فهرس الكتاب

الصفحة 2057 من 11127

1302 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة، هو لقب محمَّد بن جعفر (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ) البُناني.

(قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالك رضي الله عنه يروي (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) يعني أنَّ الصَّبر المحمود هو ما كان عند مفاجأة المصيبة، فإنَّ مفاجأة المصيبة بغتة تزعزع القلب وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصَّدمة الأولى انكسرت حدَّتها، وضعفت قوَّتها فهان عليه استدامة الصَّبر، فأمَّا إذا طالت الأيَّام على المصاب وقع السلوُّ، وصار الصَّبر حينئذٍ طبعًا فلا يؤجر عليه مثل ذلك، والصَّابر على الحقيقة من صبَّر نفسه وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجزع والبكاء الذي فيه راحة النَّفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل سورة الحزن وهجومه بالصَّبر الجميل، وتحقَّق أن لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنَّه يرجع إليه، وعلم يقينًا أنَّ الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنَّ المقادير بيده تعالى، ومنه استحقَّ حينئذٍ جزيل الأجر

ج 6 ص 327

فضلًا منه تعالى، وعدَّ من الصَّابرين الذين وعدهم الله بالمغفرة والرَّحمة، وإذا جزع ولم يصبر أثم وأتعب نفسه، ولم يَردَّ من قضاء الله تعالى شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصَّبر إلَّا الفوز بدرجة المعيَّة {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة 153] لكفى، فنسأل الله العفو والعافية والرِّضا والمحبَّة إنَّ الله يحبُّ الصَّابرين.

واعلم أنَّ المصيبة كير العبد، العبد الذي يسبك فيها حاصله فإمَّا أن يخرج ذهبًا أحمر، وإمَّا أن يخرج خبثًا كلَّه كما قيل

~سَبَكَناهُ ونحْسَبهُ لُجَيْنًا فأَبْدَى الكِيرُ عَن خَبَثِ الحَدِيدِ

فإن لم ينفعْه هذا الكير في الدُّنيا، فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أنَّ إدخاله الكير في الدنيا وسبكها خير أن له من ذلك الكير والسَّبك، وأنَّه لا بد من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعم الله تعالى عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبةٍ فصبر عند الصَّدمة الأولى، فليحمد الله تعالى على أن أهَّله لذلك وثبَّته عليه.

وقد اختُلف هل المصائب مكفِّرات أو مثيبات؟ فذهب الشَّيخ عز الدين بن عبد السَّلام في طائفة إلى أنَّه إنما يثاب على الصَّبر عليها؛ لأنَّ الثَّواب إنَّما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنيع له فيها، وقد يصاب الكافر مثل ما يصيب المسلم.

وذهب آخرون إلى أنَّه يثاب عليها لقوله تعالى {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة 120] ولحديث «الصَّحيحين» (( والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلَّا حطَّ الله به عنه خطاياه كما تحطُّ الشَّجرة اليابسة ورقها ) ). ولحديث (( ما من مصيبة تصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمٍّ، حتَّى الشَّوكة إلَّا كفَّر الله بها خطاياه ) )فالغمُّ على المستقبل، والحزن على الماضي، والنَّصب والوصب في المرض.

وقال بعضُ العلماء الصَّبر على ثلاثة أوجه صبر على الشدَّة والمصيبة، وصبر على الطَّاعة وهو أشدُّ من الأوَّل وأجره أكثر، وصبر على المعصية وهو أشدُّ من الأوَّل والثَّاني وأجره أكثر منهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت