فهرس الكتاب
1185 - 1186 - (حَدَّثَنا) وفي رواية بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن راهويه، فإنَّه يروي هذا الحديث في مسنده بهذا الإسناد لكن في لفظه بعض المخالفة، ويحتمل أن يكون
ج 6 ص 25
هو ابن منصورٍ؛ لأنَّه يروي أيضًا عن يعقوب، ويروي عنهما البخاريُّ.
(أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) وفي رواية بغير نسبة (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) أبو محمد (الأَنْصَارِيُّ) الحارثي، توفي سنة تسع وتسعين.
(أَنَّهُ عَقَلَ) بفتحات؛ أي عرف (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا) أي رمى بها حال كونها (فِي وَجْهِهِ) يداعبه بها استيلافًا لأبويه، وإكرامًا للربيع.
وقد مرَّ في كتاب العلم في باب «متى يصحُّ سماع الصَّغير» [خ¦77] بلفظ قال «عقلتُ من النَّبي صلى الله عليه وسلم مجَّةً مجَّها في وجهي، وأنا ابنُ خمس سنين من دلو» .
(مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ) أي البئر، وفي رواية بالتذكير؛ أي الدَّلو (فِي دَارِهِمْ) .
(فَزَعَمَ) أي أخبر، وقال وهو من إطلاق الزَّعم على القول (مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) بكسر العين وحكي ضمها (الأَنْصَارِيَّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) رضي الله عنه (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنِّي كُنْتُ) وفي رواية بدون «إني» (أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ) بموحدتين، وفي رواية بموحدة واحدة.
(وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذْ جَاءَتِ الأَمْطَارُ) أي حين جاءت، ويجوز أن تكون «إذ» للتعليل؛ أي لأجل مجيء الأمطار (فَيَشُقُّ) بمثناة تحتية بعد الفاء، هكذا في رواية الكشميهني، وأمَّا في رواية غيره بصيغة الماضي، وفي رواية بدون الفاء.
(عَلَيَّ) بتشديد المثناة التحتية (اجْتِيَازُهُ) بجيم ساكنة ومثناة تحتية بعد فوقية وبزاي (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (مَسْجِدِهِمْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا، أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَفْعَلُ) وفي الرِّواية السابقة «سأفعل إن شاء الله تعالى» [خ¦425] قال عتبان (فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ) وفي الرِّواية السابقة «حين ارتفعَ النَّهار» (فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ
ج 6 ص 26
أَنْ أُصَلِّيَ)وفي رواية بالنون.
(مِنْ بَيْتِكَ، فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ يُصَلِّي) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزاي وفي آخره راء، طعامٌ من اللَّحم والدَّقيق الغليظ (يُصْنَعُ لَهُ) وفي الرِّواية السابقة «صنعناها له» [خ¦425] .
(فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ) أي أهل المحلة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، فَثَابَ) أي جاء (رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَ مَالِكٌ) هو ابن الدُّخْشُن _ بضم الدال وسكون الخاء وضم الشين وبالنون _ وفي الرِّواية السابقة [خ¦425] (( فقال قائلٌ منهم أين مالك بن الدُّخشن ) ) (لاَ أَرَاهُ) بفتح الهمزة، من الرُّؤية.
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ذَاكَ مُنَافِقٌ، لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَقُلْ ذَاكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ. فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ، فَوَاللَّهِ لاَ نَرَى وُدَّهُ وَلاَ حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَى الْمُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ.
قَالَ مَحْمُودٌ بْنُ الرَّبِيْعِ) أي بالإسناد المذكور (فَحَدَّثْتُهَا) أي الحكاية أو القصَّة (قَوْمًا) أي رجالًا (فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاري، هو خالد بن زيد الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة. (صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَتِهِ) متعلِّقٌ بقوله «حدثْتُها» (الَّتِي تُوُفِي فِيهَا) وكانت في سنة خمسين، وقيل بعدها في خلافة معاوية، ووصلوا في تلك الغزوة إلى القسطنطينية وحاصروها.
ذكر أبو سعدٍ وغيره أنَّ أبا أيوب رضي الله عنه أوصى أن يدفنَ تحت أقدام الخيل ويغيب موضع قبره، فدفن إلى جانب جدار قسطنطينية.
(وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (عَلَيْهِمْ) أي أمير عليهم من جهة أبيه معاوية رضي الله عنه (بِأَرْضِ الرُّومِ) وهي ما وراء البحر المالح التي فيها مدينة القسطنطينية.
(فَأَنْكَرَهَا) أي القصَّة أو الحكاية (عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ) وسبب إنكاره أنَّه استشكل قوله (( إنَّ الله
ج 6 ص 27
قد حرَّم النَّار على من قال لا إله إلا الله )) ؛ لأنَّ ظاهره أن لا يدخل أحدٌ من عصاة الموحِّدين النَّار، وهو مخالفٌ لآياتٍ كثيرةٍ، وأحاديث شهيرة، منها قوله تعالى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن 23] . ومنها أحاديث الشَّفاعة لكن الجمع ممكنٌ بأن يحمل التَّحريم على الخلود أو لأنَّه حكم بباطن الأمر، وقال نحن نحكم بالظَّاهر أو لأنَّه كان بين أظهرهم ومن أكابرهم، ولو وقع مثل هذه القضية لاشتهرت ولنقلت إليه، وإما لغير ذلك.
(فَكَبُرَ) بضم الموحدة؛ أي عظم وثقل (ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ) بضم الفاء؛ أي أرجع (مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ، فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ) شكٌّ من الرَّاوي.
(ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاَةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وكان الحامل لمحمود على الرُّجوع إلى عتبان ليسمع الحديث منه ثاني مرَّة أنَّ أبا أيُّوب رضي الله عنه لما أنكر عليه اتَّهم نفسه بأن يكون ما ضبط القدر الذي أنكره عليه، ولهذا قنع بسماعه من عتبان ثاني مرَّة، والله أعلم.
وفي الحديث خمس وخمسون فائدة
1 -أنَّ من عقلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من عقل منه فعلًا يعدُّ صحابيًا.
2 -ما كان عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم من الرَّحمة لأولاد المؤمنين، وفعل ذلك ليعقل عنه الغلمان، ويعدُّ لهم به الصُّحبة لينالوا فضلها وناهيك بها.
3 -استئلافهم لآبائهم بمزحه مع بنيهم.
4 -مزحه ليكرم به من يمازحه.
5 -استراحته في بعض الأوقات ليستعين على العبادة من وقتها.
6 -إعطاء النَّفس حقَّها، ولا يشقُّ عليها في كلِّ الأوقات.
7 -اتِّخاذ الدَّلو.
8 -أخذ الماء منه بالفم.
9 -إلقاء الماء في وجه الطِّفل.
10 -صلاة القبائل الذين حول المدينة في مساجدهم المكتوبة وغيرها.
11 -إمامة الضَّعيف، والتَّخلف عن المسجد في الطِّين والظُّلمة.
12 -صلاة المرء المكتوبة وغيرها في بيته.
13 -سؤال الكبير إتيانه إلى بيته ليتَّخذ مكان صلاته مصلَّى.
14 -ذكر المرء ما فيه من العلل متعذِّرًا، ولا يكون شكوى فيه.
15 -إجابة الشَّارع مَن سأله.
16 -سَيْرُ الإمام مع التَّابع.
17 -صحبة أفضل الصَّحابة إيَّاه.
18 -تسميته لأبي بكر وحده لفضله.
19 -أنَّ صاحب البيت أعلم بأماكن بيته وهو أدرى به.
ج 6 ص 28
20 -التَّبرك بآثار الصَّالحين.
21 -تقديم طلب اليقين من الشَّارع على الاجتهاد.
22 -طلب الصَّلاة في موضعٍ معينٍ لتقوم صلاته فيه مقام الجماعة.
23 -ترك التَّطلع في نواحي البيت.
24 -صلاة النَّافلة جماعة في البيوت.
25 -فضل موضع صلاته صلى الله عليه وسلم.
26 -نوافل النَّهار تصلى ركعتين كالليل.
27 -المكان المتَّخذ مسجدًا مُلْكُه باقٍ عليه.
28 -أنَّ توطُّن الرَّجل مكانًا للصَّلاة إنَّما يكره في المساجد دون البيوت.
29 -أنَّ صلاة الضُّحى مستحبَّة.
30 -صنع الطَّعام للكبير عند إتيانه لهم، وإن لم يُعلم بذلك.
31 -عدم التَّكلف فيما يصنع.
32 -أنَّه كان صلى الله عليه وسلم لا يعيب طعامًا.
33 -أنَّه كان صلى الله عليه وسلم أدوم على فعل الخيرات.
34 -الاكتفاء بالإشارة.
35 -أنَّه يجوز التَّلفظ مع الإشارة.
36 -أنَّه يعبر عن المحلة التي فيها الدُّور بالدَّار، كما في الحديث (( خير دور الأنصار دار بني النَّجار ) )ثمَّ عدد جماعة وفي آخره (( وفي كلِّ دور الأنصار خير ) ) [خ¦3789] .
37 -اجتماع القبيل إلى الموضع الذي يأتيه الكبير ليؤدوا حقَّه، ويأخذوا حظهم منه.
38 -عيب من حضر على من تخلَّف، ونسبته إلى أمرٍ متهم به، وهو مالك بن الدُّخشن، وأنَّه قد شهد بدرًا، واختلف في شهوده العقبة، فظهر من حسن إسلامه ما ينفي عنه تهمة النِّفاق.
39 -كراهة من يميل إلى المنافقين في حديثه ومجالسته.
40 -أنَّ من رمى مسلمًا بالنِّفاق لمجالسته لهم لا يعاقب، ولا يقال له أثمت.
41 -أنَّ الشَّارع كان يأتيه الوحي ولا شكَّ فيه.
42 -أنَّ الكبير إذا علم بصحَّة اعتقاد من نسب إلى غيره يقول له لا تقلْ ذلك.
43 -أنَّ من عَيَّب غيره بما ظهر منه لم يكن غيبة.
44 -أنَّ من تلفظ بالشَّهادتين، واعتقد حقيقة ما جاء به، ومات على ذلك فاز ودخل الجنة.
45 -اختيار سماع الحديث من صاحب مثله أو غيره ليثبت ما عنده.
46 -إنكار من روى حديثًا من غير أن يقطعَ به.
47 -المراجعة فيه إلى غيره فإنَّ محمود بن الربيع أوجب على نفسه إن سَلِم أن يأتي عتبان بن مالك فيسأله، وكان محمود في الشَّام.
48 -الرحلة في العلم.
49 -أنَّ ذكر ما في الإنسان على وجه التَّعريف ليس غيبةً، كذكره عمى عتبان.
50 -إمامة الأعمى، وفيه كلام فيه الفقه.
51 -الإسرار بالنَّوافل.
52 -طلب عين القبلة.
53 -الاستئذان من صاحب الدَّار إذا أتى إلى صاحبها لأمر عرض له.
54 -تولية الإمام أحد السَّرية أميرًا إذا بعثهم لغزو.
55 -الجمع بين الحجَّة وطلب العلم في سفرةٍ واحدةٍ، والله أعلم.