وحده، أو المراد بالضلال الذي هو بعد الإفتاء بغير علم، وهو غير الضلال الذي قبله، فإن إضلاله للغير ضلال له أيضًا عمل بما أفتى أو لم يعمل، ثم إن ذلك ليس مختصًا بالمفتين، بل هو عام للقضاة الجاهلين أيضًا، فإن الحكم بالشيء مستلزم للإفتاء به.
وقال ابن بطال (في معنى الحديث إن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن تفضَّل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يخلف من مضى، فأنذر صلى الله عليه وسلم بقبض الخير كله وما ينطق عن الهوى) .
وكان تحديث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه قال لما كان في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم (( خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع ) )فقال أعرابي كيف يرفع؟ فقال (( ألا إنَّ ذهاب العلم ذهاب حَمَلته ) )ثلاث مرات، وقال ابن المُنيِّر (محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه) ، وقال الداودي خرج هذا الحديث مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ) ) [خ¦7311] ، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم الذي مر في باب «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ، وهو قوله عليه السلام (( ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) ) [خ¦71] ، ويقال هذا بعد إتيان أمر الله إن لم يفسر إتيان
ج 1 ص 604
الأمر بإتيان القيامة، بل بإتيان الريح اللينة التي تأتي قرب القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة كما تقدم في باب «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [خ¦71] ، أو عدم بقاء عالم إنما هو في بعض المواضع كغير بيت المقدس مثلًا إن فُسِّر به، فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلة.
هذا ومن فوائد هذا الحديث جواز خلو الزمان عن المجتهد خلافًا للحنابلة، ومنها التحذير عن اتخاذ الجُهَّال رؤساء، ومنها الحث على ضبط العلم والاشتغال به، ومنها أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقية، وذم من يُقدِم عليها بغير علم.
(قَالَ الْفِرَبْرِيُّ) هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد وهي قليلة، وليس من كلام البخاري رحمه الله.
والفرَبْري _ بكسر الفاء وفتحها وفتح الراء وإسكان الموحدة _ نسبة إلى فربر، وهي قرية من قرى بخارى على طرف جيحون، وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر.
قال الكلاباذي (كان سماع الفربري من البخاري صحيحًا مرتين، مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين) ، ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين [1] ، ومات سنة عشرين وثلاث مئة، سمع من قتيبة بن سعيد، فشارك البخاري في الرواية عنه، قال السمعاني في «أماليه» وكان ثقة ورعًا.
(حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بالموحدة والمهملة (قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد أحد مشايخ البخاري، وقد تقدم [خ¦28] (حَدَّثَنَا) أي قال حدثنا (جَرِيرٌ) بفتح الجيم، هو ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الرازي، ثم الكوفي، روى له الجماعة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزبير ابن العوام (نَحْوَهُ) أي نحو حديث مالك السابق، ولفظ رواية قتيبة هذا أخرجه مسلم عنه، وسقط من قوله «قال الفربري ... إلى آخره» عند الأَصيلي وأبي الوقت وابن عساكر، ولذا لم يتعرض له الكرماني أصلًا.
[1] (( قوله ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين ) )ليست في (خ) .