فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 11127

103 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ) بصيغة التكبير، ابن الحكم بن محمد (بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الجمحي، أبو محمد البصري الحافظ، سمع مالكًا وغيره، يروي البخاري عنه تارة، وعن محمد بن عبد الله الذهلي عنه أخرى، وروى بقية الجماعة عن رجل عنه، وروى عنه أبو حاتم الرازي، وقال ثقة، وقال ابن معين ثقة الثقات، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين، ونسبه المؤلف إلى جد أبيه كما أشرنا إليه، يقال إنه أتاه رجل فسأله كتابًا ينظر فيه، أو سأله أن يحدثه فامتنع، وسأله رجل آخر في ذلك فأجابه، فقال له الأول أجبته ولم تجبني وليس هذا حق العلم، فقال ابن أبي مريم إن كنت تعرف أبا حمزة من أبي جمرة وكلاهما عن ابن عباس رضي الله عنهما حدثناك وخصصناك كما خصصناه به.

(قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) ؛ بن عبد الله الحافظ القرشي المكي الجُمَحي _ بضم الجيم وفتح الميم وبالمهملة _ قال أحمد بن حنبل ثبتٌ ثبتٌ، صحيح الحديث، وقال يحيى بن معين ثقة، وقال أبو حاتم ثقة يحتج بحديثه، مات بمكة سنة تسع وستين ومئة، روى له الجماعة.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم الميم، عبد الله بن عبيد الله بتكبير الأول، وتصغير الثاني، وقد مر في باب «خوف المؤمن أن يحبط عمله» [خ¦48] (أَنَّ عَائِشَةَ) أي بأن عائشة (زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنها.

ومن لطائف هذا الإسناد ما لا يخفى، وقد أخرج متنه المؤلف في «التفسير» [خ¦4939] ، و «الرقاق» أيضًا [خ¦6536] ، وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب، وفي «التفسير» ، والنسائي في «التفسير» أيضًا.

(كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ) إنما جمع بين «كانت» الذي هو الماضي، وبين

ج 1 ص 610

«لا تسمع» الذي هو المضارع؛ لأن «كانت» هنا لثبوت خبرها، والمضارع للاستمرار فيتناسبان، أو جيء بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية وحكاية عنها لقوة تحققها، فلفظه وإن كان مضارعًا، لكن معناه على الماضي، وفي رواية بدون «كانت» .

(شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ) صفة (شيئًا) ، (إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ) النبي صلى الله عليه وسلم، وهو استثناء من أعم الأحوال؛ أي لا تسمع شيئًا مجهولًا في حال من الأحوال؛ أي موصوفًا بوصف إلا موصوفًا بأنه مرجوع فيه (حَتَّى) أي إلى أن (تَعْرِفَهُ) كما هو حقه (وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) بفتح «أن» عطفًا على قوله (( أن عائشة ) ) (قَالَ مَنْ) موصولة مبتدأ، وقوله (حُوسِبَ) على بناء المجهول صلتها، وقوله (عُذِّبَ) على بناء المجهول أيضًا خبره، قال النووي له معنيان

أحدهما أن نفس الحساب يوم عرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف تعذيبٌ وتوبيخ، والآخر أنه مفضٍ إلى العذاب بالنار، ويؤيده قوله (( يهلك ) )مكان (( عذب ) )، وعورض على الأول بأن الجزاء يكون مسببًا عن الشرط، فلا يكون نفسها. وأجيب بأن التألم الحاصل للنفس بمناقشة الحساب غير الحساب ومسبب عنه، فجاز أن يكون جزاء.

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها، وهذه الجملة معترضة بين المعطوفين، فإن قولها «فقلت» عطف على قولها «قال» (فَقُلْتُ أَ) كان كذلك (وَ لَيْسَ) أي الشأن، ويجوز أن تكون كلمة «ليس» بمعنى لا؛ أي أو لا (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية ، وفي بعض النسخ فعلى هذه النسخة لفظ (( الله ) )اسم «ليس» ، وخبره (( يقول ) ).

( {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسيِرًا} ) أي سهلًا لينا لا يناقش فيه، ولا يعترض بما يسوؤه، ويشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال، وإنما قالت عائشة ذلك؛ لما فهمت من الحديث أنه عام في تعذيب كل من حوسب، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم، وهم أصحاب اليمين، فراجعت في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم كما بينت حيث. (قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ أي الحساب اليسير المذكور في الآية يا عائشة (الْعَرْضُ) أي عرض الناس على الميزان، أو الإظهار والإبراز، وعن عائشة رضي الله عنها (( هو أن يعرف ذنوبه، ثم يتجاوز عنه ) ) (وَلَكِنْ) بتخفيف النون (مَنْ) موصولة تتضمن معنى الشرط (نُوقِشَ) من المناقشة وهي الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء، وقال ابن دريد أصل النقش (استقصاؤك الكشف عن الشيء، ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها) ، وقال الهرويُّ(تقول انتقشت منه حقِّي

ج 1 ص 611

إذا استقصيته منه).

(الْحِسَابَ) بالنصب على أنه مفعول ثان للمناقشة؛ أي من ناقشه الله الحساب واستقصى حسابه فهو من قبيل جاذبته الثوب، وتحقيقه أن المتعدي إلى مفعول واحد إذا نُقِل إلى باب المفاعلة يتعدى إلى مفعولين نحو جاذبته الثوب، لكن يشترط أن لا يصلح مفعول أصل الفعل أن يكون مشاركًا للفاعل كما في المثال المذكور، فإن الثوب لمَّا لم يصلح أن يكون مشاركًا للفاعل في المجاذبة احتيج إلى مفعول آخر يكون مشاركًا له فيها، فيتعدى إلى اثنين، وأما إذا صلح مفعوله للمشاركة فلا يتعدى إلى اثنين، بل يكتفي بمفعوله كما في شاتمت زيدًا، وقال الكرماني (الظاهر أن «الحسابَ» منصوب بنزع الخافض؛ أي في الحساب؛ أي من جرى في حسابه المضايقة) .

(يَهْلِكْ) بكسر اللام وإسكان الكاف جوابًا للشرط، ويجوز الرفع أيضًا؛ لأن الشرط إذا كان ماضيًا يجوز الوجهان في الجواب؛ أي يعذب بالنار، وفي رواية هاهنا أيضًا، والمعنى أن التقصير غالب على العباد، فمن استُقصيَ عليه ولم يُسامَح هلك وأُدخل النار، ولكن الله عز وجل يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء.

والحاصل أن مناط الأمر مشيئة الله تعالى، فإن حسنات العبد موقوفة على القبول، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا يحصل النجاة خصوصًا لمن صدر عنه من السيئات ما لا يحصر.

وفي الحديث فوائد منها ما كان عند عائشة رضي الله عنها من الحرص على تفهُّم معاني الحديث، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم، ومنها جواز المناظرة، ومقابلة السنة بالكتاب، ومنها إثبات الحساب والعرض، ومنها تفاوت الناس في الحساب، ومنها إثبات العذاب، ومنها أن السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نُهي الصحابة عنه في قوله تعالى {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة 101] ، وفي حديث أنس (( كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ) ).

وقد وقع نحو ذلك لغير عائشة رضي الله عنها؛ ففي حديث حفصة رضي الله عنها أنها لما سمعت (( لا يدخل النارَ أحدٌ ممن شهد بدرًا والحديبية ) )قالت أليس الله يقول {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم 71] فأُجيبت بقوله تعالى

ج 1 ص 612

{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم 72] .

وسأل الصحابة رضي الله عنهم لما نزلت {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام 82] أينا لم يظلم نفسه؟، فأجيبوا بأن المراد بالظلم الشرك، والجامع بين هذه المسائل ظهور العموم في الحساب والورود والظلم، فأُوضِحَ لهم أن المراد في كل منها أمر خاص، ولم يقع مثل هذا من الصحابة إلا قليلًا مع توجيه السؤال وظهوره، وذلك لكمال فهمهم، ومعرفتهم باللسان العربي، فيحمل ما ورد من ذمِّ مَن سأل عن المشكلات على من سأل تعنتًا كما قال تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران 7] .

وفي حديث عائشة رضي الله عنها فإذا رأيتم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سمَّى الله فاحذروهم [خ¦4547] ، ومنه ثمه أنكر عمر رضي الله عنه على من رآه أكثر من السؤال عن مثل ذلك وعاتبه، وسيأتي ذلك كله إن شاء الله تعالى في مواضعه.

فائدة اعلم أن إسناد هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم فقال اختلفت الروايات فيه عن ابن أبي مُليكة، فرُوِيَ عنه عن عائشة رضي الله عنها، ورُوِيَ عنه عن القاسم.

وقد اختلف الناس في الحديث الذي روي موصولًا، ورُوي منقطعًا هل يكون فيه علة؟، فالمحدثون يثبتون علته، والفقهاء ينفون العلة عنه ويقولون يجوز أن يكون سمعه عن واحد عن آخر، ثم سمعه عن ذلك الآخر بغير واسطة، قيل وهذا هو الجواب عن استدراك الدارقطني، فهو استدراك مستدرك؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة فرواه بالوجهين، وأكثر استدراكات الدارقطني على الشيخين من هذا الباب.

نعم ظاهر أوله الإرسال؛ لأن ابن أبي مليكة تابعي، ولم يدرك مراجعة عائشة النبي صلى لله عليه وسلم، لكن تبين وصله بعد في قوله «قالت عائشة فقلت» ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت