1274 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ) أبو محمَّد الأزرقي، ويقال الزرقي صاحب «تاريخ مكة» وقد مرَّ في باب «لا يستنجي بالحجارة» [خ¦155] (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد مرَّ في باب «تفاضل أهل الإيمان» [خ¦23] (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) كان قاضي المدينة مات سنة خمس وعشرين ومائة.
(عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن (قَالَ أُتِيَ) على صيغة البناء للمفعول (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) أحد العشرة المبشَّرة أسلم قديمًا على يد الصِّدِّيق رضي الله عنه، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد وثبت يوم أحد، وجرح عشرين جراحة وأكثر، وصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه يوم تبوكٍ مات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع رضي الله عنه.
(يَوْمًا بِطَعَامِهِ) بالضَّمير الرَّاجع إليه (فَقَالَ قُتِلَ) على البناء للمفعول (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، وعُمير _ بضم المهملة _ مصغر عمرو القرشيُّ العبدريُّ كان من أجلَّة الصَّحابة رضي الله عنهم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدِّين، وهو أوَّل من جمَّع الجمعة
ج 6 ص 247
بالمدينة قبل الهجرة، وكان في الجاهليَّة من أنعم النَّاس عيشًا وألينهم لباسًا وأحسنهم جمالًا، فلمَّا أسلم زهد في الدُّنيا وتقشَّف وتخشَّن، وفيه نزل {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 23] قتل يوم أُحدٍ شهيدًا رضي الله عنه [1] .
قال عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (وَكَانَ) أي مصعب رضي الله عنه (خَيْرًا مِنِّي) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه كما قال صلى الله عليه وسلم (( لا تفضلوني على يونس بن متى ) )وإلَّا فعبد الرَّحمن رضي الله عنه من العشرة المبشرة.
(فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ بِهِ إِلَّا بُرْدَة) بلفظ واحد البُرود، وهو رواية الكُشميهني وفي رواية غيره بالضَّمير العائد إليه، والبُردة _ بضم الموحدة _ النمرة كالمئزر يتَّزر به، وربَّما كان لأحدهم بردتان يئتزر بإحداهما ويرتدي بالأخرى، وربَّما كانت كبيرةً، وقيل كلُّ شملةٍ مخططة من مآزر العرب.
وقال القعنبيُّ هي بردة تلبسها الإماء، وقال ثعلب هي ثوبٌ مخطَّط تلبسه العجوز، وقيل كساءٌ ملون. وقال الفرَّاء هي دراعةٌ تلبس أو تجعل على الرَّأس فيها لونان سواد وبياض، وهذا هو موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه لم يوجد له ما يملكه إلَّا البردة المذكورة.
وسيأتي في حديث خَبّاب بلفظ ولم يترك إلَّا نمرة وكفَّنه فيها صلى الله عليه وسلم [خ¦3914] ، ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصية ولا إلى وارثٍ، فعلم أنَّ التَّكفين مقدَّمٌ، وأنَّه من جميع المال.
(وَقُتِلَ حَمْزَةُ) أي ابن عبد المطلب عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرَّضاعة يقال له أسد الله، وحين أسلم اعتزَّ الإسلام بإسلامه استشهد يوم أُحدٍ وهو سيِّد الشُّهداء وفضائله كثيرة جدًّا.
(أَوْ رَجُلٌ آخَرُ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه، ولم يقع في أكثر الرِّوايات إلَّا ذكر مصعب وحمزة رضي الله عنهما، وكذا أخرجه أبو نُعيم من «مستخرجه» من طريق منصور بن أبي مزاحم عن إبراهيم بن سعد.
(خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ) وفي رواية الكُشميهني هنا بالضمير، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا) يعني أصبنا ما كُتبِ لنا من الطَّيِّبات في دنيانا فلم يبق لنا بعد استيفاء حظِّنا شيءٌ منها.
(ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرَّحمن رضي الله عنه (يَبْكِي) خوفًا من تأخُّر اللَّحاق بالأخيار الأبرار.
وعن عمر رضي الله عنه لو شئت لدعوت بصلائق وصِناب وكراكر وأسنمة [2] ولكنِّي رأيتُ الله نعى على قوم طيباتهم، فقال {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف 20] .
وعنه لو شئت لكنت أطيبكم طعامًا وأحسنكم لباسًا ولكنِّي أستبقي طيباتي.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه دخل على أهل الصفَّة وهم يرقعون ثيابهم بالآدم ما يجدون لها رقاعًا فقال (( أأنتم اليوم خيرٌ أم يوم يغدو أحدكم في حلَّة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنةٍ ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة ) )قالوا نحن يومئذٍ خير قال (( بل أنتم اليوم خير ) ).
والمراد هو الاستمتاع والتَّنعم الذي يشغل الالتذاذ به عن الدِّين وتكاليفه حتَّى يعكف همَّته على استيفاء اللَّذات أمَّا من تمتَّع بنعم الله ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده ليقووا بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل،
ج 6 ص 248
وكان ناهضًا بالشُّكر فهو عن ذلك بمعزلٍ.
وإنَّما كان خوف عبد الرَّحمن وبكاؤه رضي الله عنه، وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة كما كان عليه الصَّحابة رضي الله عنهم من الإشفاق والخوف من التَّأخر عن اللحاق بالدَّرجات العلا وطول الحساب.
وفي الحديث ما ترجم به المؤلِّف من أنَّ الكفن من جميع المال، كما سبق وهو قول الجمهور، واختلف فيما إذا كان عليه دينٌ مستغرقٌ هل يكون كفنه ساترًا لجميع بدنه أو للعورة فقط؟ والمرجَّح هو الأول.
ونقل ابن عبد البرِّ الإجماع على أنَّه لا يجزئ ثوب واحد يصف ما تحته من البدن.
وفي الحديث ما يدلُّ على جواز التَّكفين في ثوبٍ واحدٍ عند عدم غيره، والأصل ستر العورة.
قال المهلب وابن بطَّال وإنَّما استحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة ومصعب رضي الله عنهما التَّكفين في الثَّوب الذي ليس بسابغٍ؛ لأنَّهما فيهما قُتلا، وفيهما يُبعثان إن شاء الله تعالى، وفي هذا الجزم نظرٌ بل الظَّاهر أنَّه لم يجد له غيرهما كما هو مقتضى التَّرجمة.
وفيه أنَّ العالم ينبغي له أن يذكر سيرة الصَّالحين وتقللهم من الدُّنيا ليقلَّ رغبته فيها، ويبكي خوفًا من تأخُّر لحاقه بالأخبار، ويشفق من ذلك.
وفيه أنَّه ينبغي للمرء أن يتذكَّر نعم الله عنده، ويعترف بالتَّقصير عن أداء شكرها، ويتخوَّف أن يقاصَّ بها في الآخرة ويذهب تنعُّمه فيها.
ورجال إسناد الحديث الثَّلاثة مدنيُّون، وشيخ المؤلف مكِّيٌّ ومن إفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في «المغازي» أيضًا [خ¦4045] .
[1] في هامش الأصل من هؤلاء الرجال عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد وحمزة ومصعب وغيرهم {فمنهم من قضى نحبه} يعني حمزة ومصعبًا {ومنهم من ينتظر} يعني عثمان وطلحة، وفي الحديث (( من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة ) )وقتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وله أربع وستون سنة وقضاء النحب عبارة عن الموت؛ لأن كلَّ حيٍّ لا بد له من أن يموتَ فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه؛ أي نذره. منه.
[2] في هامش الأصل الصَّلائق الخبز الرِّقاق، والصِّباب طعام يُتخذ من الخردل والزبيب، والكراكر الصيور [هكذا في الأصل] ، والأسنمة جمع سنام. منه.