1227 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ _ أَوِ الْعَصْرَ _) بالشكِّ، وسبق في «أبواب الإمامة» [خ¦715] عن أبي الوليد عن شعبة بلفظ «الظهر» بغير شكٍّ. كذا عند مسلم من طريق أبي سلمة (( صلاة الظُّهر ) )، وعنده من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه (( العصر ) )بغير شكٍّ.
ثمَّ الشَّك من أبي هريرة رضي الله عنه كما يدلُّ عليه رواية عوف عن محمَّد بن سيرين عند النَّسائي ولفظه قال أبو هريرة رضي الله عنه صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشِيِّ، قال أبو هريرة رضي الله عنه ولكنِّي نسيت، فبيَّن أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ الشكَّ منه، وهو يعكِّر على ما حكاه النَّووي عن المحقِّقين أنَّهما قضيتان، بل يجمع بأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه رواه كثيرًا على الشكِّ، وربما غلب على ظنِّه أنَّها الظُّهر فجزم بها، وتارةً غلب على ظنِّه أنَّها العصر فجزم بها.
(فَسَلَّمَ) يعني على آخر الرَّكعتين، وزاد أبو داود من طريق معاذ عن شعبة (( في الرَّكعتين ) ) (فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ) اسمه الخِرْباق _ بكسر المعجمة وسكون الراء وبالموحدة _ السُّلمي (الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللَّهَ) بالرفع مبتدأ وخبره قوله (أَنَقَصَتْ؟) بهمزة الاستفهام وفتح النون على أن يكون لازمًا، ويجوز ضم النون على أن يكون متعدِّيًا، وقوله «يا رسول الله» ، معترض بين المبتدأ والخبر.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ) الذين صلُّوا معه رضي الله عنهم (أَحَقٌّ مَا يَقُولُ) ذو اليدين، في إعرابه وجهان
أحدهما أن يكون «أحقُّ» خبرًا، و «ما يقول» مبتدأ.
والثَّاني
ج 6 ص 126
أن يكون لفظ «حق» مبتدأ دخلت عليه همزة الاستفهام، وقوله «ما يقول» ساد مسد الخبر.
(قَالُوا نَعَمْ) حق ما يقوله، (فَصَلَّى) صلى الله عليه وسلم (رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ) بمثناتين تحتيتين بعد الراء تثنية أخرى، ويروى بألف ثمَّ واو بعد الراء على خلاف القياس.
(ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو كسجدتي الصَّلاة بذكر السُّجود الذي هو التَّسبيح المعهود في الصَّلاة، وعن بعض العلماء أنَّه يندب له أن يقول سبحان من لا ينام ولا يسهو.
قال النَّووي والرَّافعي وهو اللَّائق بالحال، فقال الزَّركشي إنَّما يكون ذلك لائقًا إذا لم يتعمَّد، فإن تعمَّد فإنَّما اللَّائق هو الاستغفار.
وفي هذا الحديث بناء الصَّلاة على الرَّكعتين بعد الكلام.
وفي هذا اختلاف للعلماء، فذهب مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق إلى أنَّ كلام القوم في الصَّلاة لإمامهم لإصلاح الصَّلاة مباح، وكذا الكلام من الإمام لأجل السَّهو لا يفسدها.
وقال أبو عمر ذهب الشَّافعي وأصحابه إلى أنَّ الكلام والسَّلام ساهيًا في الصَّلاة لا يفسدها كقول مالك وأصحابه سواء، وإنَّما الخلاف بينهما أنَّ مالكًا يقول لا يفسد الصَّلاة تعمُّد الكلام فيها إذا كان في إصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلَّا ما رُوِي عنه في المنفرد، وهو قول أحمد.
وقال القاضي عياض وقد اختلف قول مالك وأصحابه في التعمُّد بالكلام لإصلاح الصَّلاة من الإمام والمأموم، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشَّافعي وأحمد وأهل الظَّاهر، وجعلوه مفسدًا للصَّلاة إلَّا أنَّ أحمد أباح ذلك للإمام وحده، وسوَّى أبو حنيفة بين العمد والسَّهو.
فإن قيل كيف تكلَّم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصَّلاة؟
قلت أجاب النَّووي بوجهين أحدهما أنَّهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصَّلاة؛ لأنَّهم كانوا مجوِّزين لنسخ الصَّلاة من أربع إلى ركعتين.
والآخر أنَّ هذا كان خطابًا للنَّبي صلى الله عليه وسلم وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا. وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيحٍ أنَّ الجماعة أومأوا _ أي أشاروا _ نعم، فعلى هذه الرِّواية لم يتكلَّموا، هذا والحقُّ أنَّ الكلام والخروج من المسجد ونحو ذلك كله قد نسخ حتَّى لو فعل أحدٌ مثل ذلك في هذا اليوم بطلت صلاته.
والدَّليل عليه ما رواه الطَّحاوي أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين،
ج 6 ص 127
ثمَّ حَدَثَت به تلك الحادثة بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم فعمل فيها بخلاف ما عمل صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، ولم ينكرْ عليه أحد ممَّن حضر فعله من الصَّحابة رضي الله عنهم، وذلك لا يصحُّ أن يكون منه ومنهم إلَّا بعد وقوفهم على نسخ ما كان منه صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين.
ثمَّ إنَّ الظَّاهر من قول أبي هريرة رضي الله عنه «صلَّى بنا» أنَّه حضر القصَّة، وذو اليدين استشهد ببدر، قاله الزُّهري، ومقتضاه أن تكون تلك القصَّة قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة رضي الله عنه بأكثر من خمس سنين، فحمله الطَّحاوي على المجاز فقال إنَّ المراد به صلَّى بالمسلمين.
وهذا نظير ما رُوِيَ عن النزَّال بن سَبْرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنا وإيَّاكم ندعى عبد مناف ) )الحديث، والنزال لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما أراد بذلك قال لقومنا.
وكذا روي عن طاوس قال «قدم علينا معاذ بن جبل رضي الله عنه فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا» ، فإنَّه إنَّما أراد قدم بلدنا؛ لأنَّ معاذًا رضي الله عنه قدم اليمن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يولد طاوس.
وقال الحافظ العسقلاني اتَّفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البرِّ وغيره أنَّ الزُّهري وَهِمَ في ذلك، وسببه أنَّه جعل القصَّة لذي الشِّمالين، وذو الشِّمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعيٌّ عمرو بن نضلة، وأمَّا ذو اليدين فتأخَّر بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بمدَّة، وهو سلميٌّ واسمه الخِرْباق.
وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه فقام رجل من بني سُلَيم، فلمَّا وقع عند الزُّهري بلفظ «فقام ذو الشِّمالين» ، وهو يعرف أنَّه قُتِلَ ببدر قال لأجل ذلك أنَّ القصَّة وقعت قبل بدر.
وقد جوَّز بعض الأئمة أن تكون القصَّة وقعت لكلٍّ من ذي الشِّمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة رضي الله عنه روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصَّة ذي الشمالين، وشاهد الآخر وهو قصَّة ذي اليدين، وهذا محتمل في طريق الجمع.
وقيل يحمل على أنَّ ذا الشمالين كان يقال له أيضًا ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سبب الاشتباه، ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطَّحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «بينما أنا أصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وقد اتَّفق معظم أهل الحديث من المصنِّفين
ج 6 ص 128
وغيرهم على أنَّ ذا الشِّمالين غير ذي اليدين، ونصَّ على ذلك الشَّافعي في اختلاف الحديث. انتهى.
وقال العيني قد وقع في كتاب النَّسائي أنَّ ذا اليدين وذا الشِّمالين واحد كلاهما لقب على الخِرْباق قال أخبرنا محمَّد بن رافع حدَّثنا عبد الرَّزَّاق أخبرنا معمر، عن الزُّهري، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم الظُّهر أو العصر فسلَّم من ركعتين، فانصرف فقال له ذو الشمالين أنقصت الصَّلاة أم نسيت؟ قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما يقول ذو اليدين ) )قالوا صدق يا رسول الله، فأتمَّ بهم الرَّكعتين اللَّتين نقص. وهذا سند صحيحٌ متَّصل، صرَّح فيه بأنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين.
وروى النَّسائي أيضًا بسند صحيحٍ صرَّح فيه أيضًا أنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزُّهري على ذلك عمران بن أنس.
قال النَّسائي أخبرنا عيسى بن حمَّاد أخبرنا اللَّيث، عن يزيد بن حبيب، عن عمران بن أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يومًا، فسلم في ركعتين ثمَّ انصرف فأدركه ذو الشمالين فقال يا رسول الله أنقصت الصَّلاة أم نسيت؟ فقال لم تنقص الصَّلاة ولم أنس، قال بلى والذي بعثك بالحقِّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق ذو اليدين، قالوا نعم، فصلَّى بالنَّاس ركعتين ) ).
وهذا سند صحيحٌ على شرط مسلم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في «الصحيحين» عدم صحَّته، فثبتَ أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد.
والعجبُ من هذا القائل أنَّه مع إطلاعه على ما رواه النَّسائي من هذا كيف اعتمد على قول مَن نَسب الزُّهريَّ إلى الوهم، ولكن أريحية العصبية يحمل الرَّجل على أكثر من هذا.
وأمَّا قول ذلك القائل «وقد جوَّز بعض الأئمَّة ... » إلى آخره، فيحتاج إلى دليل صحيح، وجعل الواحد اثنين خلاف الأصل، وقد يلقب الرَّجل بلقبين وأكثر.
وأمَّا قوله «ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطَّحاوي ما رواه مسلم. .. إل آخره، فهذا الحديث رواه مسلم من خمس طرق فلفظه في طريقين «صلَّى بنا» ، وفي طريق «صلَّى لنا» ، وفي طريق «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى ركعتين» ، وفي طريق «بينما أنا أصلِّي» ، وفي ثلاث طرق التَّصريح بلفظ «ذي اليدين» ، وفي الطَّريقين
ج 6 ص 129
بلفظ «رجل من بني سليم» .
فيحتمل أن يكون الرَّجل المذكور الذي نصَّ عليه أنَّه من بني سليم غير ذي اليدين، وأن تكون قصته غير قصته، وأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه شاهد هذا حتَّى أخبر عن ذلك بقوله «بينما أنا أصلِّي» ، وكون ذي اليدين من بني سليم على قول من يدَّعي ذلك لا يستلزم أن لا يكون غيره من بني سليم.
(قَالَ سَعْدٌ) هو ابن إبراهيم المذكور، وهو بالإسناد المصدَّر به الحديث (وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) وهو من كبار التَّابعين، فالحديث مرسل التَّابعي (صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ) عقبهما (وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ) منها (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو.
(وَقَالَ هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا الأثر يقوِّي قول من قال إنَّ الكلام لمصلحة الصَّلاة لا يبطلها. ويحتمل أن يكون عروة تكلَّم ساهيًا أو ظانًّا أنَّ الصَّلاة قد تمَّت، ويحمله الحنفيَّة على أنَّه لم يبلغه نسخ الكلام في الصَّلاة.
ثمَّ إنَّ مرسل عروة هذا ممَّا يقوِّي طريق أبي سلمة الموصولة، ويحتمل أن يكون عروة حمله عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقد رواه عن أبي هريرة جماعة من رفقة عروة من أهل المدينة كابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث وغيرهم من الفقهاء.