1315 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ حَفِظْنَاهُ) أي الحديث الآتي (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، وفي رواية بكلمة «عن» بدل «من» ، والأوَّل أولى؛ لأنَّه يقتضي سماعه منه بخلاف رواية «عن» ، وقد صرَّح الحُميدي في «مسنده» بسماع سفيان من الزُّهري، ويروى .
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) كذا قال سفيان، وتابعه معمر وابن أبي حفصة عند مسلم، وخالفهم يونس فقال عن الزُّهري حدَّثني أبو أمامة بن سهل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو محمول على أنَّ للزُّهري فيه شيخين.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ) أمر من الإسراع؛ أي أسرعوا بحملها إلى قبرها إسراعًا متوسِّطًا بين شدَّة السَّعي، وبين المشي المعتاد، يدلُّ عليه ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من حديث عبد الله بن عمرو أنَّ أباه أوصاه قال إذا أنت حملتني على السَّرير فامشِ مشيًا بين المشيين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدِّمها للملائكة وخلفها لبني آدم.
ثمَّ نقل ابن قدامة أنَّ الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذَّ ابن حزم فقال بوجوبه.
وفي «شرح المهذَّب» جاء عن بعض السَّلف كراهة الإسراع بالجنازة، ولعلَّه يكون محمولًا على الإسراع المفرط الذي يُخاف منه انفجار الميِّت وخروج شيء منه.
وقال الحافظ العسقلاني والمراد بالإسراع شدَّة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السَّلف، وهو قول الحنفيَّة.
قال صاحب «الهداية»
ج 6 ص 352
ويمشون بها مسرعين دون الخَبَب. وفي «المبسوط» ليس فيه شيء مؤقَّت غير أنَّ العجلة أحبُّ إلى أبي حنيفة، وعن الشَّافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشَّديد.
ومال القاضي عياض إلى نفي الخلاف فقال من استحبَّه أراد الزِّيادة على المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرَّمل، والحاصل أنَّه يستحب الإسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدَّة يخاف معها حدوث مفسدة بالميِّت، أو مشقَّة على الحامل أو المشيِّع؛ لئلا ينافي المقصود من النَّظافة وعدم إدخال المشقَّة على المسلم.
قال القرطبي مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميِّت عن الدَّفن، فإن البطء ربَّما يؤدي إلى التَّباهي والاحتيال انتهى.
وقال العيني ما حاصله إنَّ هذا القول منه أعني قوله و «هو قول الحنفيَّة» عجيب منه إذ لم أجد أحدًا منهم يقول بشدَّة المشي، وهذا صاحب «الهداية» الذي لا يذكر إلَّا ما هو العمدة عند أبي حنيفة يقول ويمشون بها مسرعين دون الخَبَبِ، وهو يدلُّ على أنَّ المراد من الإسراع هو المتوسِّط لا شدَّة الإسراع التي هي الخَبَبِ وهو العَدو.
وكذلك المراد من قول صاحب «المبسوط» العجلة أحبُّ إلى أبي حنيفة، هي العجلة المتوسِّطة لا الشَّديدة، وأعجب أنَّه يذكر عن كتابين معتبرين في المذهب ما يدلُّ على نفي شدَّة المشي، ويقول شدَّة المشي قول الحنفية هذا.
فإن قيل روى الشَّيخان من رواية عطاء قال حضرنا مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما جنازة ميمونة رضي الله عنها بسرف، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وارفقوا [خ¦5067] .
وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» عن محمَّد بن فضيل، عن بنت أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال مُرَّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم بجنازة وهي تمخَض كما يمخَض الزِّقُّ فقال (( عليكم بالقصد في جنائزكم ) )، وهذا يدلُّ على استحباب الرِّفق بالجنازة وترك الإسراع.
فالجواب أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما أراد الرِّفق في كيفية الحمل لا في كيفية المشي بها. وأمَّا حديث أبي موسى رضي الله عنه فهو منقطع بين بنت أبي بردة، وبين أبي موسى رضي الله عنه، ومع ذلك فهو ظاهر في أنَّه كان يفرط في الإسراع بها، ولعلَّه خشي انفجارها أو خروج شيء منها، والله أعلم.
ثمَّ إنَّه قيل المراد بالإسراع هو الإسراع بتجهيزها وتعجيل الدَّفن،
ج 6 ص 353
لكن بعد التيقُّن بموته، فإنَّ المرض قد يخفى ولا يظهر إلَّا بعد مضي زمان كالمسبوت ونحوه من المطعون والمفلوج.
وعن ابن بَزِيزة ينبغي أن لا يسرع بتجهيزهم حتَّى يمضي يوم وليلة ليتحقَّق موتهم. واستدلُّ على ذلك بحديث حُصَين بن وَحْوَح _ بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وبواوين مفتوحتين وحائين مهملتين أولاهما ساكنة _ أنصاري له صحبة، قيل إنَّه مات بالعُذَيب.
روى له أبو داود أنَّ طلحة بن البراء رضي الله عنه مرض فأتاه النَّبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعوده فقال (( إنِّي لا أرى طلحة إلَّا وقد حدث به الموت، فآذنوني به وعجِّلوا فإنَّه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ) ).
وروى الطَّبراني بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره ) ).
وقال القرطبي الأوَّل أظهر. وقال النَّووي الثَّاني باطل مردود بقوله في الحديث (( تضعونه عن رقابكم ) ). وردَّ عليه بأن الحمل على الرِّقاب قد يعبَّر به عن المعنى كما تقول حمل فلان على رقبته ذنوبًا، فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه، ويدلُّ عليه أنَّ الكلَّ لا يحملونه، ويؤيِّده حديث أبي داود والطَّبراني المذكور آنفًا، والله أعلم.
(فَإِنْ تَكُ) أي الجنازة التي هي عبارة عن الميِّت أو الجثَّة المحمولة. قال الطِّيبي جعلت الجنازة عين الميِّت، وجعلت الجنازة التي هي مكان الميِّت مقدَّمة إلى الخير الذي كنَّى به عن العمل الصَّالح، وأصله «فإن تكن» حذفت النون للتخفيف (صَالِحَةً) خبر «كان» (فَخَيْرٌ) هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي فثمَّة أو فلها خير، ويؤيِّده رواية مسلم بلفظ (( قرَّبتموها إلى الخير ) )ويأبى عنه قوله بعد ذلك «فشرٌّ» . والله أعلم.
(تُقَدِّمُونَهَا) أي الجنازة (إِلَيْهِ) أي إلى ذلك الخير والثَّواب والإكرام الحاصل له في قبره يعني حاله في القبر حسن طيِّب، فأسرعوا بها حتَّى تصل إلى تلك الحال قريبًا. وفي «توضيح ابن مالك» إنَّه رُوِيَ ؛ أي تقدِّمون الميِّت إلى الخير الذي هو عبارة عن الرَّحمة أو الحسنى أو اليسرى، ثمَّ قوله «إليه» وكذا على ما رواية ابن مالك ساقط في «فرع اليونينية» .
(وَإِنْ تَكُ) أي الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي غير صالحة (فَشَرٌّ) أي فهو شرٌّ (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) يعني أنَّها بعيدة عن الرَّحمة، فلا مصلحة لكم في مصاحبتها، ويؤخذ منه مجانبة صحبة أهل البطالة وغير الصَّالحين.
واستدلَّ به على أنَّ حمل الجنازة يختص بالرِّجال للإتيان فيه بضمير المذكَّر، وهذا الحديث أخرجه
ج 6 ص 354
مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه أيضًا.