فهرس الكتاب

الصفحة 1978 من 11127

1253 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن أبي أويس ابن أخت مالك (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) وفي رواية ابن جريج (( عن أيوب سمعتُ ابن سيرين ) )وسيأتي في باب «كيف الإشعار» [خ¦1261] ، وقد رواه أيوب أيضًا عن حفصة بنت سيرين، كما سيأتي بعد أبوابٍ [خ¦1254] ، وهذا حديث أمِّ عطيَّة على محمَّد وحفصة ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظ محمَّد كما سيأتي مبينًا.

وقال ابن المنذر ليس في أحاديث غسل الميت أعلى من حديث أمِّ عطيَّة وعليه عوَّل الأئمَّة.

(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) اسمها نُسيبة _ بضم النون _ بنت كعب، ويقال بنت الحارث (الأَنْصَارِيَّةِ) وقد شهدت غسل ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكت ذلك فأتقنتْ وكانت تغسل الميتات.

ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وقد أخرج متنه مسلمٌ أيضًا في «الجنائز» ، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.

(قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتِ) على صيغة المجهول (ابْنَتُهُ) هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أُمامة، وأُمامة هي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصَّلاة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وزينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّج بها أبو العاص بن الرَّبيع فولدت له عليًّا وأمامة، وتوفِّيت زينب في سنة ثمانٍ، قاله الواقديُّ.

وقال قتادةُ عن ابن حزم في أوَّل سنة ثمان، وحكاه الطَّبري في «الذيل» ولم يقعْ في رواية البخاريِّ ابنته هذه مسمَّاة.

نعم قد وردت مسمَّاة عند مسلمٍ من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أمِّ عطيَّة رضي الله عنها قالت لمَّا ماتت زينبُ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 6 ص 216

(( اغسلنها ) )فذكر الحديث، وهذا هو المرويُّ الأكثر.

وحكى ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّ البنت المذكورة هي أمُّ كلثوم زوج عثمان رضي الله عنهما ولم يذكر مستنده، وتعقَّبه المنذريُّ بأنَّ أمَّ كلثوم توفِّيت والنَّبي صلى الله عليه وسلم ببدرٍ فلم يشهدها وهو غلطٌ منه فإنَّ التي توفِّيت حينئذٍ رقية.

وعزاه النَّووي تبعًا لعياض إلى بعض أهل السِّير.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهو قصورٌ شديدٌ، فقد أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهَّاب الثَّقفي عن أيُّوب ولفظه دخل علينا ونحن نغسل ابنته أمَّ كلثوم، وهذا الإسناد على شرط الشَّيخين.

ويمكن الجمع بأن تكون أمُّ عطيَّة حضرتهما جميعًا، فقد جزم ابن عبد البرِّ في ترجمتها بأنَّها كانت غاسلة الميتات، والله أعلم.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا) وفي رواية هشام بن حسَّان عن حفصة (( اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا ) )، وكلمة (( أو ) )هنا للتنويع، والنَّص على الثَّلاث أولًا إشارةٌ إلى أنَّ المستحبَّ الإيتار ألا ترى أنَّه نقلهنَّ من الثَّلاث إلى الخمس دون الأربع.

وقال الحافظ العسقلانيُّ «أو» هنا للتَّرتيب لا للتَّخيير، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم ينقل عن أحدٍ أن «أو» يجيء للتَّرتيب.

وقد ذكر النحاة أنَّ (( أو ) )تأتي لاثني عشر معنى، وليس فيها ما يدلُّ على أنَّها تجيء للتَّرتيب.

والظَّاهر أنَّه أخذه من الطِّيبي فإنَّه نقل من المظهر [في] «شرح المصابيح» أنَّ (( أو ) )فيه للتَّرتيب دون التَّخيير، إذ لو حصل النَّقاء بالغسلة الأولى استحبَّ التَّثليث، وكره التَّجاوز عنه فإن حصل بالثَّانية أو بالثالثة استحبَّ التَّخميس وإلَّا فالتسبيع والمنع باقٍ فيه.

وكذا في نقل الطِّيبي عن المظهر نظرٌ إذ هو مخالف للنَّحو.

(أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث؛ أي من الخمس؛ أي سبعًا كما في رواية أيوب عن حفصة (( ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ) ).

وسيأتي في الباب الذي يليه [خ¦1254] وليس في الرِّوايات أكثر من السَّبع إلَّا في رواية أبي داود (( أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّه ) ).

ويستفاد من هذا استحباب الإيتار بالزِّيادة على السبع؛ لأنَّ ذلك أبلغ في التَّنظيف، وكره أحمد مجاوزة السبع، وقال ابن عبد البرِّ لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السَّبع، وساق من طريق قتادة أنَّ ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أمِّ عطيَّة ثلاثًا وإلَّا فخمسًا وإلَّا فسبعًا، قال فرأينا أنَّ الأكثر من ذلك سبع.

وقال الماورديُّ الزِّيادة على السَّبع سرف، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يزاد على الثَّلاث، وقال ابن المنذر بلغني أنَّ جسد الميِّت يسترخي بالماء

ج 6 ص 217

فلا أحبُّ الزِّيادة على ذلك.

(إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) من الرَّأي؛ أي إن أدَّى بكنَّ اجتهادكنَّ إلى أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتَّشهي فإنَّ ذلك يكون من قبيل الإسراف، كما في ماء الطَّهارة.

وقال ابن المنذر إنَّما فوض الرَّأي إليهنَّ بالشَّرط المذكور وهو الإيتار، وحكى ابن التِّين عن بعضهم قال يحتمل قوله «إن رأيتنَّ» أن يرجع إلى الأعداد المذكورة.

ويحتمل أن يكون معناه إن رأيتنَّ أن تفعلنَ ذلك وإلَّا فالإنقاء يكفي؛ أي ولو بواحدٍ ثمَّ الزِّيادة على الثَّلاث مختصَّة بالميت دون الحيِّ، فإنَّه لا يزيد على الثَّلاث، والفرق أنَّ طهارة الحيِّ محضُ تعبُّد، وهنا المقصود هو الإنقاء.

(بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) الباء متعلِّقٌ بقوله «اغسلنها» . قال الطِّيبي ناقلًا عن المظهر قوله (( بماء وسدر ) )لا يقتضي استعمال السِّدر في جميع الغسلات، والمستحبُّ استعمالها في الكرَّة الأولى ليزيل الأقذار، ويمنع من تسارع الفساد.

وقال ابن العربيِّ قوله (( بماء وسدر ) )أصل في جواز التَّطهر بالماء المضاف إذا لم يسلب الإطلاق، وقال ابن التِّين قوله (( بماء وسدرٍ ) )هو السنة في ذلك، والخطميُّ مثله فإنْ عُدِمَ فمما يقوم مقامه كالأشنان والنَّطْرُون.

قيل ولا معنى لطرح ورق السِّدر في الماء كما يفعله العامَّة بل يحكُّ الميت بالسدر ويصبُّ عليه الماء فتحصل طهارته بالماء.

وعن ابن سيرين أنَّه كان يأخذ الغسل عن أمِّ عطيَّة فيغسل بالماء والسدر مرَّتين والثَّالثة بالماء والكافور؟

ومنهم من ذهب إلى أنَّ الغسلات كلها بالماء والسدر وهو قول أحمد ذكره أبو عمر.

(وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ) ويروى (كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) وهو شكٌّ من الرَّاوي والأوَّل محمولٌ على الثَّاني؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الإثبات فيصدق بكلِّ شيءٍ منه ولو قليلًا، وظاهره جعل الكافور في الماء وبه قال البعض.

وقال النَّخعي والكوفيُّون إنَّما يجعل الكافور في الحنوط؛ أي بعد انتهاء الغسل والتَّجفيف.

قيل والحكمة في الكافور مع كونه يطيب مواضع استعماله أنَّ الجسم يتصلَّب به وتنفر الهوام من رائحته، وفيه إكرام الملائكة، ويرتدع في الفتح والقسطلاني وردعُ ما يتحلَّل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه لشدَّة برودته، وهذا هو السِّرُّ في جعله في الأخيرة إذ لو كان في الأُولى مثلًا لأذهبه الماء.

وهل يقوم المسك مع الكافور؟ قال الحافظ العسقلانيُّ إن نظر إلى مجرَّد التَّطيب فنعم وإلَّا فلا.

وقال العينيُّ بل ينظر إن كان يوجد فيه ما ذكر من الأمور في الكافور ينبغي أن يقوم، وإلَّا فلا

ج 6 ص 218

إلا عند الضَّرورة فيقوم غيره مقامه.

(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بمدِّ الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون الأولى المفتوحة وكسر الثانية، أمرٌ لجماعة الإناث؛ أي أعلمنني.

(فَلَمَّا فَرَغْنَا) بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين، وفي رواية بصيغة الماضي الغائب للجمع المؤنث (آذَنَّاهُ) بمدِّ الهمزة وفتح المعجمة وتشديد النون؛ أي أعلمناه.

(فَأَعْطَانَا حقْوَهُ) بفتح المهملة وقد تكسر، وهي لغة هذيل، وسكون القاف، والجمع أَحْق وأَحْقَاء وحِقَاء.

وقال الحافظ العسقلانيُّ والحقو في الأصل معقدُ الإزار؛ أي الخصر، وأطلق على الإزار مجازًا؛ سمِّي به ما يشدُّ على الحقو توسعًا، وفي رواية ابن عون عن محمَّد بن سيرين بلفظ (( فنزعَ من حَقْوه إزاره، والحَقُو في هذا على حقيقته ) ).

وقال العينيُّ هو مشتركٌ بين المعنيين، والدَّليل على ذلك أنَّ الجوهري قال الحقو الإزارُ وثلاثة أحق، ثمَّ قال والحقو أيضًا الخصر، ومشدُّ الإزار، والله أعلم.

(فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاها) أمرٌ من الإشعار، وهو إلباس الثَّوب الذي يلي بشرة الإنسان؛ أي اجعلنَ هذا الإزار شعارها، وسمِّي شعارًا؛ لأنَّه يلي شعر الجسد، والدِّثار ما فوق الشِّعار.

والحكمة فيه والله أعلم التَّبرك بآثاره الشَّريفة وإنَّما أخَّره إلى فراغهنَّ من الغسل ولم يناولهنَّ إيَّاه أولًا ليكون قريب العهد من جسده الشَّريف حتَّى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصلٌ.

قال العينيُّ وهذا هو الأصل في التَّبرك بآثار الصَّالحين، واختلف في صفة إشعارها إيَّاه، فقيل يجعل لها مئزرًا، وقيل تُلفُّ فيه.

وفي هذا الحديث استحباب استعمال السدر والكافور في حقِّ الميت.

وفيه جواز استعمال المسك وكل ما شابهه من الطِّيب، وأجاز المسك أكثر العلماء وأمر علي رضي الله عنه به في حنوطه، وقال هو من فضل حنوط النَّبي صلى الله عليه وسلم، واستعمله أنس وابن عمر رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب، وكرهه عمر وعطاء والحسن ومجاهد، وقال عطاء والحسن إنَّه ميتةٌ، وفي استعمال الشَّارع له في حنوطه حجَّةٌ عليهم، وقد مرَّ أيضًا [خ¦1253] .

وقال أصحابنا المسك حلالٌ للرِّجال والنِّساء.

وفيه أيضًا ما يدلُّ على أنَّ النِّساء أحقُّ بغسل المرأة من الزَّوج، وبه قال الحسن والثَّوري والشَّعبي وأبو حنيفة، والجمهور على خلافه وهو قول الثَّلاثة والأوزاعي وإسحاق.

وفي

ج 6 ص 219

«التَّوضيح» وقد وصَّت فاطمة رضي الله عنها زوجها عليًّا رضي الله عنه بذلك، وكان بحضرة الصَّحابة ولم ينكر أحدٌ فصار إجماعًا.

وقال العينيُّ فيه نظرٌ لأنَّ صاحب «المبسوط» و «المحيط» و «البدائع» وآخرون قالوا إنَّ ابن مسعود رضي الله عنه سُئل في ذلك فقال إنَّها زوجته في الدُّنيا والآخرة، وعني بذلك أنَّ الزَّوجية باقيةٌ بينهما لم تنقطع بالموت، قالوا وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لو بقيت الزَّوجية بينهما لمَّا تزوَّج أُمامة بنت زينب بعد موت فاطمة رضي الله عنها، وقد مات عن أربع حرائر، ووصَّت فاطمة عليًّا رضي الله عنهما بغسلها.

رواه البيهقيُّ وابن الجوزيِّ، وفي إسناده عبد الله بن نافعٍ، قال يحيى ليس بشيءٍ، وقال النَّسائي متروكٌ.

وأمَّا المرأة إذا غسلت زوجها وهي معتدةٌ فهو جائزٌ في العدَّة.

وفيه أيضًا جواز تكفين المرأة في ثوب الرَّجل.

تتمة قوله (( اغسلنها ) )قال ابن بَزِيزة استدلَّ به على وجوب غسل الميت وهو يبتني على أنَّ قوله فيما بعد (( إن رأيتنَّ ذلك ) )هل يرجع إلى الغسل أو إلى العدد، والثَّاني أرجحُ فثبتَ المدَّعى.

قال ابن دقيق العيد لكنَّ قوله «ثلاثًا» ، ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء ويتوقَّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحدٍ؛ لأنَّ قوله ثلاثًا، غير مستقلٍّ بنفسه فلا بدَّ أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنِّسبة إلى أصل الغسل، والنَّدب بالنِّسبة إلى الإيتار، انتهى.

وقواعد الشَّافعية لا تأبى عن ذلك لكن قواعد الحنفية لا تساعده، ومن ثمَّة ذهب الكوفيُّون وأهل الظَّاهر والمزني إلى إيجاب الثَّلاث، وقالوا إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه ولا يعاد غسل الميت.

وجاء عن الحسن مثله أخرجه عبد الرَّزاق عن هشام بن حسَّان عن ابن سيرين قال يغسل ثلاثًا فإن خرج منه شيءٌ بعد فخمسًا، فإن خرج منه شيءٌ غسل سبعًا، قال هشام وقال الحسن يغسل ثلاثًا فإن خرج منه شيءٌ غسل ما خرج ولم يزد على الثَّلاث.

وقيل وجه الثَّلاث بعدما حصل النَّقاء بالغسلة الواحدة المبالغة فيه ليلقى الله تعالى بأكمل الطَّهارات وجعل الكافور فيه ليكون طيب الرَّائحة عند اللقاء، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة لمن ليس عليه نجاسة

ج 6 ص 220

زيادةٍ في التَّطهر لمناجاة ربِّه، فالميت أحوج إلى ذلك للقاء الله والملائكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت