1325 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد، واسمه كيسان (أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ) وفي رواية بدون الفاء.
(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح) أي تحويل من إسناد إلى آخر، ووقع هنا في نسخة ؛ أي المؤلِّف (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد) المسندي (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني، أبو عبد الرَّحمن قاضي صنعاء من أبناء فارس.
(قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . قال المؤلِّف رحمه الله
(وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة في الابن، وفتح المهملة وكسر العين المهملة وبالياء في الأب، هو أبو عبد الله الحَبَطي _ بفتح الحاء المهملة والموحدة وبالطاء المهملة _ البصري، مات سنة تسع وعشرين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنِي)
ج 6 ص 384
بالإفراد (أَبِي) هو شبيب بن سعيد (قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (وَحَدَّثَنِي) هو عطفٌ على مقدَّر؛ أي قال ابن شهاب حدَّثني فلان بكذا وحدَّثني (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ) أيضًا.
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ) وفي رواية مسلم من حديث خبَّاب (( من خرج مع جنازة من بيتها ) )، ولأحمد من حديث أبي سعيد (( فمشى معها من أهلها ) ).
(حَتَّى يُصَلَّى) وفي رواية الكشميهنيِّ ، وفي نسخة وفي أكثر الرِّوايات اللام فيه مفتوحة، وفي بعضها بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها، فإنَّ حصول القيراط متوقِّف على وجود الصَّلاة من الذي يحصل له كما تقرَّر.
(فَلَهُ قِيرَاطٌ) ولم يبيِّن في هذه الرِّواية ابتداء الحضور، وقد تقدَّم في رواية مسلم (( من خرج مع جنازة من بيتها ) )، وفي رواية أحمد (( فمشى معها من أهلها ) )، ومقتضى هاتين الرِّوايتين أنَّ القيراط يختصُّ بمن حضر من أوَّل الأمر إلى انقضاء الصَّلاة، وبذلك صرَّح المحبُّ الطَّبري وغيره.
وقال الحافظ العسقلاني والذي يظهر لي أنَّ القيراطَ يحصل أيضًا لمن صلَّى فقط؛ لأنَّ كل ما قبل الصَّلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلَّى فقط دون قيراط من شيَّع وصلَّى، وفي رواية مسلم من طريق صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( أصغرهما مثل أحد ) ). وهذا يدلُّ على أنَّ القراريط تتفاوت.
وعند مسلم أيضًا (( من صلَّى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط ) )فدلَّ على أنَّ الصَّلاة فقط تحصل القيراط، وإن لم يكن اتباع، ويمكن أن يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصَّلاة.
(وَمَنْ شَهِدَ) أي الجنازة، كذا في جميع الطُّرق بحذف المفعول، وفي رواية البيهقي (( ومن شهدها ) ) (حَتَّى تُدْفَنَ) ظاهره أنَّ حصول القيراط متوقِّف على الفراغ من الدَّفن بأن يُهال عليها التُّراب، وهو الأصحُّ الأوجه، وعلى ذلك يُحملُ رواية مسلم (( حتَّى توضع في اللَّحد ) ). وقيل يحصل بمجرَّد الوضع في اللَّحد، وقيل عند انتهاء الدَّفن قبل إهالة التُّراب.
وقد وردت الأخبار بكلِّ ذلك، فعند مسلم من طريق معمر في إحدى الرِّوايتين عنه (( حتَّى يفرغ منها ) ). وفي الأخرى (( حتَّى توضع في اللَّحد ) )، وكذا عنده في رواية أبي حازم بلفظ (( حتَّى توضع في القبر ) ). وفي رواية الشَّعبي وابن سيرين (( حتَّى يفرغ منها ) ). وفي رواية أبي حازم عند أحمد (( حتَّى يقضى قضاؤها ) ). وفي رواية أبي سلمة عند التِّرمذي
ج 6 ص 385
(( حتَّى يقضى دفنها ) ). وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أبي عَوانة (( حتَّى يُسوَّى عليها ) )أي التُّراب، وهي أصرح الرِّوايات في ذلك.
(كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ) ظاهره أنَّهما غير قيراط الصَّلاة، وهو ظاهر سياق أكثر الرِّوايات، وبذلك جزم بعض المتقدِّمين. وحكاه ابن التِّين عن القاضي أبي الوليد، لكن رواية الحسن ومحمَّد بن سيرين صريحة في أنَّ الحاصل من الصَّلاة ومن الدَّفن قيراطان فقط حيث رويا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من تبعَ جنازة مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتَّى يُصلَّى عليها ويُفرغ من دفنها، فإنَّه يرجع من الأجر بقيراطين مثل أحد، ومن صلَّى عليها ثمَّ رجع قبل أن تدفن فإنَّه يرجع بقيراط ) ). وقد مرَّ هذا الحديث في باب «اتباع الجنائز من الإيمان» ، من كتاب «الإيمان» [خ¦47] .
فعلى هذا يكون معنى رواية عبد الرَّحمن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان له قيراطان بالأوَّل، وهذا مثل حديث (( من صلَّى العشاء في جماعة، فكأنَّما قام نصف اللَّيل، ومن صلَّى الفجر في جماعة فكأنَّما قام اللَّيل كله ) )أي بانضمام صلاة العشاء.
ومقتضى الأحاديث الواردة في ذلك الباب أنَّ من اقتصر على التَّشييع فلم يصلِّ ولم يشهد الدَّفن فلا قيراط له إلَّا على الطَّريقة التي تقدَّمت في الباب السَّابق عن أبي الوفاء بن عقيل، لكن الحديث الذي أورد تأييدًا لها عن البزَّار ضعيف على ما تقدَّم أيضًا.
وأمَّا التَّقييد بالإيمان والاحتساب فلا بدَّ منه؛ لأنَّ ترتب الثَّواب على العمل يستدعي سبق النيَّة فيه، وبذلك يخرج عن كونه على سبيل المكافأة المجرَّدة، أو على سبيل المحاباة، والله أعلم.
(قِيلَ) له صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ العسقلاني لم يعيَّن في هذه الرِّواية القائل ولا المقول له، وقد بيَّن مسلم في رواية الأعرج هذه المقول له فقال قيل وما القيراطان يا رسول الله؟ وعنده أيضًا في حديث ثوبان رضي الله عنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيراط.
وبيَّن أبو عَوانة في روايته من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة رضي الله عنه القائل أيضًا، ولفظه (( قلت وما القيراط يا رسول الله؟ ) ). ووقع عند مسلم أيضًا أنَّ أبا حازم سأل أبا هريرة رضي الله عنه عن ذلك.
(وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ) وفي رواية ابن سيرين وغيره
ج 6 ص 386
(( مثل أحد ) )، وفي رواية الوليد بن عبد الرَّحمن عند ابن أبي شيبة (( القيراط مثل جبل أحد ) )، وكذا في حديث ثوبان عند مسلم، والبراء عند النَّسائي، وأبي سعيد عند أحمد رضي الله عنهم.
ووقع عند النَّسائي من طريق الشَّعبي (( فله قيراطان من الأجر كلُّ واحد منهما أعظم من أحد ) ). وفي رواية أبي صالح عند مسلم (( أصغرهما مثل أحد ) ). وفي رواية ابن ماجه من حديث أبيِّ بن كعب رضي الله عنه (( القيراطُ أعظم من أحد ) )هذا كأنَّه أشار إلى الجبل عند ذكر الحديث.
وفي حديث واثلة رضي الله عنه عند ابن عديٍّ (( كتب له قيراطان من أجر أخفُّهما في ميزانه يوم القيامة أثقلُ من جبل أحد ) )فأفادت هذه الرِّواية بيان وجه التَّمثيل بجبل أُحد، وأنَّ المراد به زنة الثَّواب المرتَّب على ذلك العمل، وقد مرَّ وجه تخصيص أُحد بالتَّمثيل في الباب السَّابق [خ¦1323] .
وفي الحديث التَّرغيب في شهود الجنازة، والقيام بأمره، والحضُّ على الاجتماع له، والتَّنبيه على عظيم فضل الله تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثير الثَّواب لمن يتولَّى أمره بعد موته.
وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان إمَّا تقريبًا للأفهام، وإمَّا على حقيقته، والله أعلم.
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مدني وبصري وأيلي. ولم يخرج الطَّريق الأوَّل غيره من أصحاب الكتب الستَّة، والطَّريق الثَّاني أخرجه مسلم في الجنائز، وكذا النَّسائي.