1321 - (قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري التَّبوذكي (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابن زياد العبدي البصري (قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبي.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبيَّ) وفي نسخة (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ) وفي رواية بزيادة «قد» ، و «دُفِنَ» على صيغة البناء للمفعول، وإسناد الدَّفن إلى القبر مجازي؛ لأنَّ المدفون هو صاحب القبر، أو هو مجاز مرسل من ذكر المحلِّ وإرادة الحال.
(لَيْلًا) نصبٌ على الظرفية (فَقَالَ مَتَى دُفِنَ هَذَا) الميِّت؟ (قَالُوا) وفي رواية
ج 6 ص 367
بالفاء دفن (الْبَارِحَةَ) هي أقرب ليلة مضت تقول لقيته البارحة، وهي من برح؛ أي زال (قَالَ أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي) بمد الهمزة؛ أي أدفنتموه فلا أعلمتموني.
(قَالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَأَنَا فِيهِمْ) وكان رضي الله عنه في زمنه صلى الله عليه وسلم دون البلوغ؛ لأنَّه شهد حجَّة الوداع وقد قارب الاحتلام، وبهذا يطابق الحديث التَّرجمة.
(فَصَلَّى عَلَيْهِ) ، وفي الحديث جواز الدَّفن باللَّيل، وقد روى التِّرمذي من طريق عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرًا ليلًا فأسرج له بسراج، فأخذ من القبلة وقال (( رحمك الله إن كنت لأوَّاهًا تلَّاء للقرآن، فكبَّر عليه أربعًا ) ). وقال حديث ابن عبَّاس حديث حسنٌ. وقال وقد رخَّص أكثر أهل العلم في الدَّفن باللَّيل.
وروى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال رأى ناسٌ نارًا في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر، وإذا هو يقول ناولوني صاحبكم، فإذا هو الرَّجل الذي كان يرفع صوته بالذِّكر. ورواه الحاكم وصحَّحه. وقال النَّووي وسنده على شرط الشَّيخين.
وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» قال حدَّثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي يونس الباهلي قال سمعت شيخًا بمكَّة كان أصله روميًّا يحدِّث عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال كان رجل يطوف بالبيت يقول أوه أوه، قال أبو ذرٍّ فخرجت ذات ليلة فإذا النَّبي صلى الله عليه وسلم في المقابر يدفن ذلك الرَّجل ومعه مصباح.
فإن قيل روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه يحدِّث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفِّنٍ في كفنٍ غير طائل وقُبِرَ ليلًا، فزجر النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقبرَ الرَّجل باللَّيل حتَّى يصلَّى عليه إلَّا أن يضطَّر إنسان في ذلك، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إذا كفَّن أحدُكم أخاهُ فليٌحسن كفنه ) )، ورواه أبو داود والنَّسائي أيضًا.
فالجواب أنَّه يحتملُ أن يكون نهى عن ذلك أولًا ثمَّ رخَّصه.
وقال النَّووي المنهيُّ عنه الدَّفن قبل الصَّلاة، وتعقَّبه العيني بأنَّ الدَّفن قبل الصَّلاة منهيٌّ عنه مطلقًا سواء كان باللَّيل أو بالنَّهار. والظَّاهر أنَّه نهى عن الدَّفن باللَّيل،
ج 6 ص 368
ولو كان بعد الصَّلاة.
يؤيِّد ذلك ما رواه ابن ماجه في «سننه» من حديث أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تدفنوا موتاكم باللَّيل إلَّا أن تضطروا ) ). ولكن يشكل على هذا أنَّ الخلفاء الأربعة دفنوا ليلًا.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( ودفن _ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم _ قبل أن يصبحَ ) ). وفي «المغازي» للواقدي عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت (( ما علمنا بدفن النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى سمعنا صوت المساحي في السَّحر ليلة الثلاثاء ) ). وفي رواية أحمد (( ودفن ليلة الأربعاء ) )، والله أعلم.
وفي الحديث أيضًا الصَّلاة على الجنازة بالصُّفوف، وأنَّ لها تأثيرًا، وكان مالك بن هبيرة رضي الله عنه يصف من يحضر الصَّلاة على الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلُّوا أو كثروا، ولكن الكلام فيما إذا تعدَّدت الصُّفوف والعدد قليل، أو كان الصفُّ واحدًا والعدد كثيرًا أيُّهما أفضل، والظَّاهر أنَّ الصفوف أفضل لظاهر الحديث.
وفيه أيضًا تدريب الصِّبيان على شرائع الإسلام، وحضورهم مع الجماعات ليستأنسوا إليها، وتكون لهم عادة، وإذا ندبوا إلى صلاة الجنازة ليتدرَّبوا إليها، وهي فرض كفاية ففرض العين أحرى.
وفيه أيضًا الإعلام للنَّاس بموت أحد من المسلمين لينهضوا إلى الصَّلاة عليه.
وفي الحديث أيضًا جواز الصَّلاة على القبر. قال أصحابنا إذا دُفِن ولم يُصلَّ عليه صُلِّيَ على قبره ما لم يُعلم أنَّه تفرَّق، كذا في «المبسوط» .
وهذا يشير إلى أنَّه إذا شكَّ في تفرُّقه وتفسُّخه يُصلَّى عليه، وقد نصَّ الأصحاب على أنَّه لا يُصلَّى عليه مع الشكِّ في ذلك. ذكره في «المفيد» و «المزيد» ، وبقولنا قال الشَّافعي وأحمد، وهو قول عمر وأبي موسى وعائشة رضي الله عنهم.
وكذا هو قول ابن سيرين والأوزاعي، ثمَّ إنَّه هل يشترط في جواز الصَّلاة على قبره كونه مدفونًا بعد الغسل، فالصَّحيح أنَّه يشترط. وروى ابن سماعة عن محمَّد أنَّه لا يشترط.
وقال في «الهداية» ويُصلَّى عليه قبل أن يتفسَّخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرَّأي، وغالب الظَّن، فإن كان غالب الظَّن أنَّه تفسخ لا يُصلَّى عليه، وإن كان غالب الظَّن أنَّه لم يتفسخ يُصلَّى عليه، وإذا شكَّ لا يُصلَّى عليه.
وعن أبي يوسف يُصلَّى عليه إلى ثلاثة أيَّام وبعدها لا يُصلَّى عليه؛ لأنَّ الصَّحابة كانوا يصلُّون على النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أيَّام.
وللشَّافعية ستَّة أوجه إلى ثلاثة أيَّام، [و] إلى شهر كقول أحمد، [و] ما لم يبلَ جسده، يُصلِّي عليه من كان من أهل الصَّلاة عليه يوم موته، [و] يُصلِّي عليه من كان من أهل فرض الصَّلاة عليه يوم موته، [و] يُصلَّى عليه أبدًا.
فعلى هذا يجوز الصَّلاة على قبور الصَّحابة ومن قبلهم اليوم، واتَّفقوا على تضعيفه، وممَّن صرَّح به الماورديُّ والمحامليُّ والغورانيُّ والبغويُّ وإمام الحرمين والغزالي.
وقال إسحاق يصلِّي القادم من السَّفر إلى شهر، والحاضر إلى ثلاثة أيَّام. وقال سُحْنون من المالكيَّة لا يصلَّى على القبر سدًّا للذَّريعة في الصَّلاة على القبور. وقال أصحابنا الحنفيَّة لمَّا اختلفت الأحوال في ذلك فُوِّض الأمر إلى رأي المبتلى به.
فإن قيل
ج 6 ص 369
روى البُخاري عن عقبة بن عامر أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى على قتلى أحد بعد ثمان سنين.
فالجواب أنَّه محمول على الدُّعاء، قاله بعض أصحابنا، وفيه نظر؛ لأنَّ الطَّحاوي روى عن عقبة أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلَّى على قتلى أحدٍ صلاته على الميِّت.
وقال العيني إنَّ الجواب السَّديد أن أجسادهم لم تبلَ.