فهرس الكتاب
1149 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصر، والبخاري يروي عنه في «الجامع» في غير موضعٍ لكنَّه تارة يقول إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وتارة يقول إسحاق ابن نصر فينسبُه إلى جدِّه.
(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية المشددة، يحيى بن سعيد التَّيمي. ووقع في «التَّوضيح» يحيى بن حيَّان وهو غلطٌ.
(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء، هرمُ بن عَمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، وقد تقدَّم في باب «سؤال جبريل» من كتاب «الإيمان» [خ¦50] [خ¦36] .
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِبِلاَلٍ) هو ابن رباح الحبشي المؤذِّن رضي الله عنه (عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ) إشارة إلى أنَّ ذلك وقع في المنام؛ لأنَّ عادته صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقصُّ ما رآه، ويعبِّر ما رآه غيره من أصحابه بعد صلاة الفجر على ما سيأتي في كتاب «التَّعبير» [خ¦7010] [خ¦7018] [خ¦7028] إن شاء الله تعالى.
(يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ) على وزن أفعل التَّفضيل، بمعنى المفعول لا بمعنى الفاعل؛ لأنَّ العمل ليس براجٍ للثَّواب، وإنَّما هو مرجو الثَّواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنَّه السَّبب الدَّاعي إليه، والمعنى حدِّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك.
(عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ) وفي رواية مسلم (( حدِّثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام منفعةً عندك ) ) (فَإِنِّي سَمِعْتُ) وفي رواية مسلم زيد قوله (( اللَّيلة ) ) (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء؛ أي صوت مشيكَ فيهما.
وقال ابن سِيْده الدَّفيف سير ليِّن، دفَّ يدفُّ دفيفًا، ودفَّ الماشي على وجه الأرض إذا جدَّ، ودفَّ الطَّائر وأدفَّ ضرب جنبيه بجناحيه. وقيل إذا حرَّك بجناحيه ورجلاه على الأرض، وقد فسَّره المؤلِّف بالتَّحريك كما سيجيء.
وقال الحميديُّ الدَّف الحركة الخفيفة والسَّير اللَّين، وذكره صاحب «التتمة» بالذال المعجمة، وأصله السَّير السَّريع. وفي رواية مسلم (( خَشْفَ نعليك ) )بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وتخفيف الفاء، قال أبو عُبيد وغيره الحركة الخفيفة. وفي رواية الإسماعيلي (( حفيف نعليك ) ).
ج 5 ص 607
وفي رواية الحاكم على شرط الشَّيخين (( يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنَّة دخلت البارحة فسمعتُ خَشْخَشَتك أمامي ) ). وعند أحمد والتِّرمذي (( فإنِّي سمعتُ خَشْخَشة نعليك ) )والخَشْخَشة _ بمعجمتين مكرَّرتين _ الحركة التي لها صوت كصوت السِّلاح. وفي رواية ابن السَّكن (( دُوي نعُليك ) )_ بضم الدال المهملة _ بمعنى صوتهما.
(بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ) بلال رضي الله عنه (مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي) بفتح الهمزة، وكلمة «من» مقدَّرة قبلها؛ ليكون صلة أفعل التَّفضيل، وثبتت في رواية مسلم، وجاز الفاصلة بالظرف؛ أعني قوله (( عندي ) )بين أفعل وصلته. وفي رواية الكُشمِيهني بنون خفيفة بدل أني؛ أي ما عملت عملًا أرجى عندي من أنِّي.
(لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا) بضم الطاء؛ أي لم أتوضَّأ وضوءًا وهو يتناولُ الغسل أيضًا. وفي رواية مسلم (( طهورًا تامًّا ) )ويحترز بالتَّمام عن الوضوء اللُّغوي وهو غسل اليدين؛ لأنَّه قد يفعل ذلك لطرد النَّوم.
(فِي سَاعَةٍ) بالتنوين، وقوله (لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بالجر بدل من «ساعة» ، وفي بعض الأصول بإضافة «ساعة» إلى «ليل» ، وفي رواية مسلم (( من ليل أو نهار ) ) (إِلاَّ صَلَّيْتُ) وزاد الإسماعيلي (بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي) على صيغة المجهول، وفي رواية (أَنْ أُصَلِّيَ) أي ما قدَّر عليَّ من الفرائض والنَّوافل. وقوله «أن أصلِّي» ، في محل الرفع على رواية البخاري، وفي محلَّ النصب على رواية مسلم.
قال الكرمانيُّ ما حاصله إنَّ ظاهر الحديث أنَّ السَّماع المذكور وقع في النَّوم؛ لأنَّ الجنَّة لا يدخلها أحد إلَّا بعد الموت، ويحتمل أن يكون في اليقظة؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة المعراج، هذا وظاهر كلامه التَّناقض.
ويمكن أن يُقال إنَّ قوله لا يدخل أحد الجنَّة إلَّا بعد الموت، ليس على عمومه، وإنَّما هو في غير الأنبياء عليهم السَّلام، أو نقول هذا على عمومه، ولكنَّه في حقِّ من كان من عالم الكون والفساد، والنَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا جاوز السَّماوات السَّبع، وبلغَ إلى سدرة المنتهى خرجَ من أن يكون من أهلِ هذا العالم، فلا يمتنع بعد هذا دخوله الجنَّة قبل الموت، وهو قريب ممَّا أجاب به السُّهيلي عن استعمال طست الذَّهب ليلة المعراج، والله أعلم.
فإن قيل كيف سبق بلال رضي الله عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى دخول الجنَّة، والجنَّة محرَّمة على من يدخل فيها قبل دخوله صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب أنَّه ذكر الكرماني أنَّه لا يلزم من الحديث أنَّ بلالًا رضي الله عنه دخل الجنَّة؛ لأنَّ قوله «في الجنَّة» ظرف للسَّماع، ويكون الدَّف بين يديه خارجًا عنها.
واستبعده الحافظ العسقلانيُّ بأنَّ السِّياق مشعرٌ
ج 5 ص 608
بإثبات فضيلة بلال رضي الله عنه؛ لكونه جعل السَّبب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهُّر والصَّلاة، وإنَّما ثبتت له الفضيلة بأن يكون رئي داخل الجنَّة لا خارجها عنها.
وقد وقع في حديث بُريدة رضي الله عنه كما سيجيء (( يا بلالُ بم سبقتني إلى الجنَّة ) )وهذا ظاهر في كونه رآه داخل الجنَّة. ويؤيِّد كونه في المنام حديث بُريدة رضي الله عنه الذي ذكره التِّرمذي في مناقب عمر رضي الله عنه قال نا الحسن بن حُريث أبو عمَّار المروزي، قال نا علي بن الحسين بن واقد، قال حدَّثني أبي قال حدَّثني عبد الله بن بريدة، قال حدَّثني أَبي بُريدةُ رضي الله عنه قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالًا رضي الله عنه فقال (( يا بلالُ بم سَبَقتني إلى الجنَّة، ما دخلت الجنَّة قط إلَّا سمعتُ خَشْخَشتك أمامي، قال دخلت البارحة الجنَّة فسمعتُ خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مربَّع مشرفٍ من ذهبٍ، فقلت لمن هذا القصر قالوا لرجل من العرب، فقلت أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا لرجل من قريش، فقلت أنا قرشيٍّ لمن هذا القصر؟ قالوا لرجل من أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فقلت أنا محمَّد لمن هذا القصر؟ قالوا لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ) )فقال بلال يا رسول الله! ما أحدثت قطُّ إلَّا توضَّأت وصلَّيت ركعتين. وفي رواية (( أصابني حدث إلَّا توضَّأت عندها، ورأيت أنَّ لله عليَّ ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما ) ).
والفضيلة لبلال رضي الله عنه تثبت بذلك أيضًا؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌّ، كما رواه التِّرمذي، ولذلك جزم النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
وأمَّا مشيه رضي الله عنه بين يدي النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ فليس هو من حيث الحقيقة، وإنَّما هو بطريق التَّمثيل؛ لأنَّ عادته في اليقظة أنَّه كان يمشي أمامه صلى الله عليه وسلم، كما قد يسبق الخادم سيِّده، فاتَّفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك السَّبق الحقيقي في دخول الجنَّة، ولا يستدعي ذلك أيضًا فضيلته على العشرة المبشَّرة بالجنَّة، وكأنَّه أشار صلى الله عليه وسلم إلى بقاء بلالٍ على ما كان عليه في حال حياتهِ واستمراره على قربِ منزلتهِ، وفيه منقبةٌ عظيمةٌ له رضي الله عنه.
وفي الحديث استحبابُ إدامة الطَّهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنَّة أنَّ مَن لازمَ الدَّوام على الطَّهارة أن يبيتَ المرءُ طاهرًا، ومن باتَ طاهرًا عرجتْ روحُه
ج 5 ص 609
فسجدتْ تحت العرش، كما رواه البيهقيُّ في «الشُّعب» من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما، والعرشُ سقفُ الفردوس، كما سيأتي في هذا الكتاب [خ¦7423] .
فإن قيل إنَّ في الحديث أنَّ دخول بلال الجنَّة، وحصول هذه المنقبة له إنَّما كان بسبب تطهُّره عند كلِّ حدث، وصلاته عند كلِّ وضوءٍ، كما صرَّح به في آخر حديث بُريدة رضي الله عنه بقوله «بهما» ؛ أي بالتطهُّر عند كلِّ حدث، والصَّلاة عند كلِّ وضوء، وقد جاء في الحديث (( إنَّ أحدكُم لا يدخل الجنَّة بعملهِ ) ) [خ¦6467] .
فالجواب أنَّ أصل الدُّخول برحمة الله تعالى، وزيادة الدَّرجات والتَّفاوت فيها بحسب الأعمال، كما قيل في الجمع بينه وبين قوله تعالى {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل 32] .
وفي الحديث أيضًا أنَّ الصَّلاة أفضلُ الأعمال بعد الإيمان؛ لقول بلال رضي الله عنه إنَّه ما عَمِلَ عملًا أرجى منه، وقد علم من النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال فاعتقد ذلك. وفيه أنَّ عمل السرِّ أفضلُ من عملِ الجهر، وأنَّ الله تعالى يعظِّم المجازاة على ما يُسِرُّه العبد بينه وبين ربَّه ممَّا لا يطَّلع عليه أحدٌ.
وقد استحبَّ العلماء ذلك لبعدهِ عن الرِّياء، ثمَّ الظَّاهر أنَّ المرادَ من أرجى عمل، أرجى عمل من الأعمال المتطوَّع بها، وإلَّا فالمفروضة أفضل قطعًا.
وفيه جوازُ الاجتهاد في توقيتِ العبادة؛ لأنَّ بلالًا رضي الله عنه توصَّل إلى ما ذكر بالاستنباط فصوَّبه النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابنُ الجوزي وفيه الحثُّ على الصَّلاة عقب الوضوء؛ لئلَّا يبقى الوضوء خاليًا عن المقصود. وفيه سؤال الصَّالحين عمَّا يهديهم الله به من الأعمال الصَّالحة ليقتدي بهم غيرهم في ذلك.
وفيه أيضًا سؤال الشَّيخ عن عملِ تلميذه ليحضَّه عليه، ويرغِّبه فيه إن كان حسنًا وإلَّا فينهاه. وفيه أنَّ الجنَّة مخلوقة موجودةٌ الآن خلافًا لمن أنكرَ ذلك من المعتزلة. واستدلَّ بهذا الحديث أيضًا على جواز هذه الصَّلاة في الأوقات المكروهة؛ لعموم قوله «في ساعة» ، بالتَّنكير؛ أي في كلِّ ساعة، ورُدَّ بأنَّ الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة [1] .
وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّه ليس فيه ما يقتضي الفورية، فيحملُ على تأخير الصَّلاة قليلًا ليخرج وقت الكراهة، أو أنَّه كان يؤخِّر الطهور إلى أواخر وقت الكراهة؛ لتقع صلاته في غير وقت الكراهة، لكن عند التِّرمذي وابن خُزيمة من حديث بُريدة في نحو هذه القصَّة «ما أصابني حدث
ج 5 ص 610
قطُّ إلَّا توضَّأت عندها».
ولأحمد من حديثه «ما أحدثتُ إلَّا توضَّأت وصلَّيت ركعتين» . فدلَّ على أنَّه كان يعقِّب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصَّلاة في أيِّ وقتٍ كان، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
ويجوز أن يكون النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة بعد ورود هذا الحديث.
[1] من قوله (( لعموم قوله. .. إلى قوله الأوقات المكروهة ) )ليس في (خ) .