فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 11127

106 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون المهملة وبإهمال الدال، الجوهري البغدادي، وقد مر ذكره في باب «أداء الخمس من الإيمان» [خ¦53] (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر أبو عتاب، وكان متعبدًا متهجدًا، قالت فتاة لأبيها يا أبت الأسطوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال يا بنية ذاك منصور يصلي بالليل، فمات، وقال ابن المديني (إذا حدثك ثقة عن منصور فقد ملأتَ يديك لا تُرِدْ غيره) ، وقد ذكر في باب «من جعل لأهل العلم أيامًا» [خ¦70] .

(قَالَ سَمِعْتُ رِبْعِيَّ) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر المهملة وتشديد الياء آخر الحروف (بْنَ حِرَاشٍ) بكسر المهملة وتخفيف الراء

ج 1 ص 625

وبالشين المعجمة ابن جَحْش _ بفتح الجيم وسكون المهملة آخره شين معجمة _ الغطفاني العبسي _ بالموحدة _ أبو مريم الكوفي الأعور العابد الورع.

يقال إنه لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجاج، فقيل للحجاج إن أباهما لم يكذب كذبة قط، لو أرسلتَ إليه فسألتَه عنهما، فأرسل إليه فقال هما في البيت، فقال قد عفونا عنهما لصدقك، وحلف أن لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أو إلى النار؟ فما ضحك إلا عند موته، وله أخوان مسعود وهو الذي تكلم بعد الموت، وربيع وهو أيضًا حلف أن لا يضحك حتى يعرف أفي الجنة أم لا؟ فقال غاسله إنه لم يزل متبسمًا على سريره حتى فرغنا، وقال ابن المديني (لم يُروَ عن مسعود شيء إلا كلامه بعد الموت) ، وقال الكلبي (كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حراش بن جحش فخرق كتابه) ، وليس لربعي عقب، قال العجلي تابعي ثقة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل سنة أربع ومئة، وقال ابن سعد حدث عن علي، وعن أبي الحسن القابسي إنه لم يصح لربعي سماع من علي رضي الله عنه [1] غير هذا الحديث، وقدم الشام، وسمع خطبة عمر رضي الله عنه بالجابية.

(يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف [2] الهاشمي المكي المدني أمير المؤمنين ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخَتَنه على بنته فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، واسم أبي طالب عبد مناف على المشهور، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في قبرها.

وكنية علي أبو الحسن، وكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا تراب، وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة، حيث قال له (أنت أخي في الدنيا والآخرة) ، وهو أبو السبطين، وأول هاشمي ولد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، وأحد الخلفاء الراشدين وأحد العلماء الربانيين، وأحد الشجعان المشهورين والزهاد المذكورين، وأحد السابقين في الإسلام، استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكة، أن يقيم بها أيامًا حتى يؤدي عنه أمانته، ثم يلحقه بأهله، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها إلا تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم

ج 1 ص 626

استخلفه فيها على المدينة، وهو قال (يا رسول الله أتخلِّفني في النساء والصبيان؟) فقال (( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي ) )، وأصابته يوم أحد ست عشرة ضربة، وأعطاه الراية يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يده، ومناقبه جمَّة، وأحواله في الشجاعة مشهورة.

وأما علمه؛ فكان من العلوم بالمحل الأعلى، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم إلى فتواه وأقواله في المسائل المعضلات أيضًا مشهور.

وأما زهده فهو مما اشترك في معرفته الخاص والعام، وكان الحاصل من غلته أربعين ألف دينار، وجعل كلها للصدقة، وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم، ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم أعدَّها ليشتري بها خادمة لأهله، والأحاديث الواردة في «الصحاح» في فضله كثيرة.

ولي الخلافة خمس سنين، قال ابن المسيب (لما قتل عثمان رضي الله عنه جاء الصحابة وغيرهم إلى علي فقالوا نبايعك فأنت أحق بها، فقال إنما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضوا به فهو الخليفة، فلم يبق أحد إلا أتى عليًا، فلما رأى ذلك خرج إلى المسجد، فصعد المنبر، فبايعه طلحة، ثم بايعه الباقون) .

قال النووي (نقلوا عنه آثارًا كثيرة تدل على أنه عَلِم السنةَ والشهرَ، والليلة التي قتل فيها، وأنه لما خرج إلى صلاة الصبح صاحت الزواقي _ أي الديوك _ في وجهه فطُرِدن عنه، فقال دعوهنَّ فإنهن نوائح) .

وقال أهل «السير» انتدب ثلاثة من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم الحميري ورجلان آخران تميميان، واجتمعوا بمكة وتعاقدوا ليقتلوا عليًا ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، فقال ابن ملجم أنا لعلي، والآخر أنا لمعاوية، والآخر أنا لعمرو، وتواعدوا ليلة سبعة عشر من رمضان، فتوجه كل واحد إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يريد قتله، فذهب ابن ملجم إلى الكوفة، فضرب عليًا رضي الله عنه بسيف مسموم في جبهته، فأوصله دماغه ليلة الجمعة، وتوفي رضي الله عنه ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة، ولما ضربه قال فزت

ج 1 ص 627

ورب الكعبة، وكتب وصيته فلما فرغ من الوصية، قال (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، ثم لم يتكلم إلا (لا إله إلا الله) ، حتى توفي.

وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن بالسحر، وقبره بالكوفة، ولكنه غُيِّب خوفًا من الخوارج، وكان عنده فضل من حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أن يحنَّط به، وكان آدم اللون، أصلع، ربعة، أبيض الرأس واللحية، وكانت لحيته كثة طويلة، حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر، ضحوك السن.

هذا وقد اختلف العلماء في أول من أسلم من الأمة فقيل خديجة، وقيل أبو بكر، وقيل علي، والصحيح خديجة، ثم أبو بكر، ثم علي، والأورع أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال رضي الله عنهم، وفي الرواة علي بن أبي طالب ثمانية سواه.

(يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لاَ تَكْذِبُوا) بكسر الذال المعجمة (عَلَيَّ) هو عام في كل كذب مطلق في كل نوع منه، ومعناه لا تنسبوا الكذب إليَّ ولا مفهوم لقوله «عليَّ» ؛ لأنه لا يتصور أن يكذب له؛ لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في «الترغيب والترهيب» ، وقالوا نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دَرَوا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية سواء كان في الإيجاب أو الندب أو مقابليهما الحرام والمكروه، وسيأتي تفصيل هذا المبحث قريبًا إن شاء الله تعالى.

والكذب على الله تعالى داخل تحت الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(فَإِنَّهُ) أي الشأن (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ) من ولج يلج ولوجًا ولجة كعدة إذا دخل (النَّارَ) منصوب بتقدير «في» ؛ لأن الأصل الولوج لازم كالدخول فيكون من قبيل قولك دخلت الدار؛ أي دخلت فيها، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالولوج مسببًا عن الكذب؛ لأن لازم الأمر الإلزام، وكون الكذب سببًا لإلزام الولوج معنى صحيح، أو هو بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم (( من يكذب علي يلج النار ) )، وكذا رواية ابن ماجه (( فإن الكذب علي يولج النار ) )، وقيل هو دعاء عليه، ثم أُخرج مخرج الذم، فلا يقال كيف يتصور كون الكذب سببًا للأمر بالولوج؟ نعم هو سبب للولوج نفسه، فإن قيل الكذب من حيث هو معصية إلا ما استثني في الإصلاح وغيره، فكل كاذب عاص، وكل عاص يلج النار؛

ج 1 ص 628

لقوله تعالى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن 23] .

فما فائدة لفظة «علي» ؟، فالجواب أن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم أشد من الكذب على غيره؛ لكونه يقتضي شرعًا باقيًا إلى يوم القيامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد ) ) [خ¦1291] فخص بالذكر لذلك، وقيل أو الكذب عليه كبيرة، وعلى غيره صغيرة، والصغائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر، والمراد من قوله تعالى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ} [النساء 14] الكبيرة.

هذا وقال النووي (معنى الحديث إن هذا جزاؤه فقد يجازى به وقد يعفو الله عنه، فلا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، ثم إن جوزي وأدخل النار لا يخلد فيها، بل لا بد من خروجه منها بفضل الله ورحمته) .

وقد أخرج متن هذا الحديث مسلم في «مقدمة كتابه» أيضًا، وأخرجه الترمذي في «العلم» ، وقال حسن صحيح، وفي «المناقب» ، والنسائي في «العلم» ، وابن ماجه في «السنة» .

[1] (( من قوله حدث عن. .. إلى قوله رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .

[2] (( بن هاشم بن عبد مناف ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت