1153 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن دينار (عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) بالموحدة المشددة وآخره سين مهملة، هو السَّائب _ بالسين المهملة _ ابن فَرُّوخ _ بفتح الفاء وضم الراء المشددة وبالخاء المعجمة _ التَّابعي المشهور المعروف بالشَّاعر. وفي رواية الحُميديِّ في «مسنده» (( عن سفيان حدَّثنا عَمرو سمعت أبا العبَّاس ) ).
(قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) بن العاص (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ أُخْبَرْ) على صيغة المجهول لنفس المتكلِّم وحده، والهمزة فيه للاستفهام، ولكنَّه خرج عن الاستفهام الحقيقي، ومعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقرَّ عنده ثبوته.
قال الحافظ العسقلانيُّ فيه أنَّ الحُكم لا ينبغي إلَّا بعد التثبُّت؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكشف بما نقل له عن عبد الله رضي الله عنه حتَّى لقيه، واستثبتَه فيه لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزمٍ، أو علَّقه بشرط لم يطَّلع عليه النَّاقل ونحو ذلك.
(أَنَّكَ) بفتح الهمزة؛ لأنه مفعول ثان للإخبار (تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ) نُصِب على الظرفية كاللَّيل (قُلْتُ) القائل هو عبد الله رضي الله عنه (إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ) المذكور من القيام والصِّيام.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ) بفتح الجيم؛ أي غارت أو ضعفت؛ لكثرة السَّهر (عَيْنُكَ) وزاد الدَّاودي
ج 5 ص 616
(وَنَفِهَتْ) بفتح النون وكسر الفاء، وحكي فتح الفاء أيضًا؛ أي كلَّت وأعيت. وحكى الإسماعيليُّ أنَّ أبا يَعلى رواه بالمثنَّاة الفوقية بدل النون، وقال إنَّه ضعيفٌ.
(نَفْسُكَ) من التَّعب والمشقَّة (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ) عليك (حَقًّا) بالنصب على أنَّه اسم «إنَّ» ، وفي رواية بالرفع على أنَّه مبتدأ. وقوله «لنفسك» خبره مقدَّمًا عليه، والجملة خبر «إنَّ» ، واسمها ضمير الشَّأن محذوفًا تقديره إنَّ الشأن لنفسك حقٌّ، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ من أشدِّ النَّاس عذابًا يوم القيامة المصوِّرون ) ).
وحقُّ النَّفس أن تعطيها ما تحتاج إليه من الضَّروريَّات البشريَّة ممَّا أباحه الله للإنسان من الأكل والشُّرب والرَّاحة التي يقوم بها بدنه؛ ليكون أعون على عبادة ربِّه. نعم من حقوق النَّفس قطعها عمَّا سوى الله تعالى بالكليَّة، لكن ذلك يختصُّ بالتعلُّقات القلبيَّة.
(وَلأَهْلِكَ) عليك (حَقًّا) ويروى بالرفع كما في السَّابق، والمراد من الأهل الزَّوجة أو أعم من ذلك ممَّن يلزمه نفقته، وحقُّ الأهل أن ينظرَ لهم فيما لا بدَّ لهم منه من أمور الدُّنيا والآخرة. وزاد في «الصِّيام» من وجه آخر [خ¦1975] (( وإنَّ لعينك عليك حقًّا ) ). وفي رواية (( وإنَّ لزورك عليك حقًّا ) ) [خ¦6134] والمراد من الزَّور الضَّيف الزَّائر.
(فَصُمْ) أي إذا كان الأمر كذلك فصم في بعض الأيَّام (وَأَفْطِرْ) في بعضها بقطع الهمزة؛ أي افعل ذلك لتجمع بين المصلحتين، وكأنَّ هذا إشارة إلى صوم داود عليه الصَّلاة والسَّلام.
(وَقُمْ) أي صلِّ في بعض اللَّيل أو في بعض اللَّيالي (وَنَمْ) أي كذلك، وهذا كلُّه أمر ندب وإرشاد.
وفي الحديث جواز ذكر المرء بما عزمَ عليه من فعل الخير. وفيه أيضًا تفقُّد الإمام أمورَ رعيَّته كلِّياتها وجزئيَّاتها وتعليمهم ما يصلحهم.
وفيه تعليل الحكم لمن فيه أهليَّة ذلك. وفيه أيضًا أنَّ الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات. وفيه أيضًا أنَّ من تكلَّف الزِّيادة، وتحمَّل المشقَّة على ما طبع عليه يقعُ له الخلل في الغالب، وربما يُغلَب ويعجز. وفيه الحضُّ على ملازمة العبادة من غير تحمُّل المشقَّة المؤدِّية إلى الترك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم مع كراهيته التَّشديد لعبد الله رضي الله عنه على نفسه حضَّ على الاقتصاد في العبادة كأنَّه قال له ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر أن تؤدِّي حقَّ العبادة، بل اجمعْ بينهما.
ج 5 ص 617
ورجال إسناد هذا الحديث مكِّيون، وشيخه من أفراده. وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦1975] ، و «أحاديث الأنبياء» أيضًا [خ¦3419] ، وأخرجه مسلم في «الصَّوم» ، وكذا التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه.