فهرس الكتاب

الصفحة 1837 من 11127

1160 - (حَدَّثَنَا) وفي

ج 5 ص 626

رواية بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاص (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) ضدُّ الأبيض، هو محمَّد بن عبد الرَّحمن المشهور بيتيم عروة النَّوفلي، وقد مرَّ في باب «الجنب يتوضَّأ [خ¦288] » .

(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) ليستريحَ من تعب قيام اللَّيل، وإنَّما كان يضطجع على الأيمن؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ التيمُّن في شأنه كلِّه، أو لأنَّ القلبَ في جهة اليسار، فلو اضطجعَ عليه لاستغرق نومًا؛ لكونه أبلغ في الرَّاحة بخلاف اليمين؛ لأنَّه يكون القلب حينئذٍ معلَّقًا فلا يستغرق، والظَّاهر أنَّ ذلك كان تشريفًا لنا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يستغرق نومًا، فإن عينه تنام ولا ينام قلبه، والله أعلم.

وفي هذا الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يضطجِعُ بعد ركعتي الفجر، وفي رواية مسلم عنها (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدَّثني، وإلَّا اضطجعَ ) ). وهذا يدلَّ على أنَّه تارة يضطجع، وتارة لا يضطجع.

وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الذي مضى في باب «ما جاء في الوتر» [خ¦992] يدلُّ على أنَّه يضطجع قبلهما، فإنَّ فيه (( ثمَّ أوتر ثمَّ اضطجع، حتَّى جاءه المؤذِّن فقام فصلَّى ركعتين، ثمَّ خرج فصلَّى الصُّبح ) ). فالجمع بينهما أنَّه كان تارة يفعل هكذا، وتارة يفعل كذا، والله أعلم.

ثمَّ إنَّه قد اختلف العلماء في هذه الضَّجعة هل هي سنَّة أو مستحبَّة أو واجبة أو غير ذلك على ستَّة أقوال

الأوَّل أنَّها سنَّة، وإليه ذهب الشَّافعي وأصحابه. قال النَّووي في «شرح مسلم» والصَّحيح أو الصَّواب أنَّ الاضطجاع بعد سنة الفجر سنَّة؛ لظاهر حديث أبي هريرة، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث أنَّ الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي.

وقال البيهقيُّ في «السنن» وقد أشار الشَّافعي إلى أنَّ الاضطجاع المنقول في الأحاديث للفصل بين النَّافلة والفرض، والاضطجاع غير متعيِّن في ذلك، بل يحصل ذلك به، وبالتحدُّث وبالتحوُّل من مكان إلى مكانٍ آخر وبغير ذلك أيضًا. هذا وقال النَّووي في «شرح المهذَّب» المختار الاضطجاع.

الثَّاني أنَّها مستحبَّة، وروي ذلك عن جماعة من الصَّحابة وهم أبو موسى الأشعري ورافع بن خَدِيج وأنس بن مالك وأبو هريرة رضي الله عنهم، وإليه ذهب جماعة من التَّابعين وهم محمَّد بن سيرين وعروة وسعيد بن المسيَّب والقاسم بن محمَّد وأبو بكر بن عبد الرَّحمن وخارجة بن زيد

ج 5 ص 627

وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار، وكانوا بضضجعون على أيمانهم بين ركعتي الفجر وصلاة الصُّبح.

الثَّالث أنَّها واجبة لا بدَّ من الإتيان بها، وهو قول أبي محمَّد بن حزم قال من ركع ركعتي الفجر لم يجز له صلاة الصُّبح إلَّا بأن يضطجع على جنبه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر، وبين تكبيره لصلاة الصُّبح سواء ترك الضَّجعة عمدًا أو نسيانًا، وسواء صلاها في وقتها أو قضاها من نسيان أو نوم، وإن لم يصلِّ ركعتي الفجر لم يلزمه أن يضطجعَ.

واستدلَّ لذلك بما رواه أبو داود نا مسدَّد وأبو كامل وعبيد الله بن عمر بن ميسرة قالوا نا عبد الواحد نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا صلَّى أحدكم الرَّكعتين قبل الصُّبح فليضطجع على يمينه ) ). ورواه التِّرمذي أيضًا وقال حديث حسنٌ غريب.

وروى ابن ماجه من حديث سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى ركعتي الفجر اضطجع ) ). فما رواه أبو داود يخبر عن أمره، وما رواه ابن ماجه يخبر عن فعله، وأجابوا عن هذا بأجوبة

الأوَّل أنَّ عبد الواحد الرَّاوي عن الأعمش قد تُكلِّم فيه، فعن يحيى أنَّه ليس بشيء، وعن عمرو بن علي الفلَّاس سمعت أبا داود قال عَمَد عبد الواحد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها يقول نا الأعمش نا مجاهد في كذا وكذا.

الثَّاني أنَّ الأعمش قد عنعن وهو مدلس.

الثَّالث أنَّه لما بلغ ذلك ابن عمر رضي الله عنهما قال أكثر أبو هريرة على نفسه حتَّى حدَّث بهذا الحديث.

الرَّابع أنَّ الأئمَّة حملوا الأمر الوارد فيه على الاستحباب.

الخامس أنَّها بدعة، وممَّن قال به من الصَّحابة عبد الله بن مسعود، وابن عمر رضي الله عنهم. فروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من رواية إبراهيم قال قال عبد الله؛ أي ابن مسعود رضي الله عنه ما بال الرَّجل إذا صلَّى الرَّكعتين يتمعَّك كما تتمعَّك الدَّابة والحمار إذا سلَّم فقد فصل.

وروى أيضًا ابن أبي شيبة من رواية مجاهد قال صحبتُ ابن عمر رضي الله عنهما في السَّفر والحضر فما رأيتُه اضطجعَ بعد الرَّكعتين.

ومن رواية سعيد بن المسيب قال رأى ابنُ عمر رضي الله عنهما رجلًا يضطجع بعد الرَّكعتين فقال احصِبُوه. ومن رواية أبي مجلز قال سألت ابنَ عمر رضي الله عنهما عن ضجعة الرَّجل على يمينه بعد الرَّكعتين قبل صلاة الفجر، قال يتلعَّب

ج 5 ص 628

بكم الشَّيطان.

وفي رواية أنَّ ابن عمر رأى قومًا اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا نريد بذلك السنَّة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما ارجع إليهم فأخبرهم أنَّها بدعة.

وممَّن كره ذلك من التَّابعين الأسود بن يزيد وإبراهيم النَّخعي وقال هي ضجعة الشَّيطان، وسعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير، ومن الأئمَّة مالك بن أنس حكاه القاضي عياض عنه، وجمهور العلماء.

السَّادس أنَّه خلاف الأولى روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن أنَّه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.

السَّادس أنَّه ليس مقصودًا لذاته، وإنَّما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة إمَّا بالاضطجاع أو حديث أو غير ذلك، وهو محكيٌّ عن الشَّافعي كما مرَّ، ثمَّ إنَّه على قول من يراه سنَّة أو مستحبًّا هل تحصل السنَّة بالاضطجاع على الشقِّ الأيسر أيضًا؟ أمَّا مع القدرة على ذلك فالظَّاهر أنَّه لا يحصل به السنَّة؛ لعدم موافقته للأمر، وأمَّا من كان به ضرر في الشَّق الأيمن لا يمكن معه الاضطجاع، أو يمكن لكن مع مشقَّة فهل يضطجع على اليسار، أو يشير إلى الاضطجاع على الجانب الأيمن لعجزه عن كماله كما يفعلُ من عجز عن الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة؟

قال الحافظ زين الدِّين العراقي لم أر لأصحابنا _ يعني الشَّافعية _ فيه نصًّا، وجزم ابن حزم بأنَّه يشير إلى الاضطجاع على الشقِّ الأيمن، ولا يضطجع على الأيسر، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت