فهرس الكتاب

الصفحة 1907 من 11127

1207 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضل بن دُكين (قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة، هو ابن عبد الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف، وفي رواية التِّرمذي من طريق الأوزاعيِّ (( عن يحيى حدَّثني أبو سلمة ) ).

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُعَيْقِيبٌ) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر القاف بعدها مثناة تحتية آخره باء موحدة، هو ابنُ أبي فاطمة الدَّوسي المدني حليف بني عبد شمس أسلم قديمًا كان على خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمله الشَّيخان رضي الله عنهما على بيت المال وأصابه الجذام، فجمع له عمر رضي الله عنه الأطبَّاء فعالجوه، فوقف المرض.

وقال ابن التِّين وليس في الصَّحابة أحدٌ أجذم غيره، وهو الذي سقط من يده خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم أيَّام عثمان رضي الله عنه في بئر أريس فلم يوجد، فمذ سقط الخاتم اختلف الكلمة، وتوفِّي في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه. وقيل توفي في سنة أربعين في خلافة عليٍّ رضي الله عنه، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أحاديث، وليس له في هذا الصَّحيح إلَّا هذا الحديث، ورجال إسناد حديث الباب ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ويماميٍّ ومدنيٍّ.

وقد أخرج متنه مسلم في «الصَّلاة» وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه.

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي) شأن (الرَّجُلِ) وذِكْرُ الرَّجل غالبي وإلَّا فالحكم جارٍ في الذكر والأنثى من المكلَّفين (يُسَوِّي التُّرَابَ) جملة حاليَّة من الرَّجل (حَيْثُ) أي في المكان الذي (يَسْجُدُ) فيه (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا) أي مسويًّا التُّراب ولفظ الفعل أعمُّ، ولهذا استعمل لفظ (( فاعلون ) )في موضع مؤدون في قوله تعالى {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون 4] .

(فَوَاحِدَةً) بالنصب على إضمار الناصب؛ أي فامسح واحدة أو فليكن واحدة أو على النعت لمصدر محذوف؛ أي فافعل فعلةً واحدةً؛ يعني مرَّةً واحدةً، وكذا وقع في رواية التِّرمذي (( إن كنت فاعلًا فمرَّة واحدةً ) )ويجوز رفعها على الابتداء

ج 6 ص 87

وخبره محذوف؛ أي ففعلة واحدة تكفيك، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي فالمشروع فعلة واحدة.

قيل لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّ المذكور في الحديث التراب، وفي التَّرجمة الحصا، وأجاب الكرمانيُّ بأنَّ الغالب أنَّ في التُّراب الحصا فيلزم من تسوية التراب مسح الحصا.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الحصا ربَّما تكون غريقة في التُّراب عند كونها فيه فلا يقع عليها المسح، انتهى وفيه تأمُّل.

وقال ابن رُشَيْد ترجم بالحصا، وفي الحديث التراب لينبِّه على إلحاق الحصا بالتُّراب في الاقتصار على التَّسوية مرَّةً، وأشار بذلك أيضًا إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ «الحصا» .

كما أخرجه مسلمٌ من طريق وكيع عن هشام الدَّستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن مُعيقيب قال ذكر للنَّبي صلى الله عليه وسلم المسح في المسجد _ يعني الحصا _ قال (( إن كنت لا بدَّ فاعلًا فواحدة ) ).

وقال ابن رُشَيْد ولمَّا كان في الحديث يعني ولا يدري أهو قول الصَّحابي أو غيره عدل عنه البخاريُّ إلى ذكر الرِّواية التي فيها التُّراب.

وقال العينيُّ والأوجه أن يقال جاء في الحديث لفظ «الحصا» ، ولفظ «التُّراب» ، فأشار بالتَّرجمة إلى «الحصا» ، وبالحديث إلى «التُّراب» .

أقول فقد أخرج التِّرمذي من طريق الأوزاعيِّ عن يحيى بلفظ سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصا في الصَّلاة. وروى أحمد أيضًا من حديث حذيفة رضي الله عنه قال سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن كلِّ شيءٍ حتَّى عن مسح الحصا، فقال واحدة أو دع.

ورواه أصحاب السُّنن من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه بلفظ (( إذا قام أحدكم إلى الصَّلاة فإنَّ الرَّحمة تواجهه فلا يمسح الحصا ) ).

ثمَّ إنَّ التَّقييد بالحصا وبالتُّراب خرج مخرج الغالب لكونه كان الموجود في فرش المسجد إذ ذاك فلا يدلُّ تعليق الحكم به على نفيه عن غيره ممَّا يُصلَّى عليه من الرَّمل والقذى وغير ذلك، والله أعلم.

وفي الحديث الرُّخصة في مسح الحصا وغيرها مرَّة واحدةً لئلَّا يتأذَّى به في سجوده والكراهة في الزِّيادة على المرَّة الواحدة لئلَّا يلزم العمل الكثير أو للمحافظة على الخشوع، أو لئلَّا يجعل بينه وبين الرَّحمة التي تواجهه حائلًا، كما في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه الذي تقدَّم.

فعلى هذا حكمة النَّهي أن لا يشتغل خاطره بشيءٍ يلهيه عن الرَّحمة المواجهة له فيفوته حظُّه منها وذلك المذكور هو مذهبُ أبي ذرٍّ وأبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهم.

وكان ابن مسعودٍ وابن عمر رضي الله عنهم يفعلانه في الصَّلاة، وممَّن قال بذلك من التَّابعين إبراهيم النَّخعي وأبو صالح.

وحكى الخطَّابي في «المعالم» كراهته مطلقًا عن كثيرٍ من العلماء، وممَّن كرهه

ج 6 ص 88

من الصَّحابة عمر بن الخطَّاب وجابر رضي الله عنهما، ومن التَّابعين الحسن البصري وجمهور العلماء بعدهم.

وحكى النَّووي في «شرح مسلم» اتِّفاق العلماء على كراهته؛ لأنَّه ينافي التَّواضع ويشغل المصلِّي، وفي حكايته الاتِّفاق نظرٌ فإنَّ مالكًا لم يرَ به بأسًا، وكان يفعله في الصَّلاة.

قال القسطلانيُّ ولعلَّه لم يبلغه الخبر، وفي «التلويح» روي عن جماعةٍ من السَّلف أنَّهم كانوا يمسحون الحصا لموضع سجودهم مرَّةً واحدةً وكرهوا ما زاد عليها، وذهب أهل الظَّاهر إلى تحريم ما زاد على المرَّة.

وقال ابن حزم فرض عليه أن لا يمسح الحصا أو ما يسجد عليه إلَّا مرَّةً واحدة وتركها أفضل لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصَّلاة.

فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( إذا قام أحدكم إلى الصَّلاة إذا دخل فيها ) )، وفي معنى مسح الحصا مسح الجبهة من التُّراب والطِّين والحصا في الصَّلاة.

فقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال ما أحبُّ أن يكون لي حمر النِّعم وإنِّي مسحت مكان جبيني من الحصا إلَّا أن يغلبني فأمسح مسحةً.

وقال القاضي عياض كره السَّلف مسح الجبهة في الصَّلاة وقبل الانصراف يعني من المسجد ممَّا يتعلَّق بها من ترابٍ ونحوه، وحكى ابن عبد البرِّ عن سعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أنَّهم كانوا يكرهون أن يمسح الرَّجل جبهته قبل أن ينصرف ويقولون هو من الجفاء.

وقال ابن مسعودٍ رضي الله عنه أربعٌ من الجفاء أن تصلِّي إلى غير سترةٍ وتمسح جبهتك قبل أن تنصرف وتبول قائمًا وتسمع المنادي ثمَّ لا تجيبه.

وقد تقدَّم في أواخر «صفة الصَّلاة» حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتَّفق عليه (( فرأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم انصرف من الصَّلاة وعلى جبهتهِ أثر الماء والطِّين ) ) [خ¦2027] ، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت