فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 11127

115 - (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بالمهملتين المفتوحتين وبالقاف، هو ابن الفضل المروزي أبو الفضل، انفرد بالإخراج عنه البخاري رحمه الله عن الستة، وكان حافظًا إمامًا، مات سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين.

(قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) أي سفيان (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، هو ابن راشد، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ هِنْدٍ) هي بنت الحارث الفِراسية _ بكسر الفاء وبالسين المهملة _ وقيل القرشية، وعند الداودي (( الفارسية ) )ولا وجه له، كانت زوجة لمعبد بن المقداد، وفي «التهذيب» أسقط معبدًا، وهو وهم، روى له الجماعة إلا مسلمًا، وفي رواية الكشميهني بدل «عن هند» فيكون الزهري ربما كان سماها، وربما كان أبهمها.

(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح المهملة واللام، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين رضي الله عنها، واسمها رملة، وقيل هند بنت أمية، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله عمرو بن مخزوم، كانت عند أبي سلمة فتوفي عنها، وكانت من أجمل الناس، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في شوال، سنة أربع، هاجرت إلى الحبشة، وإلى المدينة مع أبي سلمة، فولدت له في الحبشة زينب، ثم ولدت بعده سلمة وعمر، ودرة، وتوفيت سنة تسع وخمسين، وقيل في خلافة يزيد بن معاوية، وكان لها حين توفيت أربع وثمانون سنة، وكانت آخر أمهات المؤمنين وفاة، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه في الأصح، واتفقوا على أنها دفنت بالبقيع. روي لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثمانية وسبعون حديثًا اتفقا منها على ثلاثة عشر حديثًا، وروى لها الجماعة.

(وَعَمْرٍو) بالجر عطفًا على «معمر» يعني أن ابن عيينة يروي عن معمر بن راشد وعن عمرو، أو بالرفع كأنه قال أخبرنا ابن عيينة عن معمر، وقال حدثنا عمرو، وقد جرت عادته بحذف صيغة الأداء. وقد روى الحميدي هذا الحديث في «مسنده» عن ابن عيينة حدثنا معمر، عن الزهري، قال وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري [1] فصرح بالتحديث عن الثلاثة، وعمرو هذا هو ابن دينار المكي الجمحي السابق ذكره في الباب السابق [خ¦113] .

(وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري لا القطان، وأخطأ من قال هو القطان؛ لأنه لم يسمع من الزهري ولا لقيه، وهو عطف على «عمرو» بالوجهين، (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ) وفي رواية بدل «عن هند» في الإسناد الثاني أيضًا،

ج 1 ص 669

ولا ضير في ذلك الإبهام، إذ الرواية الأخرى معِّرفة، ومعينة لها، وكلا الإسنادين متصلان، لا أن الثاني تعليق من البخاري رحمه الله تعالى، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ؛ رضي الله عنها.

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض في نسق، ومنها أن فيه رواية صحابية عن صحابية على قول من قال إن هندًا صحابية، ومنها أن فيه رواية الأقران في موضعين أحدهما ابن عيينة عن معمر، والثاني عمرو ويحيى عن الزهري، وقد أخرج متنه المؤلف في «الصلاة» [خ¦1126] ، وفي «اللباس» [خ¦5844] ، وفي «علامات النبوة» [خ¦3599] ، وفي موضعين [2] من «كتاب الأدب» [خ¦6218] ، وفي «الفتن» [خ¦7069] ، وأخرجه الترمذي في «الفتن» ، وقال صحيح، ومالك مرسلًا.

(قَالَتِ) أي إنها قالت (اسْتَيْقَظَ) بمعنى تيقظ، وليس السين فيه للطلب؛ أي تنبه من النوم (النَّبِيُّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي في ليلة، ولفظة «ذات» مقحمة زيدت للتأكيد.

وقال الزمخشري (هو من باب إضافة المسمى إلى اسمه) ، وقال الجوهري(أما قولهم ذات مرة وذو صباح فهو من ظروف الزمان التي لا تتمكن، تقول لقيته ذات يوم وذات ليلة، قيل إنما لم يتصرَّف ذات مرة، وذات يوم، وذو صباح، وذو مساء؛ لأمرين، أحدهما أن إضافتها من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم؛ لأن قولك لقيته ذات مرة وذات يوم بمعنى لقيته قطعة من الزمان ذات مرة وذات يوم [3] ؛ أي صاحبة هذا الاسم، وكذا ذو صباح وذو مساء؛ أي وقت ذو صباح؛ أي صاحب هذا الاسم، فحذفت الظروف، وأقيمت صفاتها مقامها فأعربت بإعرابها، وإضافة المسمى للاسم قليلة؛ لأنها تفيد بدون المضاف ما تفيده معه.

والثاني أن «ذات» و «ذو» مِن ذات مرة، وأخواتهما ليس لهما تمكُّن في الظرفية الزمانية؛ لأنهما ليسا من أسماء الزمان، هذا وكان صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة في بيت أم سلمة رضي الله عنها؛ لأنها كانت ليلتها) .

(فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ) «سبحان» عَلَمٌ التسبيح كعثمان علم الرجل، وانتصابه على المصدرية، وهو في اللغة التنزيه، والمعنى أنزه الله تنزيهًا عما لا يليق به، واستعماله هنا للتعجب؛ لأن العرب قد تستعمله في مقام التعجب، (مَاذَا) فيه ستة أوجه

الأول أن «ما» استفهام و «ذا» إشارة نحو ماذا الوقوف.

الثاني أن «ما» استفهام و «ذا» موصولة بمعنى الذي.

الثالث أن «ماذا» كله على التركيب استفهام كقولك لماذا جئت؟

ج 1 ص 670

الرابع أن تكون «ما» نكرة موصوفة بمعنى شيء.

الخامس أن تكون «ما» زائدة و «ذا» للإشارة.

السادس أن تكون «ما» استفهامًا و «ذا» زائدة، أجازه جماعة منهم ابن مالك.

(أُنْزِلَ) على صيغة المجهول من الإنزال، وفي رواية (اللَّيْلَةَ) نصب على الظرف (مِنَ الْفِتَنِ) عبر عن العذاب بالفتن؛ لأنها أسباب مؤدية إلى العذاب، والإنزال في اللغة إما بمعنى الإيواء كما يقال أُنْزِل الجيش بالبلد، وأُنزل الأمير بالقصر، وإما بمعنى تحريك الشيء من علو إلى سفل كقوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [المؤمنون 18] ، وهذان المعنيان لا يتحققان فيما نحن فيه فهو مستعمل في معنى مجازي، والمعنى أعلَمَ الله الملائكة بالأمر المقدور، وكذلك المعنى في (أنزل الله القرآن) فمن قال إن القرآن معنى قائم بذات الله تعالى، فإنزاله أن يوجد الكلمات، والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال القرآن ألفاظ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ؛ لأن الإنزال إنما يكون بعد الوجود.

والمراد بإنزال الكتب السماوية أن يتلقاها الملك من الله تلقيًا روحانيًا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ، وينزل بها فيلقيها على الأنبياء عليهم السلام، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم أُوحي إليه في نومه ذاك بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال.

(وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ) وعبر عن الرحمة بالخزائن لقوله تعالى {خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء 100] ، أو المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في تلك الليلة منامًا، وفيه أنه سيقع بعده فتن، وتفتح لأمته الخزائن، وعرف عند الاستيقاظ حقيَّته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة بعد النوم أو قبله فأخبره فهو من المعجزات فقد وقع الفتن المشهورة وفتحت الخزائن [4] ، حيث تسلطت الصحابة رضي الله عنهم على فارس والروم وغيرهما، فوقع ما أخبر به كما أخبر.

(أَيْقِظُوا) بفتح الهمزة من الإيقاظ؛ أي نبهوا (صَوَاحِب) وفي رواية وهي جمع صواحب جمع صاحبة (الْحُجَرِ) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع حجرة، والمراد منازل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما خصهنَّ بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات حينئذ، أو هو من باب ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.

(فَرُبَّ) هو للتعليل في الأصل، ويستعمل للتكثير كثيرًا كما في هذا الحديث (كَاسِيَةٍ) أي مكسوة كما في الحطيئة

.... ... ... ... .... .. ~واقعُدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسِي

وكقوله تعالى {مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق 6] ،

ج 1 ص 671

وقوله تعالى {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة 7] ؛ لأنه يقال كُسِيَ العريان، ولا يقال كسا.

(عَارِيَةٍ) بتخفيف الياء وهي مجرورة على النعت في أكثر الروايات، وقال السهيلي وهو الأحسن عند سيبويه؛ لأن «رب» عنده حرف جر يلزمه صدر الكلام، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ؛ أي هي عاريةٌ، والجملة في موضع النعت وفعلها التي تتعلق هي به يجب أن يكون ماضيًا، ويحذف غالبًا، تقديره هنا رب كاسية عارية عرفتها.

والمختار عند الكسائي أن يكون «رب» اسمًا مبتدأ، والمرفوع خبرها، والمراد إما أن اللاتي يلبسن رقيق الثياب التي لا تمنع من إدراك البشرة معاقبات في الآخرة بفضيحة التعري، وإما أن اللابسات للثياب الرفيعة النفيسة عاريات من الحسنات في الآخرة، فندبهن على الصدقة وحضهن على ترك السرف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل الكفاية، ويتصدقن بما سوى ذلك.

قال محمود العيني (وهذه البلوى عامة في هذا الزمان لا سيما في نساء مصر، فإن واحدة منهن تتغالى في ثمن قميص إما من عندها، أو بتكليفها زوجها حتى تفصل قميصًا بأكمام هائلة، وذيل سابلة جدًا، منجرَّة وراءها أكثر من ذراعين، وكل كُمٍّ من كمها يصلح أن يكون قميصًا معتدلًا، ومع هذا إذا مشت يرى منها أكثر بدنها من نقش كُمِّها، فلا شك أنهن ممن يدخلن في هذا الحديث، وهو من جملة معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بذلك قبل وقوعه؛ لما علم بإطلاع الله تعالى إياه أن مثل هذا سيقع في أمته من فتح الخزائن، وكثرة الأموال المؤدية إلى مثل هذه الجريمة وغيرها، ولما علم ذلك حذَّر أزواجه رضي الله عنهن عن مباشرة الإسراف المنهي عنه اهتمامًا بشأنهن) .

وقال الطيبي هذه الجملة يعني «رب كاسية. .. إلى آخره» كالبيان لموجب استيقاظ الأزواج؛ أي لا ينبغي لهن أن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي رب كاسية حُلَّة الزوجية المشرفة عارية عنها في الآخرة إذا لم تضمَّ معها العمل كما قال تعالى {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [المؤمنون 101] .

ومن فوائد هذا الحديث جواز قول سبحان الله عند التعجب، ونُدبة ذكر الله بعد الاستيقاظ،

ج 1 ص 672

ومنها إيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لا سيما عندما تحدث آية، ومنها تحذير العالم مَن يأخذ عنه عن كل شيء يتوقع حصوله، والإرشاد إلى ما يدفع ذلك عنه، والله أعلم.

[1] (( قوله قال وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري ) )ليس في (خ) .

[2] كذا قال، ولم نجده إلا في موضع واحد.

[3] (( قوله بمعنى لقيته قطعة من الزمان ذات مرة وذات يوم ) )ليس في (خ) .

[4] (( من قوله وعرف عند. .. إلى قوله وفتحت الخزائن ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت