1304 - (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة والموحدة بينهما صاد مهملة وفي آخره غين معجمة، أبو عبد الله بن الفرج، مات يوم الأحد لأربع بقين من شوَّال سنة خمس وعشرين ومائتين (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) هو ابنُ الحارث المصري.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ) قاضي المدينة(عَنْ
ج 6 ص 334
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ)بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ اشْتَكَى) أي مرض (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة (شَكْوَى لَهُ) بغير تنوين. وقال الكرماني أي اشتكى سعد عن مزاجه لمرض له.
(فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (يَعُودُهُ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ) النَّبي صلى الله عليه وسلم ومن معه (فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ) بالغين والشين المعجمتين. قال الخطَّابي هذا يحتمل وجهين أن يرادَ به القوم الحضور عنده الذين هم غاشيته؛ أي يغشونه للخدمة والزِّيارة، وأن يرادَ ما يتغشَّاه من كربِ الوجع الذي به، انتهى.
وقال العينيُّ لفظ «أهله» يأبى المعنى الثَّاني، بل يتأتَّى هذا على رواية العامَّة بإسقاط «أهله» . نعم يؤيِّده رواية مسلم بلفظ (( في غشيته ) ).
وقال الكرماني أي في إغمائه. وقال التُّوربشتي في «شرح المصابيح» الغاشية الدَّاهية من شرٍّ أو مرض أو مكروه، والمراد به هاهنا ما كان يغشاه من كرب الوجع الذي فيه لا الموت؛ لأنَّه برئ من هذا المرض وعاش بعده زمانًا.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (قَدْ قَضَى؟) بحذف همزة الاستفهام؛ أي أقد خرج من الدُّنيا؟ ظنَّ أنَّه قد مات فسأل عن ذلك (قَالُوا) وفي رواية بالفاء (لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ) الحاضرون (بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَلاَ تَسْمَعُونَ) لا يقتضي المفعول؛ لأنَّه جعل كالفعل اللازم؛ أي ألا توجدون السَّماع.
وقوله (إِنَّ اللَّهَ) بكسر الهمزة استئناف، كذا قرَّره ابن حجر والبرماوي كالكرماني. وتعقَّبه العيني بقوله ما المانع أن يكون «أن» بالفتح في محل المفعول؛ لقوله «تسمعون» ، وهو الملائم لمعنى الكلام هذا، ولكن إذا ثبت الرِّواية بالكسر فلا يبقى للتعقُّب وجه.
والظَّاهر أنَّ هذه القصَّة كانت بعد قصَّة إبراهيم ابن النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه كان معهم في هذه، ولم يعترض بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنَّه تقرَّر عنده العلم بأنَّ مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضرُّ، لكنه لمَّا فهم من بعضهم الإنكار بيَّن لهم الفرق بين الحالتين
ج 6 ص 335
فقال «ألا تسمعون إنَّ الله ... » .
(لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ) إذا قال سوءًا من القول وهجرًا، (أَوْ يَرْحَمُ) بهذا إن قال خيرًا واستسلم لقضاء الله تعالى، ويحتمل أن يكون معناه «أو يرحم» إن لم ينفذ الوعيد فيه، ويروى بالنصب فيكون «أو» بمعنى إلى؛ أي يعذب إلى أن يرحمه الله؛ لأنَّ المؤمن لا بدَّ أن يدخل الجنَّة آخرًا، وفي رواية بزيادة لفظة الجلالة.
(وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) بخلاف الحي، فإنَّه لا يعذب ببكاء الحي عليه، وإنَّما يعذَّب الميت ببكاء الحيِّ عليه إذا تضمَّن ما لا يجوز شرعًا، وكأنَ الميت سببًا فيه على ما تقدَّم فيما سبق [خ¦1284] .
(وَكَانَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وهو عطف على «اشتكى» فيكون موصولًا بالإسناد السَّابق إلى ابن عمر رضي الله عنهما (يَضْرِبُ فِيهِ) أي في البكاء بالصِّفة المنهي عنها بعد الموت (بِالْعَصَا، وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ) تأسِّيًا بأمره صلى الله عليه وسلم بذلك في نساء جعفر، كما مرَّ [خ¦1299] وسيأتي [خ¦1305] .
وفي الحديث استحباب عيادة الفاضل المفضول، واستحباب عيادة المريض. وفيه النَّهي عن المنكر، وبيان الوعيد عليه. وفيه جوازُ البكاء عند المريض، والتَّرجمة معقودة لذلك. وفيه جواز اتِّباع القوم للباكي في بكائه، والله أعلم.