1265 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسي المعروف بعارم (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ) وفي رواية الأَصيلي (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم) ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ.
وقد أخرج متنه المؤلف في «الحج» أيضًا [خ¦1839] وكذا مسلم وأبو داود والنسائي فيه أيضًا.
(قَالَ بَيْنَمَا) بالميم أصله «بين» فزيدت فيه الألف والميم وهو من الظُّروف الزمانية يضاف إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، وجوابه هنا قوله الآتي «إذا وقع .. إلى آخره» .
(رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسميته وهو مبتدأ خبره قوله (وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) للحجِّ عند الصَّخرات موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه ابن حزم.
وليس المراد خصوص الوقوف المقابل للقعود؛ لأنَّه كان راكبًا على ناقته، ففيه إطلاق لفظ الواقف على الرَّاكب.
(إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ) ناقته التي صلحت للرَّحل (فَوَقَصَتْهُ _ أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ _) شكٌّ من الرَّاوي والأول من الوقص وهو كسر العنق، وهو المعروف عند أهل اللغة، والثَّاني من الإيقاص وهو شاذٌّ.
وفي «فصيح ثعلب» وَقَصَ الرَّجل، إذا سقط عن دابَّته فاندقت عنقه فهو موقوصٌ.
وعن الكسائيِّ وقصت عنقه وقصًا، ولا يقال وقصت العنق نفسها، والضَّمير المرفوع في وقصته للرَّاحلة والمنصوب للرَّجل، وقال الخطَّابي معناه أنَّها صرعته فكسرت عنقه.
(قَالَ) وفي رواية (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) وسيأتي إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» بلفظ «في ثوبيه» [خ¦1851] .
وفي رواية النسائي من طريق يونس بن نافع، عن عَمرو بن دينار في ثوبيه اللَّذين أحرم فيهما فلا دَلالة في الحديث على إبدال ثياب المحرم كما ظنَّ.
وقال المحب الطَّبري ولم يزد ثالثًا إكرامًا له كما في الشُّهداء حيث قال زمِّلوهم بدمائهم، وقال النَّووي في «المجموع» لأنَّه لم يكن [له] مال غيرهما.
(وَلاَ تُحَنِّطُوهُ) بالحاء المهملة وتشديد النون المكسورة؛ أي لا تجعلوا في شيءٍ من غسلاته أو في كفنه حنوطًا (وَلاَ تُخَمِّرُوا) بالخاء المعجمة؛ أي ولا تغطُّوا (رَأْسَهُ) بل أبقوا له أثر إحرامه من منع ستر رأسه إن كان رجلًا ووجهه وكفيه إن كانت امرأة، وفي أفراد مسلم «ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه» .
وقال البيهقيُّ وذكر الوجه هو من بعض رواته، والصَّحيح هو القصر على الرَّأس.
(فَإِنَّهُ) أي فإن هذا الرَّجل (يُبْعَثُ) على البناء للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حال كونه (مُلَبِّيًا) والمعنى أنَّه
ج 6 ص 233
يحشر يوم القيامة على هيئته التي مات عليها ليكون ذلك علامة لحجه، كالشَّهيد يأتي وأوداجه تشخب دمًا، أو المعنى أنَّه يحشر حال كونه قائلًا لبيك اللَّهمَّ لبيك.
وفي «التوضيح» لابن الملقن وفي رواية (( ملبدًا ) )؛ أي حال كونه ملبدًا شعره يصمغ ونحوه، واحتجَّ بهذا الحديث الشَّافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظَّاهر في أنَّ المُحرِم يبقى على إحرامه بعد الموت، ولهذا يَحْرُمُ ستر رأسه وتطييبه، وهو قول عثمان وعليٍّ وابن عباس رضي الله عنهم وكذا قول عطاء والثَّوري.
وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعيُّ إلى أنَّه يصنع به ما يصنع بالحلال، وهو مرويٌّ عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم وكذا عن طاوس؛ لأنَّها عبادة شرعت للحيِّ فبطلت بالموت كالصَّلاة والصِّيام، وقال صلى الله عليه وسلم (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاثٍ ) )وإحرامه من عمله، ولأنَّ الإحرام لو بقي لطيفَ به وكَمَلَتْ مناسكه.
وأُجيب بأنَّ ذلك ورد على خلاف الأصل فيُقتَصر به على مورد النَّص ولاسيَّما قد وضَّح أنَّ الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشُّهداء، ورُدَّ ذلك بأنَّه لا نسلِّم أنَّه ورد على خلاف الأصل كيف وقد أمر بغسله بالماء والسِّدر وهو الأصل في الموتى.
وأمَّا قوله (( ولا تحنِّطوه ... إلى آخره ) )فهو مخصوصٌ به، وفي قوله والحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشُّهداء ردٌّ عليه، وبيان ذلك أنَّ استبقاء دم الشَّهيد مخصوصٌ به فكذلك استبقاء شعار الإحرام مخصوصٌ بالموقوص.
وأجابوا عن الحديث بأنَّه ليس عامًّا بلفظه؛ لأنَّه في شخصٍ معينٍ، ولأنَّه لم يقل يُبعث يوم القيامة ملبيًا؛ لأنَّه محرم، فلا يتعدَّى حكمه إلى غيره إلَّا بدليلٍ، وقال اغسلوه بسدرٍ، والمحرم لا يجوز غسله بسدرٍ.
وذكر الطَّرطوشي في كتاب (( الحجِّ ) )أنَّ أبا الشَّعثاء جابر بن زيد روى عن عطاء أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( خمِّروا وجوههم ولا تشبَّهوا باليهود ) ).
ورواه الدَّارقطني بإسنادهِ عن عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما يرفعه، وحكم ابن القطَّان بصحَّته ولفظه (( خمِّروا وجوهَ موتاكم ) ).
وفي «الموطأ» أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لمَّا مات ابنه واقد وهو محرمٌ كفَّنه وخمَّر وجهه ورأسه وقال لولا أنَّا محرمُون لحنَّطناك يا واقد.
وفي «المصنف» بأسانيد جياد عن عطاء قال _ وقد سئل عن المحرم يُغطَّى رأسه إذا مات _ غطَّى ابن عمر وكشف غيره.
وقال طاووس يُغيَّبُ رأس المحرم إذا مات، وقال الحسن
ج 6 ص 234
إذا مات المحرم فهو حلالٌ، ومن حديث مجالد عن عامر إذا مات المحرم ذهب إحرامه، ومن حديث إبراهيم عن عائشة إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم، وقاله عكرمة بسندٍ جيد.
وحكى ابن حزم أنَّه صحَّ عن عائشة رضي الله عنها تحنيطُ الميت المُحْرِم إذا مات وتطييبه وتخمير رأسه، وعن جابر عن أبي جعفر قال المُحرِم يغطَّى رأسه ولا يكشف.
قال ابن بطَّال وفي الحديث أنَّ من شرع في طاعة ثمَّ حال بينه وبين إتمامها الموت يرجى له أنَّ الله تعالى يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، ويقبله منه إذا صحَّت النِّيَّة، ويشهد له قوله تعالى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء 100] .