1301 - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، والحَكَم _ بفتح المهملة والكاف _ العبدي، وقد مرَّ في باب «التَّهجد» [خ¦1167] (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك رضي الله عنه، مات سنة أربع وثلاثين ومائة.
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ اشْتَكَى) أي مرض، وليس المراد منه أنَّه صدرت منه الشَّكوى، لكن لمَّا كان الأصل أنَّ المريض يحصل منه ذلك استعمل في كلِّ مريض (ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري، وابنه هو أبو عمير الذي كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يمازحه
ج 6 ص 320
ويقول له (( يا أبا عُمير ما فعل النُّغير ) )كما سيأتي في كتاب «الأدب» [خ¦6129] ، بيَّن ذلك ابن حبَّان في روايته من طريق عمارة بن زاذان عن ثابت.
وزاد من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت في أوَّله قصَّة تزويج أمِّ سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم وقال فيه (( فحملت فولدت غلامًا صبيحًا، فكان أبو طلحة يحبُّه حبًّا شديدًا، فعاش حتَّى تحرَّك، فمرض فحزن أبو طلحة حزنًا شديدًا حتَّى تضعضعَ، وأبو طلحة يغدو ويروحُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فراح روحة ... ) ).
(فَمَاتَ) ذلك الابن (وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ) أي من البيت، وكان يكون عند النَّبي صلى الله عليه وسلم في أواخر النَّهار كما أفادت الرِّواية السَّابقة. وفي رواية الإسماعيلي (( كان لأبي طلحة ولد فتوفِّي، فأرسلت أمُّ سُليم أنسًا يدعو أبا طلحة، وأمرته أن لا يُخبره بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائمًا ) ).
(فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ سُليم أمُّ أنس بن مالك رضي الله عنهما (أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، هَيَّأَتْ شَيْئًا) أي أعدَّت طعامًا وأصلحته لأبي طلحة لصومه، وقيل هيَّأت شيئًا من حالها وتزيَّنت لزوجها تعرضًا للجماع، وقيل هيَّأت أمر الصَّبي بأن غسَّلته وكفَّنته على ما جاء في رواية أبي داود الطَّيالسي عن مشايخه عن ثابت (( فهيَّأت الصَّبي ) ). وفي رواية حميد عند ابنِ سعد (( فتوفِّي الغلام فهيَّأت أمُّ سليم أمره ) ). وفي رواية عمَّار بن زاذان عن ثابت (( فهلكَ الصَّبي، فقامتْ أمُّ سليم فغسَّلته وكفَّنته وحنَّطته وسجت عليه ثوبًا ) ).
(وَنَحَّتْهُ) بفتح النون والحاء المهملة المشددة؛ أي جعلته (فِي جَانِبِ الْبَيْتِ) وقيل بعَّدته، وفي رواية جعفر عن ثابت (( فجعلته في مخدعها ) ) (فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ) لها (كَيْفَ الْغُلاَمُ؟ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ) بالهمز؛ أي سكنت (نَفْسُهُ) بسكون الفاء كذا للأكثر، والمعنى أنَّ نفسه كانت قلقة منزعجة بعارض المرض فسكنت بالموت، وظنَّ أبو طلحة أنَّ مرادها سكنت بالنَّوم لوجود العافية. وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط التاء، بفتح الفاء؛ أي سكن لأنَّ المريض تكون نَفَسُه عاليًا، فإذا زال مرضه سكنَ، وكذا إذا مات. وفي رواية أنس بن سيرين (( هو أسكن ما كان ) ) [خ¦5470] ونحوه في رواية جعفر عن ثابت. وفي رواية معمر عن ثابت (( أمسى هادئًا ) ). وفي
ج 6 ص 321
رواية حميد (( بخير ما كان ) )والكلُّ متقارب المعاني.
(وأرْجُو أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) عنت أم سليم أنَّه قد استراح من نكد الدُّنيا وتعبها، وهو من حسن المعاريض، وهو ما احتمل معنيين وهذا من أحسنها، فإنَّها أخبرت بكلام لم تكذب فيه، ولكن ورَّت به عن المعنى الذي كان يحزنه، ألا ترى أنَّ نفسه قد هدأتْ _ كما قالت _ بالموت وانقطاع النَّفَس، وأوهمته أنَّه استراح من قلقه.
وقال ابن بطَّال «هدأ نفسه» ، من معاريض الكلام، وأرادت بسكون النَّفس الموت، وظنَّ أبو طلحة أنَّها تريد به سكون نفسه من المرض وزوال العلَّة، وتبدُّلها بالعافية، وأنَّها صادقة فيما خيِّل إليه في ظاهر قولها، وبارك الله لهما بدعائه صلى الله عليه وسلم فرُزقا تسعة أولادٍ من القرَّاء الصُّلحاء، وذلك بصبرها فيما نالها، ومراعاتها زوجها، وإنَّما لم تجزم بكونه استراح، بل قالت «أرجو» ، أدبًا، أو لم تكن عالمة بأنَّ الطِّفل لا عذاب عليه، ففوَّضت الأمر إلى الله تعالى مع وجود رجائها بأنَّه استراح من نكد الدُّنيا.
(وظَنَّ أبُو طَلْحَةَ أنَّها صَادِقَةٌ) أي بالنِّسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلَّا فهي صادقة بالنِّسبة إلى ما أرادت جزمًا، ولذا ورد «إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب» .
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَبَاتَ) أي بات أبو طلحة مع امرأته المذكورة، وهذه كناية عن الجماع لقوله (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ) لأنَّ الاغتسال غالبًا لا يكون إلَّا من الجماع، وقد وقع التَّصريح بذلك في رواية أنس بن سيرين (( فقرَّبت إليه العشاء، فتعشَّى ثمَّ أصاب منها ) ) [خ¦5470] . وفي رواية حمَّاد عن ثابت (( ثمَّ تطيَّبت ) )، زاد جعفر عن ثابت (( فتعرَّضت له حتَّى واقع بها ) ). وفي رواية سليمان عن ثابت (( ثمَّ تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنعُ قبل ذلك فوقع بها ) ). وفي رواية عبد الله بن عبد الله (( ثمَّ تعرَّضت له فأصاب منها ) )، وإنَّما فعلت ما فعلت إعانة لزوجها على الرِّضا والتَّسليم، ولو أعلمته بالأمر في أوَّل الحال تنكَّد عليه وقته، ولم يبلغْ الغرض الذي أرادته، ولعلَّها عند موت الطِّفل قضت حقَّه من البكاء اليسير، والله أعلم.
(فَلَمَّا أَرَادَ) أبو طلحة (أَنْ يَخْرُجَ) من البيت (أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ) أي الابن المذكور (قَدْ مَاتَ) وفيه زيادة
ج 6 ص 322
عند مسلم من رواية سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال (( مات ابنٌ لأبي طلحة من أمِّ سُليم فقالت لأهلها لا تحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتَّى أكون أنا أحدِّثه قال فجاء فقرَّبت إليه عشاء فأكل وشرب، قال ثمَّ تصنَّعت له أحسنَ ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلمَّا رأت أنَّه قد شبع وأصاب منها، قالت يا أبا طلحة أرأيت لو أنَّ قومًا أعاروا أهل بيتٍ عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال لا، قالت فاحتسب ابنك، قال فغضبَ، وقال تركتيني حتَّى تلطَّخت، ثمَّ أخبرتيني بابني، فانطلقَ حتَّى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله لكما في ليلتكما قال فحملت ... ) )الحديث بطوله.
وفي رواية عبد الله فقالت (( يا أبا طلحةَ أرأيت قومًا أعاروا متاعهم، ثمَّ بدا لهم فيه فأخذوه، فكأنَّهم وجدوا في أنفسهم ) ). زاد حمَّاد في روايته عن ثابت (( فأبوا أن يردُّوها، فقال أبو طلحة ليس لهم ذلك، إنَّ العارية مؤداة إلى أهلها، ثمَّ اتَّفقا فقالت إنَّ الله أعارنا فلانًا ثمَّ أخذه منَّا ) )زاد حماد (( فاسترجع ) ).
(فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا) بالتثنية، وفي رواية الكُشميهني بضمير المؤنثة المفردة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) وفي رواية . وفي رواية أنسِ بن سيرين (( اللَّهم بارك لهما ) ) [خ¦5470] ولا تعارض؛ لأنَّ الكل دعاء. وفي رواية أنس بن سيرين من الزِّيادة (( فولدت غلامًا ) ). وفي رواية عبد الله بن عبد الله (( فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة ) ). وسيأتي الكلام على قصَّة تحنيكه وغير ذلك حيث ذكره المؤلِّف في «العقيقة» [خ¦5470] .
(قَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة بالإسناد المذكور (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عَبَاية بن رفاعة بن رافع بن خديج، كما عند البيهقي وسعيد بن منصور عن مسروق عن عباية بن رفاعة قال كانت أم أنس رضي الله عنهما تحت أبي طلحة رضي الله عنه، فذكر القصَّة شبيهةً بسياق ثابت عن أنس رضي الله عنه وقال في آخره (( فولدت له غلامًا ) ). قال عَبَاية فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين
ج 6 ص 323
كلُّهم قد ختم القرآن.
وقال الحافظُ العسقلاني وأفادت هذه الرِّواية أنَّ في رواية سفيان تجوُّزًا في قوله «لهما» ؛ لأنَّ ظاهره أنَّه من ولدهما بغير واسطة، وإنَّما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة، وهو عبد الله بن أبي طلحة.
وتعقَّبه العيني بأنَّا لا نسلِّم التجوُّز في رواية سفيان؛ لأنَّه ما صرَّح في قوله «فقال رجل من الأنصار ... إل آخره بأن قال رأيتُ منهما أو لهما تسعة أولاد، وقوله صلى الله عليه وسلم (( يبارك لهما ) )لا يستلزم أن يكون التِّسعة منهما، فافهم» .
(فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلاَدٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ) وفي رواية ؛ أي لهما بواسطة ولدهما عبد الله بن أبي طلحة، وبهذا يندفع تعقُّب العيني للحافظ العسقلاني كما مرَّ آنفًا.
فإن قيل قد وقع في رواية سفيان هنا تسعة أولاد بتقديم الفوقية على السين، وفي رواية عَبَاية المذكورة (( سبع بنين ) ).
فالجواب أنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالسَّبعة من ختم القرآن كله، وبالتِّسعة من قرأ معظمه. وذكر ابن المديني من أسماء ولد عبد الله بن أبي طلحة، وكذا ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب إسحاق وإسماعيل ويعقوب وعمير وعمر ومحمَّد وعبد الله وزيد والقاسم.
وفي الحديث عدم إظهار الحزن عند المصيبة، وهو فقهُ الباب كما فعلتْ أم سُليم، فإنَّها اختارت الصَّبر وقهرت نفسها.
وفيه منقبةٌ عظيمة لأمِّ سُليم بصبرها ورضاها بقضاء الله تعالى رضي الله عنها. وفيه جواز الأخذ بالشدَّة، وترك الرُّخصة لمن قدر عليها، وأنَّ ذلك ممَّا ينال به رفيع الدَّرجات، وجزيل الأجر.
وفيه أنَّ المرأة تتزيَّن لزوجها تعرُّضًا للجماع.
وفيه أنَّ من ترك شيئًا لله تعالى، وآثر ما ندب إليه، وحضَّ عليه من جميل الصَّبر أنَّه يعوَّض خيرًا ممَّا فاته، ألا ترى إلى قوله فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن.
وفيه مشروعيَّة المعاريض الموهمة إذا دعت الضَّرورة إليها، وشرط جوازها أن لا يبطل حقًّا لمسلم.
وفيه إجابة دعوة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه بيان حال أمِّ سُليم من الجَلَد، وجودة الرَّأي، وقوَّة العزم، وسيأتي في «الجهاد» [خ¦2880] ، و «المغازي» [خ¦4064] أنَّها كانت تشهد القتال، وتقوم بخدمة المجاهدين إلى غير ذلك ممَّا انفردت به عن معظم النِّسوة رضي الله عنها.