فهرس الكتاب

الصفحة 2021 من 11127

1277 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبد العزيز بن أبي حازم _ بالمهملة والزاي _ وقد تقدَّم في باب «نوم الرَّجل في المسجد» [خ¦441] (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بن دينار الأعرج القاضي من عبَّاد أهل المدينة وزهَّادهم.

(عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديُّ رضي الله عنه (أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمها (جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ) وهي كساءٌ كانت العرب تلتحف به فيه خطوطٍ، ويجمع على بُرَدٍ كغرفة وغرف، وقال ابن قُرْقول هي النَّمرة.

(مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا) مرفوع بقوله (( منسوجة ) )واسم المفعول يعملُ عمل فعله كاسم الفاعل، هكذا قال الشُّرَّاح وأراه أنَّه مرفوعٌ على أنَّه مبتدأ مؤخَّر؛ لقوله (( فيها ) )أو فاعل له لاعتماده على الموصوف، فافهم.

قال الدَّاودي يعني أنَّها لم تقطع من ثوبٍ فيكون بلا حاشية، وقيل حاشية الثَّوب هدبه فكأنَّه أراد أنَّها جديدة لم يقطعْ هدبها ولم تُلبَس بعد.

وقال القزَّاز حاشيتا الثَّوب ناحيتاه اللَّتان في طرفيهما الهدب، وقال الجوهريُّ الحاشية واحدة حواشي الثَّوب، وهي جوانبه.

(تَدْرُونَ) وفي رواية بهمزة الاستفهام وهو مقول سهل رضي الله عنه بيَّنه أبو غسان عن أبي حازمٍ، كما أخرجه البخاريُّ في «الأدب» [خ¦6036] ولفظه (( فقال سهل للقوم أتدرون ) ).

(مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا الشَّمْلَةُ، قَالَ) سهلٌ رضي الله عنه (نَعَمْ) هي الشَّملة، وفي تفسير البردة بالشملة تجوُّز؛ لأنَّ البردة كساء، والشَّملة ما يشتمل به، وهي أعمُّ لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.

وقوله (( تدرون ) )إلى قوله (( نعم ) )جملٌ معترضةٌ في كلام المرأة المذكورة.

(قَالَتْ) أي المرأة المذكورة للنَّبي صلى الله عليه وسلم (نَسَجْتُهَا) أي البردة (بِيَدِي)

ج 6 ص 254

حقيقةً أو مجازًا (فَجِئْتُ لأَكْسُوَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) أي إلى تلك البردة، ويروى بالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي هو محتاج إليها، وإن شئت تقول وهو محتاجٌ إليها إذ الجملة الاسمية إذا وقعت حالًا، وكانت مشتملةً على الضَّمير العائد إلى ذي الحال جاز فيه الأمران الواو وتركها، وكأنَّهم عرفوا كونه محتاجًا إليها بقرينة حالية دلَّت على ذلك أو بتقدم قول صريحٍ كذلك.

(فَخَرَجَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) يعني متَّزرًا بها، وفي رواية الطَّبراني عن هشام بن سعد عن أبي حازمٍ (( فاتزر بها ثمَّ خرج ) )، وفي رواية ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عبد العزيز (( فخرج إلينا فيها ) ).

(فَحَسَّنَهَا) أي نسبها إلى الحُسْنِ، وهو فعلٌ ماض من التَّحسين في الرِّوايات كلها هنا.

وفي روايةٍ للبخاريِّ في «اللباس» [خ¦5810] من طريق يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازم (( فجسَّها ) )بالجيم وتشديد السين بغير نون، وكذا وقع في رواية الطَّبراني من طريق أخرى عن أبي حازم، وكذا للإسماعيليِّ.

(فُلاَنٌ) قال المحبُّ الطَّبري هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه، كما في الطَّبراني.

لكن قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أره في «المعجم الكبير» لا في مسند سهل، ولا عبد الرَّحمن. ونقله ابنُ الملقِّن عن المحبِّ في «شرح العمدة» ، وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي أنَّه وقف عليه لكن لم يستحضر مكانه، انتهى.

وأخرج الطَّبراني الحديث المذكور عن أحمد بن عبد الرَّحمن بن بشار، عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازم وقال في آخره قال قتيبة هو سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، وقد أخرج البخاريُّ في «اللباس» [خ¦5810] والنسائي في الزِّينة عن قتيبة، ولم يذكرا ذلك عنه.

وفي رواية ابن ماجه «فجاء فلانٌ رجلٌ سمَّاه يومئذ» ، وهذا يدلُّ على أنَّ الرَّاوي سمَّاه ونسيه، وفي رواية أخرى للطَّبراني أنَّ السَّائل المذكور أعرابي، ولكن في سنده زمعة بن صالح وهو ضعيفٌ، ويمكن أن يقال بتعدد القصَّة لكنه بعيدٌ، والله أعلم.

(فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا) بفتح النون، على التَّعجب، وفي رواية ابن ماجه (( ما أحسن هذه البردة اكسُنيها، قال نعم، فلمَّا دخل طواها وأرسل بها إليه ) ).

وللمؤلِّف في «اللباس» [خ¦5810]

ج 6 ص 255

من طريق يعقوب بن عبد الرَّحمن بلفظ (( فقال نعم فجلس ما شاء الله في المجلس، ثمَّ رجع فطواها ثمَّ أرسل بها إليه ) ).

(قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ) كلمة «ما» هنا نافية (لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وفي نسخة وقد سبق وجهه، وفي رواية ابن ماجه (( والله ما أحسنت، كُسِيَها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها ) ) (ثُمَّ سَأَلْتَهُ) إيَّاها (وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ) سائلًا، وكذا وقع في رواية ابن ماجه بتصريح، وفي رواية أبي غسَّان في «الأدب» (( لا يسأل شيئًا فيمنعه ) ) [خ¦6036] ؛ أي يُعطي كلَّ من يطلب ما يطلبه، وقد وقعت تسمية المعاتب له من الصَّحابة من طريق هشام بن سعدٍ عند الطَّبراني ولفظه (( قال سهل فقلت للرَّجل لم سألته وقد رأيته حاجته [1] إليها، فقال رأيتُ ما رأيتُم ولكنِّي أردتُ أن أُخَبِّأها حتَّى أكفن فيها ) ).

(قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (لأَلْبَسَها) أي لأجل أن ألبسها (إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي) ، وفي رواية أبي غسَّان (( فقال رجوت بركتها حين لبسها النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ) [خ¦6036] .

وفي رواية للطَّبراني عن زمعة بن صالحٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن يفرغَ.

(قَالَ سَهْلٌ) رضي الله عنه (فَكَانَتْ كَفَنَهُ) .

وفي الحديث جواز التَّبرُّك بآثار الصَّالحين.

وجواز إعداد الشَّيء قبل وقت الحاجة إليه من كفنٍ ونحوه في حال الحياة؛ لأنَّ أفضل ما ينظر فيه الرَّجل في وقت المهل وفسحة الأجل الاعتداد للمعاد، قال صلى الله عليه وسلم (( أفضلُ المؤمنين إيمانًا أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنُهم له استعدادًا ) ).

وقال بعضُهم لا يستحبُّ للإنسان أن يعدَّ لنفسه كفنًا لئلَّا يحاسب عليه، لكن ذلك ليس مختصًّا بالكفن بل سائر أمواله كذلك، لكن الحقَّ أنَّه مندوبٌ وحسن إذا كان من جهة يُقطع بحلِّها أو من أثر أهل الخير والصَّلاح إلَّا أنَّه لا يجب تكفينه فيه. كما اقتضاهُ كلام القاضي أبي الطيب وغيره بل للوارث إبداله؛ لأنَّه ينتقل إلى الوارث فلا يجب عليه ذلك.

وهل يلحق بذلك حفر القبر في حياته، فقال ابن بطَّال قد حفر جماعةٌ من الصَّالحين قبورَهم قبل الموت بأيديهم ليتوقَّعوا حلول الموت بهم.

وردَّ عليه الزَّين ابن المُنيِّر بأنَّه لم يقع من أحد الصَّحابة رضي الله عنهم ولو كان مستحبًّا لكثر فيهم، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يلزم من عدم وقوعه من الصَّحابة عدم جوازه؛ لأنَّ ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ولاسيما وقد فعله قومٌ من الصُّلحاء الأخيار.

وفي الحديث أيضًا حسن خلق النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 6 ص 256

وسعة جوده وقبولهِ الهدية.

قال المهلَّب وفيه جواز ترك مكافأةِ الفقير على هديته. وفيه نظرٌ، فإنَّ المكافأة كانت عادة للنَّبي صلى الله عليه وسلم مستمرَّة فلا يلزم من السُّكوت عنها هنا أن لا يكون فعلها على أنَّه ليس في سياق الحديث الجزم بكون ذلك هدية لاحتمال عرضها إيَّاه لأجل الشِّراء، ولئن سلَّمنا أنَّها كانت هديَّة فلا يلزم أن يكون المكافأة على الفور.

قال وفيه جواز الاعتماد على القرائن لو تجرَّدت لقولهم «فأخذها محتاجًا إليها» .

وفيه نظرٌ أيضًا، لاحتمال سبق القول منه بذلك كما تقدَّم.

قال أيضًا وفيه التَّرغيب في المصنوع بالنِّسبة إلى صانعه إذا كان باهرًا. وفيه نظرٌ أيضًا، لاحتمال أنَّها أرادت بنسبتها إليها إزالة ما يخشى من التَّدليس.

هذا وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه من الملابس وغيرها إمَّا ليعرف صاحبه قدرها أو ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك.

وفيه مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرًا وإن لم يبلغ المنكر درجة التَّحريم.

وفيه قبول السُّلطان الهدية من الفقير، وفيه جواز السُّؤال من السُّلطان، وفيه ما كان النَّبي صلى الله عليه وسلم من أنَّه لا يردُّ سائلًا، بل يعطي ما يُطلَبه وإن كان محتاجًا إليه فيدخل بذلك في جملة المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة صلى الله عليه وسلم.

ورجال إسناد الحديث مدنيُّون إلَّا أنَّ عبد الله بن مسلمة سكن البصرة، وقد أخرج متنه ابن ماجه في «اللِّباس» .

[1] من قوله (( من طريق هشام ... إلى قوله رأيت حاجته ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت