1200 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد بن زاذان التَّميمي الفرَّاء أبو إسحاق، وقد مرَّ في «الحيض» [خ¦296] (قَالَ أَخْبَرَنَا عِيسَى) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وقد مرَّ في باب «من صلَّى بالنَّاس وذكر حاجة» [خ¦851] (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالد سعد الأحمسي البجلي، وقد مرَّ في «الإيمان» [خ¦10] (عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ) بضم الشين المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره لام، البجليُّ، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث.
(عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، هو سعد بن إياس (الشَّيْبَانِيِّ) بفتح المعجمة وليس في (( الصحيحين ) )عن زيد بن أرقم غير هذا الحديث، وقد مرَّ في باب «فضل الصَّلاة لوقتها» [خ¦527] (قَالَ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بفتح الهمزة والقاف وسكون الراء، الأنصاريُّ الخزرجي، مات سنة ثمان وستين رضي الله عنه.
(إِنْ) بتخفيف النون بعد الهمزة المكسورة، مخففةٌ من المثقلة؛ أي إنه؛ أي الشأن (كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ) بلام التأكيد (فِي الصَّلاَةِ، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذه الصِّيغة حكمها الرفع، وكذا قوله «أمرنا» ؛ لقوله فيه على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى لو لم يقيِّد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا.
(يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ) جملة استئنافية كأنَّها جواب عن قول القائل كيف كنتم تتكلَّمون، فقال يُكلِّم ... إلى آخره، والذي يظهر أنَّهم كانوا لا يتكلَّمون فيها بكلِّ شيءٍ، وإنَّما يقتصرون على الحاجة من ردِّ السَّلام ونحوه، وفي لفظ «ويسلِّم بعضنا على بعض» .
(حَتَّى) أي إلى أن (نَزَلَتْ حَافِظُوا) أي واظبوا وداوموا ( {عَلَى الصَّلَوَاتِ} الآيَةَ) وفي رواية < {عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} >؛ أي الفضل، من قولهم للأفضل الأوسط، ولذلك أُفردت وعُطفت على الصَّلوات لانفرادها بالفضل، والمراد صلاة العصر عند الأكثرين.
( {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ) [البقرة 238] حالٌ من الضمير في {قُوْمُوا} ؛ أي ساكنين؛ لأنَّ لفظ الرَّاوي يشعر به فحمله عليه أولى وأرجح؛ لأنَّ المشاهد للوحي والنُّزول يعلم سبب النزول، وقول الصحابيِّ في الآية نزلت في كذا، يتنزل منزلة المسنَد.
وقال عكرمة كانوا يتكلَّمون فيها فنهوا عنه، وقال ابن بطَّال القنوت في هذه الآية بمعنى الطَّاعة
ج 6 ص 63
والخشوع لله تعالى؛ أي خاشعين ذليلين بين يديه، وحينئذٍ فالكلام ينافي الخشوع إلَّا ما كان من أمر الصَّلاة، ولفظ القنوت يجيء لمعانٍ كثيرة غيرها كالصَّلاة والدُّعاء والعبادة والقيام وطول القيام، والله أعلم بالمرام.
وانتهت رواية الأَصيليِّ إلى قوله «والصَّلاة والوسطى» .
(فَأُمِرْنَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِالسُّكُوتِ) أي عن الكلام المتقدم ذكره، وهو ما كانوا يفعلونه مِن تَكلُّم الرَّجل صاحبه إلى جنبه لا مطلقًا، فإنَّ الصَّلاة ليس فيها حالة سكوت حقيقة كما يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ هذه الصَّلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام النَّاس إنَّما هي التَّسبيح والتَّكبير وقراءة القرآن ) ). وزاد مسلمٌ في روايته (( ونهينا عن الكلام ) )؛ أي عن الكلام المعهود، وهو مخاطبة الآدميين كما عرفت، وحَمْلُ ابنِ دقيق العيد اللام في الكلام على العموم محلُّ نظرٍ، ثمَّ إنَّه استدلَّ بهذه الزِّيادة على أنَّ الأمر بالشَّيء ليس نهيًا عن ضدِّه إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله و «نهينا عن الكلام» .
وأُجيب بأنَّ دَلالته عليه دلالة التزامٍ ومن ثمَّة وقع الخلاف فيه بين الأصوليين، فلعله ذُكِرَ لكونه أصرح، ثمَّ إنَّه أجمع العلماء على أنَّ الكلام في الصَّلاة عامدًا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها، ولغير إنقاذ هالكٍ، وشبهه مبطل للصَّلاة.
وأمَّا الكلام لمصلحتها فقال أبو حنيفة والشَّافعي ومالك وأحمد يبطل الصَّلاة، وجوَّزه الأوزاعيُّ وبعض أصحاب مالك وطائفة قليلة، واعتبرت الشَّافعية ظهور حرفين وإن لم يكونا مفهمَين وحرف مفهم نحو قِ من الوقاية، وكذا مدَّة بعد حرفٍ؛ لأنَّها ألف أو واو أو ياء زيدت؛ لأنَّه يقع الكلام على ذلك كلِّه، وتخصيصه بالمفهِم اصطلاح النحاة.
وأمَّا النَّاسي فلا تبطلُ صلاته بالكلام القليل عند الشَّافعيِّ، وبه قال مالك وأحمد والجمهور، وعند أصحابنا تبطلُ، فإن كَثُرَ كلام النَّاسي ففيه وجهان مشهوران للشَّافعية أصحُّهما أنَّه يبطل صلاته؛ لأنَّه نادرٌ.
وأمَّا كلام الجاهل فإن كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام النَّاسي، فلا يبطل صلاته بقليله بخلاف بعيد العهد به؛ لتقصيره بترك التَّعلم، خلافًا للحنفيَّة أيضًا، فإنَّهم قالوا ببطلانها مطلقًا، وكذا الخلاف في أشياء أخر كمن جرى على لسانه بغير قصدٍ أو تعمُّد إصلاح الصَّلاة لسهو دخل على إمامه أو لإنقاذ مسلم لئلَّا يقع في مهلكة، أو فتح على إمامه، أو سبَّح لمن مرَّ به، أو رد السَّلام، أو أجاب دعوة أحد والديه، أو تقرب بقربة، كما عتقت عبدي لله، ففي جميع ذلك خلاف.
قال النَّووي دليلنا حديث ذي اليدين، وأجاب بعض الحنفيَّة أنَّ حديث قصة ذي اليدين منسوخٌ بحديث ابن مسعود، وزيد بن أرقم رضي الله عنهما؛ لأنَّ ذا اليدين قتل يوم بدرٍ كذا روي عن الزُّهري، وإنَّ قصَّته في الصَّلاة كانت قبل بدرٍ، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رضي الله عنه رواه وهو متأخر الإسلام عن بدرٍ؛ لأنَّ الصَّحابي
ج 6 ص 64
قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النَّبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابيٍّ آخر.
فإن قيل قال البيهقيُّ الذي قتل ببدر هو ذو الشِّمالين. وأمَّا ذو اليدين الذي أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بسهوه، فإنَّه بقي بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثمَّ خرَّج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال حدَّثني شعيب بن مطير عن أبيه، ومطير حاضر فصدقه قال شعيب يا أبتاه أخبرتني أنَّ ذا اليدين لقيك بذي خشبٍ، فأخبرك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث.
فالجواب أنَّه قال السَّمعاني في «الأنساب» ذو اليدين، ويقال له ذو الشِّمالين؛ لأنَّه يعمل بكلتا يديه جميعًا.
وفي «الفاصل» للرَّامهرمزي ذو اليدين وذو الشِّمالين قد قيل إنَّهما واحد، وقال ابن حبَّان في «الثقات» ذو اليدين، ويقال له ذو الشِّمالين ابن عبد [عمرو بن نضلة] . .. [1] بن عَمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة.
والحديث الذي استدلَّ به على بقاء ذي اليدين بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم ضعيفٌ؛ لأنَّ معدي بن سليمان متكلَّمٌ فيه، قال أبو زرعة واهي الحديث، وقال النَّسائي ضعيف الحديث. وقال ابن حبَّان يروي المقلوبات عن الثِّقات، والملزقات عن الإثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وشعيب ما عرفنا حاله ووالده مطير لم يكتب حديثه.
وقال الذهبيُّ لم يصحَّ حديثه والله أعلم.
ويعذر التَّنحنح وإن ظهر به حرفان للغلبة، وتعذَّر قراءة الفاتحة لا الجهر؛ لأنَّه سنة لا ضرورة إلى التنحنح له، ولو أكره على الكلام بطلت لندرة الإكراه، ولا تبطل بالذكر والدُّعاء العاري عن المخاطبة، فلو خاطب كقوله لعاطسٍ رحمك الله، بطلت بخلاف رحمه الله، ولو تكلَّم بنظم القرآن قاصدًا للتَّفهيم كقوله {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} [مريم 12] مفهمًا به من يستأذن في أخذ شيءٍ إن قصد معه القرآن لم تبطلْ، فإن قصد التَّفهيم فقط بطلتْ، وإن لم يقصدْ شيئًا، ففي التَّحقيق بالبطلان كذا ذكره القسطلانيُّ.
وفي الحديث الحثُّ على المحافظة على الصَّلوات والأمر بها، وهو للوجوب.
وروى التِّرمذي قال حدَّثنا موسى بن عبد الرَّحمن الكوفي حدَّثنا زيد بن الخباب أخبرنا معاوية بن صالح حدَّثني سليم بن عامر، قال سمعتُ أبا أُمامة رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجَّة الوداع فقال (( اتقوا الله وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم [تدخلوا] جنَّة ربكم ) )، ورواه ابن حبَّان في «صحيحه» أيضًا.
وروى التِّرمذي أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ أوَّل ما يحاسبُ به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ) )الحديث.
وفي الحديث أيضًا الأمر بالمحافظة على الصَّلاة الوسطى، وذكر العلماء فيه عشرين قولًا
الأوَّل أنَّها صلاة المغرب، قاله قَبيصة بن ذئب قال ألا ترى أنَّها ليست بأقلِّها ولا بأكثرها، ولا تقصر في السَّفر، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخِّرها عن وقتها ولم يعجلها، وقال أبو عمر لا أعلمه قال غير قبيصة.
ج 6 ص 65
الثَّاني أنَّها العشاء الآخرة، وهو قول المازري، وزعم البغويُّ في «شرح السنة» أنَّ السَّلف لم ينقل عن أحد منهم هذا القول قال وقد ذكره بعض المتأخرين.
الثَّالث أنَّها الصبح، وهو قول جابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل وابن عباس في قول، وابن عمر في قول رضي الله عنهم، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك بن أنس والشَّافعي في قول رحمهم الله.
وقال أبو عمر وممَّن قال الصَّلاة الوسطى صلاة الصبح عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو أصحُّ ما روي عنه في ذلك، وهو قول طاووس ومالك وأصحابه.
وروى النَّسائي من حديث جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أدلج النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ عرس فلم يستيقظ حتَّى طلعت الشَّمس أو بعضها، فلم يصلِّ حتَّى ارتفعت الشمس، وهي الصَّلاة الوسطى.
وفي حديث صالح بن الخليل عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال الصَّلاة الوسطى صلاة الفجر، وعن أبي رجاء قال صلَّيت مع ابن عباس رضي الله عنهما الغداة في مسجد البصرة، فقنت بنا قبل الرُّكوع، وقال هذه الصَّلاة الوسطى التي قال الله تعالى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة 238] .
قال الطَّحاوي وقد خولف ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذه الآية فيم نزلت، ثمَّ روى حديث زيد بن أرقم المذكور فيما مضى [خ¦1200] .
والمخالفون لابن عبَّاس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية زيد بن أرقم من الصَّحابة، ومجاهد بن جبر والشَّعبي وجابر بن زيد من التَّابعين، فإنَّهم أخبروا أنَّ القنوت المذكور في قوله تعالى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} هو السُّكوت عن الكلام في الصَّلاة؛ لأنَّهم كانوا يتكلَّمون فيها، وليس هو القنوت الذي كان يفعل في صلاة الصُّبح، فلا يسمَّى حينئذٍ بسبب ذلك صلاة الصُّبح الصَّلاة الوسطى.
على أنَّ عمرو بن ميمون والأسود وسعيد بن جبير وعمران بن الحارث قالوا لم يقنتْ ابن عبَّاس رضي الله عنهما في الفجر.
وقال أبو بكر ابن أبي شيبة في «مصنفه» حدَّثنا وكيع قال حدَّثنا سفيان عن واقد مولى زيد بن خليدة عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم أنَّهما كانا لا يقنتان في الفجر.
وحدَّثنا هشيم قال أخبرنا حُصين عن عمران بن الحارث قال صلَّيت مع ابن عباس رضي الله عنهما في داره صلاة الصُّبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده.
الرَّابع أنَّها إحدى الصَّلوات الخمس، ولا تعرف بعينها
ج 6 ص 66
روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما من طريق صحيحةٍ قال نافع سأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن الصَّلاة الوسطى فقال هي منهنَّ فحافظوا عليهنَّ كلهنَّ، وبنحوه.
قال الربيع بن خُيثم وزيد بن ثابت في رواية وشريح القاضي ونافع، وقال النَّقاش قالت طائفةٌ هي الخمس ولم تميز أيَّ صلاةٍ هي، قال أبو عمرو كلُّ واحدةٍ من الخمس وسطى؛ لأنَّ قبل كلِّ واحدةٍ صلاتين وبعدها صلاتين.
الخامس أنَّها هي الخمس إذ هي الوسطى من الدِّين، كما قال صلى الله عليه وسلم (( بني الإسلام على خمس ) )قالوا فهي الوسط من الخمس. روي ذلك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل، قيل ذلك لأنَّها وسط الإسلام؛ أي خياره، وكذلك قاله عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
السَّادس أنَّها هي المحافظة على وقتها، قاله ابن أبي حاتم في كتاب «التفسير» حدَّثنا أبو سعيد الأشج حدَّثنا المحاربي وابن فضيل، عن الأعمش عن أبي الضُّحى عن مسروق أنَّه قال ذلك.
السَّابع أنَّها مواقيتها وشروطها وأركانها وتلاوة القرآن فيها والتَّكبير والرُّكوع والسُّجود والتَّشهد والصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فقد أتمَّها وحافظ عليها، قاله مقاتل بن حيَّان، ذكره ابن أبي حاتم، عنه، وذكره أبو اللَّيث السَّمرقندي، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه.
الثَّامن أنَّها الجمعة خاصة حكاه الماوردي وغيره لما اختصَّت به دون غيرها، وقال ابن سِيده في «المحكم» لأنَّها أفضل الصَّلوات، ومن قال خلاف ذلك فقد أخطأ إلَّا أن يقوله بروايةٍ يسندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التَّاسع أنَّها هي الجمعة يوم الجمعة، والظُّهر في سائر الأيام، حكاه أبو جعفر محمد بن مقسم في «تفسيره» .
العاشر أنَّها صلاتا الصبح والعشاء، وعزاه ابن مقسم في «تفسيره» لأبي الدَّرداء رضي الله عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم (( لو تعلمون ما في العتمة والصبح ) ) [خ¦615] الحديث.
الحادي عشر أنَّها العصر والصبح، وهو قول أبي بكر المالكي الأبهري.
الثَّاني عشر أنَّها الجماعة في جميع الصَّلوات، حكاه الماورديُّ.
الثَّالث عشر أنَّها الوتر.
الرَّابع عشر أنَّها صلاة الضُّحى.
الخامس عشر أنَّها صلاة العيدين.
السَّادس عشر أنَّها صلاة عيد الفطر.
السَّابع عشر أنَّها صلاة الخوف.
الثَّامن عشر أنَّها صلاة عيد الأضحى.
التَّاسع عشر أنَّها المتوسِّطة بين الطُّول والقصر.
العشرون وهو أصحُّ الأقوال فيها للأحاديث الصَّحيحة التي تأتي إن شاء الله تعالى أنَّها صلاة العصر، وهو قول أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وابن عبَّاس
ج 6 ص 67
وأبي بن كعب وأبي أيُّوب الأنصاري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عَمرو في رواية، وسَمُرة بن جندب وأم سلمة رضي الله عنهم.
وقال ابنُ حزم ولا يصحُّ عن عليٍّ ولا عن عائشة رضي الله عنهما غير هذا، وهو قول الحسن البصريِّ والزُّهري وإبراهيم النَّخعي ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ويونس وقتادة والشَّافعي وأحمد والضَّحاك بن مزاحم وعبيد بن مريم وزرِّ بن حبيش ومحمَّد بن السائب الكلبي وآخرين.
وقال أبو الحسن الماورديُّ هو مذهب جمهور التَّابعين، وقال أيضًا نصَّ الشَّافعي أنَّها الصُّبح لكن صحَّت الأحاديث أنَّها العصر، فكان هذا هو مذهبه؛ لقوله إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بمذهبي عرض الحائط، انتهى.
وقال أبو عمر هو قول أكثر أهل الأثر، وقال ابن عطيَّة هو عليه جمهور النَّاس، وقال أبو جعفر الطَّبري الصَّواب من ذلك ما تظاهرت به الأخبار من أنَّها العصر.
وقال أبو عمر وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب، وقال التِّرمذي هو قول أكثر العلماء من الصَّحابة ومن بعدهم.
قال الماورديُّ هذا مذهب الشَّافعي لصحَّة الأحاديث فيه، فمن الأحاديث في ذلك حديث عليٍّ عند مسلم أنَّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق (( شغلونَا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر ) )، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم أيضًا حبس المشركون النَّبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتَّى غابت الشَّمس فقال (( حبسونا عن الصَّلاة الوسطى ) ).
وحديث سَمُرة بن جندب عند التِّرمذي عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في الصَّلاة الوسطى صلاة العصر.
وعند أحمد أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصَّلاة الوسطى قال (( هي العصر ) )وفي لفظ قال {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة 238] وسمَّاها لنا أنَّها هي العصر.
وعند الحاكم محسَّنًا من حديث خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سَمُرة عن سَمُرة يرفعه (( وأمرنا أن نحافظ على الصَّلوات كلِّهن، وأوصانا بالصَّلاة الوسطى، ونبأنا أنَّها صلاة العصر ) ).
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الطَّبراني من حديث أبي ليلى عن الحكم عن مِقْسَم وسعيد بن جبير [عنه] قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق (( شغلونا عن الصَّلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا ) ).
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أبي عبيد الله محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني حدَّثنا إبراهيم بن عامر بن إبراهيم حدَّثنا أبي حدَّثنا يعقوب القمي،
ج 6 ص 68
عن عنبسة بن سعيد الرَّازي، عن ابن أبي ليلى وليث، عن نافع، عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( الموتور من أهله وماله من وُتِرَ من صلاة الوسطى في جماعةٍ وهي صلاة العصر ) ).
وحديث أبي هريرة عند ابن خُزيمة في «صحيحه» قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الصَّلاة الوسطى صلاة العصر ) ).
وحديث أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، عند أبي جعفر الطَّبري، من حديث كُهَيل بن حرملة سئل أبو هريرة رضي الله عنه عن الصَّلاة الوسطى فقال اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفينا الرَّجل الصَّالح أبو هاشم ابن عتبة فقال أنا أعلم لكم ذلك فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، ثمَّ خرج إلينا فقال أخبرنا أنَّها صلاة العصر.
وقال الذَّهبي أبو هاشم ابن عتبة بن ربيعة العبشميُّ أخو أبي حذيفة وأخو مصعب بن عمير لأمه أسلم يوم الفتح وسكن الشَّام، وكان صالحًا توفي زمن عثمان رضي الله عنه، وقال أبو موسى المدينيُّ في كتاب «الصحابة» أبو هاشم هذا له حديثان حسنان.
وحديث رجلٍ من الصَّحابة عند الطَّبري قال أرسلني أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأنا غلامٌ صغيرٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن الصَّلاة الوسطى، فأخذ إصبعي الصَّغيرة فقال (( هذه الفجر وقبض التي تليها فقال هذه الظُّهر، ثمَّ قبض الإبهام فقال هذه المغرب، ثمَّ قبض التي تليها فقال هذه العشاء، ثمَّ قال أيُّ أصابعك بقيت فقلت الوسطى فقال أيُّ الصَّلاة بقيت قلت العصر قال هي العصر ) ).
وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( شغلونا عن صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود عليهما السَّلام حتَّى تورات بالحجاب ) )ذكره إسماعيل بن زياد الشَّامي في «تفسيره» عن أبان عن أنس رضي الله عنه.
وحديث أم سلمة رضي الله عنها في كتاب «المصاحف» لابن أبي داود قالت لكاتب يكتب لها مصحفًا إذا كتبت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فاكتبها العصر، ورواه ابن حزم من طريق وكيع عن داود بن قيس عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة رضي الله عنها.
وحديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم عن أبي يونس مولى عائشة أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا وقالت إذا بلغت هذه الآية
ج 6 ص 69
فَآذِنِّي {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} قال فلمَّا بلغتها آذنتها فأَمْلَتْ عليَّ {حافظوا على الصلوات والصَّلاة الوسطى وصلاة العصر} ، وقالت سمعتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا وقع عند مسلم «وصلاة العصر» ، بواو العطف.
ووقع في رواية أبي بكر عبد الله بن أبي داود بسنده إلى قَبيصة قال في مصحف عائشة رضي الله عنها «حافظوا على الصلوات والصَّلاة الوسطى صلاة العصر» ؛ يعني بلا واو.
وفي كتاب ابن حزم روينا من طريق ابن مهدي عن أبي سهل محمَّد بن عمرو الأنصاريِّ عن القاسم عنها بغير واو، وقال أبو محمد فهذه أصحُّ رواية عن عائشة رضي الله عنها، وأبو سهل ثقة.
قال العينيُّ وفيه ردٌّ لما قاله أبو عمر لم يختلف في حديث عائشة رضي الله عنها في ثبوت الواو، والله أعلم.
ورجال إسناد الحديث كوفيُّون إلَّا شيخه فرازيٌّ، وقد أخرج متنه المؤلف في «التفسير» [خ¦4534] وأخرجه مسلم أيضًا في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود، والتِّرمذي فيه وفي «التفسير» .
[1] بياض في الأصل، انظر ثقات ابن حبان (3/ 120)