فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 11127

1162 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابن سعيد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي) بفتح الميم، أبو محمَّد مولى عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وفي «تهذيب الكمال» أنَّ أبا الموالي اسمه زيد (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ)

ج 5 ص 632

بن عبد الله (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنه.

(قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ) أي صلاة الاستخارة ودعاؤها، وهي طلبُ الخيرة، على وزن العنبة، اسم من قولك اختاره الله، وفي «النِّهاية» أخارَ الله لك؛ أي أعطاك ما هو خير لك.

قال والخيْرة _ بسكون الياء _ الاسم منه، وأمَّا بالفتح فهو الاسم من قولك اختارهُ الله، ومحمَّد صلى الله عليه وسلم خيرة الله من خلقه يقال بالفتح والسكون، وهي من باب الاستفعال، وهو في «لسان العرب» يُطلق على معان مشهورة منها طلب الفعل، ومعنى أستخيرك أطلب منك الخير فيما هممتُ به، والخير هو كلُّ معنى زاد نفعه على ضرِّه.

(فِي الأُمُورِ) وزيد في رواية ففيه أنَّ المرءَ لا يتحقَّر الأمر الصَّغير فيترك الاستخارة فيه، فربَّ امرئ يستخفُّ بأمر صغير، فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم، وكذا في تركه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (( ليسأل أحدُكم ربَّه حتَّى شسعَ نعله ) ).

(كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) اهتمامًا بشأن الاستخارة، وإيذانًا بأنَّه متأكد مرغَّب فيه. فإن قيل كان ينبغي أن يجب الاستخارة استدلالًا بتشبيه ذلك بتعليم السُّورة من القرآن، كما استدلَّ بعضهم على وجوب التشهُّد في الصَّلاة بقول ابن مسعود رضي الله عنه وكان يعلِّمنا التشهُّد كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن.

فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على وجوب التشهُّد هو الأمر بقوله «فليقل التَّحيات لله» لا التَّشبيه. فإن قيل هو مشتركُ الورود، فإنَّ فيه أيضًا أمرًا، وهو قوله «فليركع ركعتين ثمَّ ليقل» .

فالجواب أنَّ الأمر في هذا معلَّق بالشَّرط، وهو قوله «إذا همَّ أحدُكم بالأمر» . فإن قلت إنَّ الأمر في ذلك أيضًا معلَّق بالشَّرط، وهو قوله (( وإذا صلَّى أحدُكم فليقل ) ).

فالجواب أنَّ التشهُّد جزء من الصَّلاة المفروضة، فيؤخذُ الوجوب في قوله (( صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي ) ) [خ¦631] فأمَّا الاستخارة فيدلُّ على عدم وجوبها الأحاديث الصَّحيحة الدَّالة على انحصار فرض الصَّلاة في الخمس.

فإن قلت فعلى هذا ينبغي أن لا يكون الوتر، ومع هذا هو واجبٌ، بل المنقول عن أبي حنيفة أنَّه فرض.

فالجواب أنَّه قد قامت الأدلَّة الدَّالة على وجوب الوتر كما عرف في موضعه، وقد تقدَّم الكلام فيه في باب «ما جاء في الوتر» [خ¦990 وما بعده] .

(يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ) أي قصد أمرًا ممَّا لا يُعلم وجه

ج 5 ص 633

الصَّواب فيه، أمَّا ما هو معروف خيره كالعبادات وصنائع المعروف فلا حاجة إلى الاستخارة فيه. نعم قد يستخار في الإتيان بالعبادة في وقتٍ مخصوص كالحجِّ مثلًا في هذه السَّنة؛ لاحتمال عدوٍّ أو فتنة أو حصر عن الحجِّ، وكذلك يحسنُ أن يستخارَ في النَّهي عن المنكر لشخص متمرِّد عاتٍ يخشى بنهيهِ حصول ضررٍ عظيم عامٍّ أو خاصٍّ، وإن كان جاء في الحديث «إنَّ أفضلَ الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر» ، لكن إن خشيَ ضررًا عامًّا للمسلمين فلا ينكر، وإن خشيَ على نفسه فله الإنكار، ولكن يسقط الوجوب.

(فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) أي فليصلِّ ركعتين ندبًا في غير وقت كراهة، وكذا عند الشَّافعية في الأصحِّ، ويقرأ فيهما الكافرون وسورة الإخلاص أو آية {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص 68] وآية {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب 36] .

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي لم أجدْ في شيء من طرق أحاديث الاستخارة تعيين ما يُقرأ فيهما. واحترز بالرَّكعتين عن الواحدة فإنَّها لا تصحُّ عندنا، ولا تجزئ عند الشَّافعية، وأمَّا إذا صلَّى أربعًا أو أكثر بتسليمة، فيحتملُ أن يقال تجزئ لحديث أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه المرويُّ في «صحيح ابن حبَّان» وغيره (( ثمَّ صلِّ ما كتب الله لك ) )فإنَّه دالٌّ على أنَّ الزِّيادة على الرَّكعتين لا تضرُّ، وهذا هو موضع التَّرجمة.

(مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) بالتَّعريف، وفي رواية فلا تحصل سنة الاستخارة بوقوع الدُّعاء بعد فرض بخلاف تحيَّة المسجد، وشكر [و] الوضوء فإنَّهما يؤدَّيان بكلِّ صلاة، والأظهر أنَّ المراد به الوجه الأكمل، وهو أن تكون صلاته على حدة من غير فريضةٍ أو سنَّة مؤكَّدة، والله أعلم.

(ثُمَّ لِيَقُلِ) بكسر اللام أو إسكانها، وذلك الأمر أيضًا للنَّدب، وفيه إشارة إلى أنَّه لا يضرُّ تأخير دعاء الاستخارة عن الصَّلاة ما لم يطل الفصل.

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ) أي أطلب منك بيان ما هو خير لي (بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ) أي أطلب منك أن تجعلَ لي قدرة على ما هممت به (بِقُدْرَتِكَ) والباء في «بعلمك» و «بقدرتك» للتَّعليل؛ أي بأنَّك أعلم وأقدر أو للاستعانة؛ أي مستعينًا بعلمك، فإنِّي لا أعلم فيهم خيري، ومستعينًا بقدرتك فإنِّي لا قدرةَ لي ولا حول ولا قوَّة إلَّا بك، أو للاستعطاف كما في قوله تعالى {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [القصص 17] ؛ أي بحقِّ علمك وقدرتك الشَّاملين (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ) أي بعض فضلك العظيم.

وفيه إشارة إلى أنَّ كلَّ ما أعطاه الله للعبد فهو فضل منه ليس لأحد عليه حقٌّ في نعمة، فكلُّ ما يهب مبتدأ من عنده لم يقابلها عوض فيما مضى، ولا يقابلها فيما يستقبل، فإن وفِّق للشُّكر والحمد فهو أيضًا نعمة منه، وفضلٌ يفتقرُ إلى حمدٍ وشكرٍ، هكذا إلى غير النِّهاية. ولله درُّ من قال

~إذَا كَانَ شُكْرِي نعْمَةَ اللَّهِ نعْمَةً عَلَيَّ لهُ فِي مِثْلِهِ يَجِبُ الشُّكْرُ

~وكَيْفَ بُلُوغِي الشُّكْر إِلَّا بِفَضْلِهِ وإِنْ طِالتِ الأَيَّامُ واتَّصَلَ العُمْرُ

~إِذَا مَسَّ بِالسَّرَّاء عَمَّ سُرُورُها وإِنْ مَسَّ بِالضَّراء أَعْقَبَها الأَجْرُ

بخلاف ما

ج 5 ص 634

يعتقدُه المبتدعة المعتزلة من أنَّه يجب على الله تعالى أن يبتدئَ العبد بالنِّعمة.

والمعنى أسألُك من فضلك العظيم من غير تعلُّقٍ بعملٍ، وتوهُّم علمٍ أو قدرة لي.

(فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) استأثرت بها لا يعلمها غيرك إلَّا من ارتضيته، والغيب كلُّ ما غاب عن العيون سواء كان محصَّلًا في القلوب أو لا، كذا في «النِّهاية» .

وأنت على كلِّ شيءٍ قدير، فهو من باب الاكتفاء أو الظُّهور، والمعنى أنا أطلبُ منك فيما يُستَقبل ما لا يعلمه إلَّا أنت، فهبْ لي منه ما ترى إنَّه خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أَمْري وآجله. وفيه دليل على أنَّ العبد لا قدرة [1] له إلَّا مع الفعل لا قبلَه كما يقول القدريَّة.

وقال ابن بطَّال القدرة من صفات الذَّات، وهي والقوَّة بمعنى واحد، فالباري تعالى لم يزل قادرًا قويًّا ذا قدرة وقوَّة. قال وذكر الأشعري أنَّ القدرةَ والقوَّة والاستطاعة بمعنى، ولا يجوز أن يوصف بأنَّه مستطيع على طريقة التَّسمية بناء على أنَّ أسماء الله تعالى توقيفيَّة، وما جاء في القرآن من قوله تعالى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا} [المائدة 112] فهو إنَّما خبر عنهم، ولا يقتضي ثبوته صفة له تعالى.

(اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) قيل معناه أنَّك تعلم، فأوقع الكلام موقع الشَّكِّ على معنى التَّفويض إليه، والرِّضا بعلمه فيه، وهذا النَّوع يسميِّه علماء البلاغة تجاهل العارف ومزج الشَّكِّ باليقين.

هذا وقال المولى علي القاري لا خفاء في أنَّه غير مناسب للترديد الذي بنى أمره على معرفة الله تعالى، وجهل العبد به، فالظَّاهر أنَّ الشَّك بالنَّظر إلى المستخير؛ لأنَّه ليس بمتيقَّن عنده، بل هو متردِّد في أنَّ علمه سبحانه هل تعلَّق بكون هذا الأمر خيرًا أو شرًا لا في أصل العلم؛ لأنَّه المعلوم بالضَّرورة من الدِّين.

(أَنَّ هَذَا الأَمْرَ) أي الأمر المتردِّد فيه من جهة كونه خيرًا أو شرًا كالسَّفر والنِّكاح ونحوهما، ويسمِّيه المستخير في أثناء دعائه (خَيْرٌ لِي فِي دِيْنِي) قدَّمه؛ لأنَّه أهمُّ المهمات وأتمُّ المرادات وأقصى الغايات (وَمَعَاشِي) يحتمل أن يكون المراد به الحياة، وأن يكون ما يعاش فيه.

وفي «الصَّحاح» العيش الحياة، وقد عاش الرَّجل معاشًا ومعيشًا وكلُّ واحد منهما يصلح أن يكون مصدرًا، وأن يكون اسمًا مثل معاب ومعيب.

(وَعَاقِبَةِ أَمْرِي) أي عند مماتي وخاتمتي (أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي) أي أمري العاجل، وهو أمر الدُّنيا (وَآجِلِهِ) أي أمري الآجل؛ أي المتأخِّر من أمر الآخرة، شكٌّ من الرَّاوي

ج 5 ص 635

في أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال «معاشي وعاقبة أمري _ أو قال عاجل أمري _ وآجله» . وقيل في أنَّه صلى الله عليه وسلم قال «عاقبة أمري _ أو قال بدله عاجل أمري _ وآجله» .

ويحتمل أن يكون الشَّكُّ في أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ) ). أو قال بدل الألفاظ الثَّلاثة «في عاجل أمري وآجله» ، وربَّما يؤيِّده إعادة «في» قوله أو قال «في عاجل أمري وآجله» على ما في بعض النُّسخ، وعاجل الأمر يشمل الدِّيني والدُّنيوي، والآجل يشملهما والعاقبة، كذا قال الحافظ العسقلاني، فليتأمَّل.

قالوا إنَّ الخير أربعة أقسام خير يكون للعبد في دينه دون دنياه، وخير يكون له في دنياه فقط، وهو حظٌّ قليل حقيرٌ، وخيرٌ يكون له في العاجل دون الآجل وبالعكس وهو أولى، والجميع هو الأفضل، فالذي ينبغي للعبد أن يسأل ذلك كلَّه.

ومن دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اللَّهم أصلح ديني الذي هو عصمةُ أمري، وأصلحْ لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، والموت راحةً لي من كلِّ شرٍّ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير ) ).

فهذا ربَّما يؤيِّد الاحتمال الثَّاني؛ أعني أنَّ الشَّكَّ في أنَّه صلى الله عليه وسلم قال «عاقبة أمري» أو قال بدله «عاجل أمري وآجله» . وعلى كلِّ حالٍ فلا شكَّ أنَّ كلمة «أو» في الحديث ليس من كلام النبوَّة، وإنَّما استفيد التَّخيير في القول من وقوع الشكِّ من الرَّاوي في التَّعبير.

(فَاقْدُرْهُ لِي) بوصل الهمزة وضم الدال؛ أي اقضْ لي به وهيِّئه، كذا في «النِّهاية» . وقيل بكسر الدال أو ضمها، وهو المفهوم من «القاموس» حيث قال القَدَر محركةٌ القضاء والحكم، وقدَّر الله ذلك عليه يَقْدِره ويَقْدُره قَدَرًا وقَدْرًا وقدَّره عليه وله، انتهى. وقيل معناه اجعله مقدورًا لي، وأدخلْه تحت قدرتي.

وقال ابن المعلَّى في «منسكه» قال شهاب الدِّين العراقي في كتابه «القواعد» من الدُّعاء المحرَّم الدُّعاء المرتَّب على استئناف المشيئة كمن يقول اقدر لي الخير؛ لأنَّ الدُّعاء بوضعه اللُّغوي إنَّما يتناول المستقبل دون الماضي؛ لأنَّه طلب، والطَّلب في الماضي محال، فيكون مقتضى هذا الدُّعاء أن يقعَ تقدير الله تعالى في المستقبل من الزَّمان، والله تعالى يستحيل عليه استئناف التَّقدير، بل وقع جميعه في الأزل، فيكون هذا الدُّعاء يقتضي مذهبَ من يرى أنَّه لا قضاء، وأنَّ الأمر أنُفٌ، كما خرَّجه

ج 5 ص 636

مسلم عن الخوارج، وذلك فسقٌ بالإجماع، فحينئذٍ يكون المراد بالتَّقدير هاهنا هو التَّيسير مجازًا، فالدَّاعي إذا أراد هذا المجاز جازَ، وإنَّما يحرم عند عدم النيَّة، أو يقال إنَّما يحرمُ إذا أراد تغيير التَّقدير، أو استئنافه لا عند عدم النيَّة إذ قد ورد هذا الدُّعاء في السُّنَّة.

وقد يُقال معناه فأظهر تقديرك إيَّاه لي، وبيِّن لي وجه الصَّواب فيه، ولا يبعد أن يكون مثل هذا الأمر معلَّقًا بدعاء العبد فيقع على مقتضاه، فإنَّ القدر جزئيَّات لكليَّات القضاء أو بالعكس على خلاف فيه، كما حُقِّق في زيادة العمر، وردِّ القضاء بالدُّعاء، وفي قوله تعالى {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد 39] .

(وَيَسِّرْهُ لِي) أي سهِّله لي ووفِّقني له، وعلى تقدير أن يكون المراد من التَّقدير هو التَّيسير فيكون قوله «ويسِّره لي» عطفًا تفسيريًا لقوله «فاقدره لي» (ثُمَّ بَارِكْ) أي أوقع البركة (لِي فِيهِ) يعني أدمه وضاعفه (وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي _ أَوْ قَالَ) شكٌّ من الرَّاوي أيضًا (عَاجِلِ أَمْرِي _ وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ) أي ادفع ذلك الأمر (عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ) أي لا تعلِّق بالي به وبطلبه.

ومن دعاء بعض العارفين اللَّهم لا تتعب بدني في طلب ما لم تقدِّره لي. ولم يكتف بقوله «فاصرفه عنِّي» ؛ لأنَّه قد يصرف الله تعالى عن المستخير ذلك الأمر، ولا يصرف قلبه عنه، بل يبقى متطلِّعًا متشوِّقًا إلى حصوله فلا يطيب له خاطره، وكذا لم يكتف بقوله «واصرفني عنه» ؛ لأنَّه ربَّما يصرفُ الله المستخير عن ذلك الأمر بأن ينقطعَ طلبه له، وذلك الأمر الذي ليس فيه خيره يطلبه، فربَّما أدركه فإذا صرفَ كل منهما عن الآخر كان ذلك أكمل، ولذلك قال في آخره

(وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ) أي وُجِدَ الخيرُ (ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ) بهمزة قطع، من الإرضاء، وفي نسخة من الترضية، وهما بمعنى واحد؛ أي اجعلني راضيًا به، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه إذا قدَّر له الخير ولم يرضَ به كان منكَّد العيش آثمًا بعدم رضاه بما قدَّر الله له مع كونه خيرًا له، والرِّضا سكون النَّفس إلى القدر والقضاء.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أي في أثناء الدُّعاء عند ذكرها بالكناية عنها بقوله «هذا الأمر» .

وفي الحديث الاعتراف بأنَّ العلم لله تعالى، وكذا

ج 5 ص 637

القدرة، وليس للعبد من ذلك شيء إلَّا ما خلق له، فكأنَّه قال يا رب تقدر أنت قبل أن تخلق فيَّ القدرة ومع خلقها وبعد خلقها، وأنت القادر على الحقيقة في الأحوال كلِّها، وكذلك في العلم.

وفيه أيضًا أنَّه يجب على المؤمن ردُّ الأمور كلِّها إلى الله تعالى، وصرف أزمَّتها إليه، والتبرِّي من الحول والقوَّة، وأن لا يروم شيئًا من دقيق الأمور وجليلها حتَّى يسأل الله تعالى فيه أن يحمله على الخير، ويصرف عنه الشرَّ إذعانًا بالافتقار إليه في كلِّ أمره، والتزامًا لذلَّة العبودية له، وتبرُّكًا باتباع سنَّة سيد المرسلين في الاستخارة، قال الله تعالى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة 216] .

وفيه أيضًا ردٌّ على القدرية الذين زعموا أنَّ الله لا يخلق الشرَّ، تعالى الله عمَّا يفترون، فقد بان في هذا الحديث أنَّ الله تعالى هو المالك للشرِّ، والخالق له وهو المدعوُّ لصرفه عن العبد، ولا يقدر العبد على اختراعه دون أن يقدر الله عليه.

وفي «الجامع الصَّغير» برواية التِّرمذي والحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (( من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له ) ).

وفي «الجامع» أيضًا (( ما خابَ من استخارَ، ولا ندم من استشارَ، ولا عالَ من اقتصد ) ). رواه الطَّبراني في «الأوسط» عن أنس رضي الله عنه.

وقال بعض الحكماء من أُعطي أربعًا لم يمنع أربعًا من أُعطي الشُّكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التَّوبة لم يمنع القبول، ومن أُعطي الاستخارة لم يمنع الخير، ومن أُعطي المشورة لم يمنع الصَّواب.

ثمَّ الاستخارة المختصرة ما ورد في حديث (( اللَّهم خِر لي واخترْ لي ولا تكلْني إلى اختيارِي ) )أخرجه التِّرمذي في «الدَّعوات» عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرًا قال اللَّهم خرْ لي واخترْ لي ) ). وقال غريب لا نعرفه إلَّا من حديث زنفل بن عبد الله، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث.

ونقل عن شيخِ الإسلام خواجه عبد الله الأنصاري ويقال له نديم الباري، هذه الاستخارة المنظومة [2]

~يَا خَائِرًا لِعَبِيْدِه لَا تَترُكنَّ أَحَدًا سُدَى

~خِرْ لِي إِليْكَ طَرِيْقَةً بِيَدَيكَ أَسْبَابُ الهُدَى

وهل يستحبُّ تكرار الاستخارة في الأمر الواحد إذا لم يظهر له وجه الصَّواب في الفعل أو الترك، ولم ينشرحْ صدره؟ قيل بلى يستحبُّ تكرار الصَّلاة، والدُّعاء لذلك، وقد ورد في حديث تكرار الاستخارة سبعًا في «عمل اليوم واللَّيلة» للنَّسائي من رواية إبراهيم بن البراء

ج 5 ص 638

قال حدَّثني أبي، عن جدِّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أنسُ إذا هممتَ بأمرٍ فاستخر ربَّك فيه سبع مرَّات، ثمَّ انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك، فإنَّ الخير فيه ) ).

قال النَّووي في «الأذكار» إسناده غريبٌ، وفيه من لا أعرفهم.

قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي كلُّهم معروفون، ولكن بعضهم معروف بالضَّعف الشَّديد، وهو إبراهيم بن البراء، والبراء هو ابن النَّضر بن الحسن بن مالك رضي الله عنه. وقد ذكره في «الضُّعفاء» العقيلي، وابن حبَّان وابن عديٍّ والأزدي. قال العقيليُّ يحدِّث عن الثِّقات بالبواطيل. وقال ابن حبَّان شيخ كان يدور بالشَّام يحدِّث عن الثِّقات بالموضوعات، لا يجوز ذكره إلَّا على سبيل القدح فيه. وقال ابن عديٍّ ضعيف جدًّا حدَّث بالبواطيل، فعلى هذا فالحديث ساقط لا حجَّة فيه.

نعم. قد يستدلُّ للتِّكرار بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعى دعا ثلاثًا.

ورجال إسناد حديث الباب ما بين بلخي ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦7390] ، و «الدَّعوات» أيضًا [خ¦6382] . وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة» ، وكذا التِّرمذي وابن ماجه فيه، والنَّسائي في «النِّكاح» ، وفي «النُّعوت» ، وفي «اليوم واللَّيلة» .

[1] في هامش الأصل والمراد من قدرة العبد صفة يخلقها الله تعالى عند قصد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، فإن قصد العبد فعل الخير خلق الله تعالى قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشَّر خلق الله تعالى قدرة فعل الشَّر، فكان هو المضيِّع لقدرة فعل الخير، فيستحقُّ الذَّمَّ والعقاب، ولهذا ذمَّ الكافرين بأنَّهم لا يستطيعون السَّمع، وهي مع الفعل؛ لأنَّها عرض، فوجب أن تكون مقارنة للفعل بالزَّمان لا بالذَّات لا سابقة عليه، وإلَّا لزم وقوع الفعل بلا استطاعة وقدرة عليه لامتناع بقاء الأعراض في زمانين، وأمَّا قدرة الله تعالى فهي صفة أزليَّة تؤثِّر في المقدورات عند تعلقها بها. منه.

[2] في هامش الأصل ذكره المولى علي القاري في (( شرح الحصن ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت