1303 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) ابن الوزير الجُذَامي _ بضم الجيم وخفة المعجمة _ الجَرْوي _ بفتح الجيم وسكون الراء _ نسبة إلى جروة، قريةٌ من قرى تنيس، وكان أبوه أميرها فتزهَّد الحسن، ولم يأخذ من تركة أبيه شيئًا، وكان يقال إنَّه نظير قارون في المال.
قال الدَّارقطني لم يرَ مثله فضلًا وزهدًا، مات بالعراق سنة سبع وخمسين ومائتين، وهو من طبقة البخاري، ومات بعده بسنة، وليس عنده سوى هذا الحديث وحديثين آخرين في «التَّفسير» [خ¦4650] [خ¦4837] ، وهو من أفراد البخاري.
(قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ)
ج 6 ص 329
منصرفًا وغير منصرفٍ، أبو زكريا التِّنِّيسي الإمام الرئيس، أدركه البخاري ولم يلقه؛ لأنَّه مات قبل أن يدخلَ مصر سنة ثمان ومائتين، وقد روى عنه الشَّافعي مع جلالته، ومات قبله بمدَّة.
(قَالَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ) بضم القاف وبالشين المعجمة (هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) بالمهملة من الحيوة، أبو بكر العِجلي _ بكسر العين _ البصري (عَنْ ثَابِتٍ) البُناني (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ) بفتح السين المهملة وسكون التحتانية (الْقَيْنِ) بفتح القاف وسكون التحتانية آخره نون، هو صفة لأبي سيف، واسمه البراء بن أوس الأنصاري، والقين الحداد. قال ابن سِيْده قيلِ كل صانعٍ قيِّنٌ، والجمع أَقْيان وقِيون، ويقال قان يَقِين قِيَانة صار قينًا، وقان الحديدة عمِلها، وقانَ الإناء يقينه قَيْنًا أصلحه، والمقيَّن المزيَّن.
(وَكَانَ ظِئْرًا) بكسر المعجمة وسكون الهمزة بعدها راء؛ أي مرضعًا، وأطلق عليه ذلك؛ لأنَّه كان زوج المرضعة، وأصلُ الظِّئر من ظَأَرتِ النَّاقةُ، إذا عَطَفتْ على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع ولد غيرها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنَّه يشاركها في تربيته غالبًا.
وفي «المحكم» الظِّئر العاطف على ولد غيرها من النَّاس، والإبل الذكر والأنثى في ذلك سواء، والجمع أَظْؤُرٌ وأَظْآرٌ وظُؤُورٌ وظُؤُورَةٌ وظُؤَارٌ، والأخيرة من الجمع العزيز، وظُؤْرَة عند سيبويه اسم للجمع، وقيل الجمع من الإبل ظؤار، ومن النِّساء ظؤرة.
وفي «الصِّحاح» والجمع ظُؤار على فُعال بالضم. وقال الأزهريُّ لا يجمع على فعلة إلَّا ثلاثة أحرف ظئر وظُؤرة وصاحب وصُحْبة وفارِهٌ وفُرَهة.
(لإِبْرَاهِيمَ) ابن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع التَّصريح بذلك في رواية سليمان بن المغيرة المعلَّقة بعد هذا، ولفظه عند مسلم في أوَّله (( ولد لي اللَّيلة غلام فسمَّيته باسم أبي إبراهيم، ثمَّ دفعه إلى أم سيف امرأة قيِّنٍ بالمدينة، يقال له أبو سيف، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فانتهى إلى أبي سيف، وهو ينفخُ بكيره وقد امتلأ البيت دخانًا، فتسرَّعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ يا أبا سيف
ج 6 ص 330
أمسك جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم )) .
ولمسلم أيضًا من طريق عَمرو بن سعيد عن أنس رضي الله عنه (( ما رأيتُ أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إبراهيمُ مسترضعًا في عوالي المدينة، فكان ينطلقُ ونحن معه فيدخل البيت وإنَّه ليدخن وكان ظئره قينًا ) ).
وقال القاضي عياض هو البراء بن أوس، وأم سيف زوجته هي أم بردة خولة بنت المنذر، قلت جمع بذلك بين ما وقع في هذا الحديث الصَّحيح، وبين قول الواقدي فيما رواه ابن سعد في «الطَّبقات» عنه عن يعقوب بن أبي صعصعة، عن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي صعصعة لمَّا ولد إبراهيم تنافستْ فيه الأنصار أيتهنَّ ترضعه، فدفعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أمِّ بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد من بني عديِّ بن النَّجار، وزوَّجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد من بني عديِّ بن النَّجار [1] أيضًا فكانت ترضعه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه في بني النَّجار انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وما جمع به غير مستبعد إلَّا أنَّه لم يأت عن أحد من الأئمَّة التَّصريح بأنَّ البراء بن أوس يكنَّى أبا سيف، ولا أنَّ أبا سيف يسمَّى البراء بن أوس.
(فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) وفيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشمِّه، وليس فيه دليل على فعل ذلك بالميِّت؛ لأنَّ هذه إنَّما وقعت قبل موت إبراهيم. نعم روى أبو داود وغيره أنَّه صلى الله عليه وسلم قبَّل عثمان بن مظعون بعد موته، وصحَّحه التِّرمذي، وروى البخاري أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قبَّل النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فلأصدقائه وأقاربه تقبيله.
(ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي على أبي سيف (بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي يخرجها ويدفعها، كما يجود الإنسان بإخراج ماله، وفي بعض طرقه .
قال صاحب «العين» أي يسوق بها، وقيل معناه يقارب بها الموت. وقال أبو مروان بن سراج قد يكون من الكيد وهو القيء، يقال منه كاد يكيدُ، شبَّه تقلُّع نفسه عند الموت بذلك.
(فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء، من ذرفت العين تذرف،
ج 6 ص 331
إذا جرى دمعها (فَقَالَ لَهُ) أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَنْتَ) معطوف على محذوفٍ تقديره النَّاس لا يصبرون عند المصائب ويتفجَّعون، وأنت تفعلُ كفعلهم (يَا رَسُولَ اللَّهِ) مع حثِّك على الصَّبر، ونهيك عن الجزعِ.
قال الطِّيبي فيه معنى التَّعجب، كأنَّه تعجب لذلك منه، واستغرب لمقاومته المصيبة، وعهدهُ منه أنَّه يحث على الصَّبر، وينهى عن الجزعِ فأجابه صلى الله عليه وسلم.
(فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا) أي الحالة التي شاهدتها مني (رَحْمَةٌ) أي رقَّة وشفقة على الولد تَنبَّعتْ عن التأمَّل فيما هو فيه لا ما توهَّمت من الجزع، وقلَّة الصَّبر. ووقع في حديث عبد الرَّحمن بن عوف نفسه فقلت يا رسول الله تبكي…أَوَلم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه (( إنَّما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهوٍ ولعب ومزامير الشَّيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشقِّ جيوب، ورنَّة شيطان، وإنَّما هذا رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحم ) ). وفي رواية محمود بن لُبيد فقال (( إنَّما أنا بشر ) ). وفي رواية عبد الرَّزَّاق من مرسل مكحول (( إنَّما أنهى النَّاس عن النِّياحة أن يندب الرَّجل بما ليس فيه ) ).
(ثُمَّ أَتْبَعَهَا) صلى الله عليه وسلم (بِأُخْرَى) ، وفي رواية الإسماعيلي (( ثمَّ أتبعها والله بأخرى ) )بزيادة القسم؛ أي أتبع الدَّمعة الأولى بالأخرى، أو أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله «إنَّها رحمة» ، بكلمة أخرى مفصَّلة وهي قوله «إنَّ العين» إلى آخره، ويؤيِّد الثَّاني ما تقدَّم من طريق عبد الرَّحمن، ومرسل مكحول.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ) بالنصب والرفع (يَحْزَنُ) لرقَّته من غير سخط لقضاء الله تعالى (وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى) من الرِّضا أو من الإرضاء (رَبُّنَا) بالرفع أو النصب (وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) وفي حديث عبد الرَّحمن بن عوف ومحمود بن لبيد «ولا نقول ما يسخط الرَّب» .
وزاد في حديث عبد الرَّحمن في آخره (( لولا أنَّه أمر حقٌّ، ووعدٌ صدقٌ، وسبيل نأتيه، وإن آخرنا سيلحق أولنا لحزنَّا عليك حزنًا هو أشدُّ من هذا ) ). ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد ومرسل مكحول، وزاد في آخره (( وفضل رضاعه في الجنَّة ) ).
وفي آخر حديث
ج 6 ص 332
محمود بن لبيد وقال «إنَّ له مرضعًا في الجنَّة» ، ومات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، وذكر الرَّضاع وقع في آخر حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم من طريق عَمرو بن سعيد عنه، إلَّا أنَّ ظاهر سياقه الإرسال، فلفظه قال عمرو فلمَّا توفِّي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ إبراهيم ابني، وإنَّه مات في الثَّدي، وإنَّ له لظئرين يكمِّلان رضاعه في الجنَّة ) ).
ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أنَّ مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يكلَّف الانكفاف عنه، وكأنَّ الجارحة امتنعت فصارت هي الفاعلة لا هو، ولهذا قال (( وإنَّا بفراقك لمحزونون ) )فعبَّر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل؛ أي ليس الحزن من فعلنا، ولكنَّه واقع بنا من غيرنا، ولا يكلَّف الإنسان بفعل غيره.
والفرق بين دمع العين ونطق اللِّسان أنَّ النطق يملك بخلاف الدَّمع فهو للعين كالنَّظر، ألا ترى أنَّ العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى، فالفعل لها ولا كذلك اللِّسان، قاله ابن المُنيِّر.
(رَوَاهُ) أي أصل الحديث (مُوسَى) أي ابن إسماعيل التَّبوذكي (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة (عَنْ ثَابِتٍ) البناني (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد وصله البيهقي في «الدَّلائل» .
وفي الحديث ذكر إبراهيم ابن النَّبي صلى الله عليه وسلم وموته، ومجموع أولاد النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمانية
القاسم وبه كان يكنى، والطَّاهر والطَّيب ويقال إنَّ الطَّاهر هو الطَّيب، وإبراهيم وزينب زوجة ابن أبي العاص ورقيَّة وأمُّ كلثوم زوجا عثمان وفاطمة زوج عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهم، وجميع أولاده من خديجة رضي الله عنها إلَّا إبراهيم فإنَّه من مارية القبطيَّة.
وقال الزُّهري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لو عاش إبراهيم لوضعت الجزية عن كلِّ قبطي ) ). وعن مكحول أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في إبراهيم (( لو عاشَ ما رقَّ له حال ) ). واتَّفقوا على أنَّ مولده كان في ذي الحجَّة سنة ثمان، واختلفوا في وقت وفاته، فجزم الواقديُّ بأنَّه مات يوم الثُّلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة عشر.
وقال ابنُ حزم أنَّه مات قبل النَّبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، وقيل بلغ ستَّة عشر شهرًا وثمانية أيَّام، وقيل سبعة عشر
ج 6 ص 333
شهرًا، وقيل سنة وعشرة أشهر وستة أيَّام. وفي «سنن أبي داود» توفِّي وله سبعون يومًا، وعن محمود بن لبيد توفِّي وله ثمانية عشر شهرًا، وفي رواية جابر عن عامر عن البراء أنَّه صدِّيق شهيد، وعن محمَّد بن عمر بن علي بن أبي طالب أوَّل من دفن بالبقيع ابن مظعون، ثمَّ أتبعه إبراهيم.
وعن رجل من آل عليِّ بن أبي طالب لمَّا دُفن إبراهيم قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( هل من أحد يأتي بقرْبَة، فأتى رجل من الأنصار بقربةِ ماءٍ فقال رشَّها على قبر إبراهيم ) ).
واختلف في الصَّلاة عليه فصحَّحه ابن حزمٍ، وقال أحمد منكر جدًّا. وقال السُّدي سألت أنسًا رضي الله عنه أصلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم؟ قال لا أدري. وروي عن عطاء، عن ابن عجلان، عن أنس رضي الله عنه أنَّه كبر عليه أربعًا، وهو أفقَه؛ أعني عطاء. وعن جعفر بن محمَّد، عن أبيه أنَّه [ما] صلى، وهي مرسلة، فيجوز أن يكون اشتغلَ بالكسوف عن الصَّلاة.
وحكى الحافظ أبو العبَّاس العراقي أنَّ معناه لم يصلِّ عليه بنفسه، وصلَّى عليه غيره، وقيل لأنَّه لا يصلَّى على نبي، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم «أنَّه لو عاش كان نبيًّا» . وقال أبو العبَّاس كلُّ هذه ضعيفة، والصَّلاة عليه أثبْتُ.
وفي الحديث جواز الإخبار عن الحُزْن، وإن كان كتمه أولى، وجوازُ البكاء المجرَّد على الميت قبل موته، ويجوزُ بعد موته أيضًا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم بكى على قبر بنتٍ له. رواه البُخاري.
وزار قبر أمِّه فبَكى وأبكى من حوله، رواه مسلم، ولكنَّه قبل الموت أولى بالجواز؛ لأنَّه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، والله أعلم.
[1] من قوله (( وزوَّجها البراء. .. إلى قوله بن النجار ) )ليس في (خ) .