فهرس الكتاب

الصفحة 2115 من 11127

1338 - (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بفتح المهملة وتشديد التحتية وبالشين المعجمة، هو ابن الوليد الرَّقام، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابنُ عبد الأعلى

ج 6 ص 407

السَّامي _ بالسين المهملة _ قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَروبة، قال المؤلِّف

(وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بالمعجمة وبالفاء، هو ابن خَيَّاط _ بفتح المعجمة وتشديد التحتية _ قال (حَدَّثَنَا يَزِيد بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي مصغرًا، وفي رواية بحذف «يزيد» ، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَروبة السَّابق ذكره (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة.

(عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَبْدُ) أي المؤمن المخلص (إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ) على البناء للمفعول (وَتَوَلَّى) على البناء للفاعل؛ أي أدبر (وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ) من باب تنازع الفعلين في الفاعل، وقال ابن التِّين إنَّه كرَّر اللَّفظ، والمعنى واحد.

وتعقِّب بأنَّ التَّولي هو الإعراض والإدبار ولا يستلزم الذَّهاب، وقال الحافظ العسقلانيُّ رأيت مضبوطًا بخطٍّ معتمدٍ _ بضم أوله والواو وكسر اللام _ على البناء للمفعول؛ أي تولي أمره؛ أي الميت، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يعتمد على هذا، انتهى فليتأمل.

وفي رواية وهو الموجود في جميع الرِّوايات عند مسلم وغيره.

(حَتَّى إِنَّهُ) أي الميت وهمزة «إنَّ» مكسورة لوقوعها بعد حتَّى الابتدائية كقولهم مرض فلان حتَّى إنَّهم لا يرجونه، قاله الزركشيُّ والبرماويُّ وغيرهما، وزاد الدَّماميني ووجود لام الابتداء المانع من الفتح في قوله (لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) أي نعال النَّاس الذين حول قبره من الذين باشروا دفنه وغيرهم، وقرع النِّعال صوتُها عند المشي، والقرع في الأصل الضَّرب، فكان أصحاب النِّعال إذا ضربوا الأرض بها خرج منها صوتٌ.

(أَتَاهُ مَلَكَانِ) بفتح اللام، وهما المنكر والنَّكير، كما فسَّرا في حديث أبي هريرة وغيره، وسمِّيا بذلك؛ لأنَّ خلقهما لا يشبهُ خلق الآدميين ولا خلقَ الملائكة، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام بل لهما خلقٌ مفردٌ بديعٌ، وليس في خلقتهما أُنسٌ للنَّاظرين إليهما، أسودان أزرقان جعلهما الله تعالى تكرمةً للمؤمن ليثبِّته ويبصِّره، وهتكًا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يُبعَثَ حتَّى يحلَّ عليه العذاب الأليم، أعاذنا الله من ذلك بوجهه الكريم ونبيِّه الرَّؤوف الرَّحيم.

وُسمِّيا أيضًا فتاني القبر؛ لأنَّ في سؤالهما

ج 6 ص 408

انتهارًا وفي خُلُقهما صعوبة.

(فَأَقْعَدَاهُ) أي أجلساه غير فزعٍ، قال الكرمانيُّ وهما مترادفان، وهذا يبطلُ قول من فرق بينهما بأنَّ القعود هو عن قيام والجلوس عن اضطجاع، هذا وأنت خبيرٌ بأنَّ استعمال الإقعاد موضع الإجلاس لا يمنع الفرق المذكور.

(فَيَقُولاَنِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ) بالجر عطف بيان أو بدل من سابقه؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما عبر بعبارة «هذا الرَّجل» التي ليس فيها تعظيمٌ وتوقيرٌ امتحانًا للمسؤول لئلَّا يتلقَّن تعظيمه عن عبارة القائل ولكن يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثَّابت.

(فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ) أي فيقول له الملكان أو غيرهما من الملائكة (انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَرَاهُمَا) أي المقعدَين اللذين أحدهما في الجنَّة والآخر من النَّار أعاذنا الله من النَّار وأدخلنا الجنَّة مع الأبرار.

(وَأَمَّا الْكَافِرُ _ أَوِ الْمُنَافِقُ _) شكٌّ من الرَّاوي، والمراد بالمنافق الذي يُقرُّ بلسانه ولا يصدِّق بقلبه، ولكنَّ الظَّاهر أنَّ الكافر لا يقول المقالة الآتية فيتعيَّن المنافق، كما في رواية التِّرمذي.

(فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ) أي فيقول له الملكان أو غيرهما (لاَ دَرَيْتَ) بفتح الراء (وَلاَ تَلَيْتَ) بالمثناة التحتانية الساكنة بعد اللام المفتوحة، وأصله تلوت _ بالواو _ ويقال تلا يتلو القرآن، لكنَّه قيل «تليت» _ بالياء _ للازدواج مع «دريت» ؛ أي لا كنت داريًا ولا تاليًا، قاله ابن بطَّال.

وقال الزُّمخشري في «الفائق» أي لا علمت بنفسك بالاستدلال، ولا اتَّبعت العلماء بالتَّقليد فيما يقولون؛ أي لم تنتفع بدرايتك ولا باتِّباعك العلماء.

وفي «مسند أحمد» في حديث البراء رضي الله عنه (( لا دريت ولا تلوت ) )؛ أي لم تتل القرآن فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك، كما قال {فلا صدَّق ولا صلَّى} [القيامة 31] ، وقال الدَّاودي معناه لا اتَّبعت الحق، وقال القزَّاز لا اتَّبعت ما تدري.

وقال الخطَّابي هكذا يروي المحدِّثون «تليت» ، وهو غلطٌ، والصَّواب ابتليت، على وزن افتعلت من قولك ما ألوته؛ أي ما استطعته، ويقال لا آلو كذا؛ أي لا أستطيعه.

وقال ابن السكِّيت

ج 6 ص 409

هو افتعلت من قولك ما ألوت هذا؛ أي ما استطعته من أَلَا يألو؛ أي قصَّر، وفلان لا يألوك نصحًا فهو آلٌّ، والمرأة آلية وجمعها أوالٍ.

هذا وقال ابن الأنباريِّ «تليت» غلط، والصَّواب أَتْليت _ بفتح الهمزة وسكون التاء _ يدعو عليه بأن لا تتلى أيله؛ أي لا يكون لها أولاد تتلوها؛ أي تتبعها.

وتعقَّبه ابن السَّراج بأنَّه بعيدٌ في دعاء الملكين للميِّت وأي مال له، وقال القاضي عياض لعلَّ ابن الأنباري رأى أنَّ هذا أصل هذا الدُّعاء، ثمَّ استعمل في غيره كما استعمل غيره من أدعية العرب، والله أعلم.

(ثُمَّ يُضْرَبُ) على البناء للمفعول؛ أي الميت المنافق (بِمِطْرَقَةٍ) بكسر الميم؛ أي مطرقة الحدادين (مِنْ حَدِيدٍ) صفة لـ «مطرقة» ، و «من» بيانية، أو صفة لمحذوف؛ أي من ضارب حديد؛ أي قوي شديد الغضب، والظَّاهر أنَّ الضَّارب هو غير المنكرين، ويجوز أن يكون أحدهما، وقد روى أبو داود في «سننه» ما يدلُّ على الوجهين.

ويدلُّ على الأوَّل ما رواه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنَّما على رؤوسنا الطَّير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال (( استعيذوا باللهِ من عذابِ القبر _ مرَّتين أو ثلاث مرَّات _ وإنَّه يسمع خفقَ نعالهم إذا ولَّوا مدبرين حين يقال له يا هذا من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ قال هَنَّاد ويأتيه ملكان فيجلسانه ... ) ). الحديث، وفيه (( ثمَّ يُقيَّض له أعمى أبكم أصم معه مِرْزَبَّة من حديدٍ لو ضُرِب بها جبل لصار ترابًا، قال فيضربه ضربةً يسمعها من بين المشرق والمغرب إلَّا الثَّقلين فيصير ترابًا، ثمَّ يعاد فيه الرُّوح ) ).

ويدلُّ على الثَّاني ما رواه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل نخلًا لبني النَّجار فسمع صوتًا ففزع فقال (( مَنْ أصحاب هذه القبور؟ ) )قالوا يا رسول الله ناسٌ ماتوا في الجاهليَّة ... الحديث. وفيه (( فيقول له ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول كنت أقول ما يقول النَّاس، فيضربه بمِطْراق من حديدٍ بين أذنيه

ج 6 ص 410

فيصيح صيحةً يسمعها الخلق غير الثَّقلين )) فالمستفاد منه أنَّ الضَّارب هو الملك الذي يسأله، وهو إمَّا المنكر أو النَّكير.

ويمكن التَّوفيق باحتمال أن يكون الضَّرب متعددًا مرَّة من أحد الملكين، ومرَّة من الأعمى الأبكم، والله تعالى أعلم.

(ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي أذني الميت (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) أي من يلي الميت، قيل المراد به الملائكة الذين يلون فتنته ومسألته، وقيل هو أعمُّ من الملائكة وغيرهم من الحيوانات بل من الجمادات، وكلمة «مَن» التي للعقلاء محمولةٌ على التَّغليب، قيل وهو أظهر.

(إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ) أي الجن والإنس سُمِّيا بذلك لثقلهما على الأرض شبههما بثقلي الدَّابة، وعنه صلى الله عليه وسلم (( تركتُ فيكم الثَّقلين كتاب الله وعِتْرَتي ) )سمَّاها بذلك لأنَّ الدين يُعمَر بهما كالأرض تُعمَر بالجنِّ والإنس.

والحكمة في منع الثَّقلين عن سماع صيحة ذلك المعذَّب بمطرقة الحديد أنَّه لو سمعا لارتفعَ الابتلاء وصار الإيمان ضروريًا ولأ عرضوا عن التَّدابير والصَّنائع ونحوهما ممَّا يتوقَّف عليه بقاؤهما.

وإنَّما منعت الجنُّ هذه الصَّيحة ولم تمنع سماع كلام الميت إذا حمل، وقال قدِّموني لأنَّ كلام الميت حين يُحمل إلى قبره في حكم الدُّنيا، واعتبارٌ لمن سمعه وموعظة، فأسمعه الله الجن؛ لأنَّه جعل فيهم قوَّة يثبتون بها عند سماعه ولا يصعقون بخلاف الإنسان الذي كان يصعق لو سمعه، وصيحة الميت في القبر عند فتنته هي عقوبةٌ وجزاء فدخلت في حكم الآخرة فمنع الله تعالى الثَّقلين اللذين هما في دار الدُّنيا سماع عقوبته وجزاءه في الآخرة وأسمعه سائر خلقه، والله أعلم.

وقد أخرج هذا الحديث البخاري [خ¦1374] ومسلم في «صفة النَّار» أيضًا قال حدَّثنا عبد بن حميد حدَّثنا يونس بن محمَّد حدَّثنا سفيان بن عبد الرَّحمن، عن قتادة حدَّثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ العبدَ إذا وضعَ في قبره وتولِّى عنه أصحابه إنَّه يسمعُ قرعَ نعالهم، قال يأتيه ملكان فيُقعدانه فيقولان ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فأمَّا المؤمن فيقول أشهدُ أنَّه عبد الله ورسوله، قال فيقال له انظر إلى مقعدك من النَّار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنَّة، قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعًا، قال قتادة وذكر لنا أنَّه يفسح

ج 6 ص 411

له في قبره سبعون ذراعًا ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون )) . وأخرجه أبو داود والنَّسائي أيضًا.

وعند ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه (( إنَّ الميت يصير إلى القبر فيجلس الرَّجل الصَّالح غير فزعٍ ولا مشعوف، ثمَّ يقال له فيما كنتَ؟ فيقول كنتُ في الإسلام فيقال ما هذا الرَّجل؟ فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبيِّنات من عند الله فصدَّقناه، فيقال له هل رأيتَ الله؟ فيقول لا وما ينبغي لأحدٍ أن يراه فيفرج له فرجةً قبل النَّار فينظر إليها يَحْطُم بعضها بعضًا، فيقال له انظر إلى ما وقاك الله عنه، ثمَّ يفرج له فرجةً قبل الجنَّة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال هذا مقعدُك، ويقال له على اليقين كنت، وعليه متَّ، وعليه تُبعث إن شاء الله تعالى، ويجلس الرَّجل السوء في قبره فزعًا مشعوًا، فيقال له فيمَ كنتَ، فيقول لا أدري، فيقال له ما هذا الرَّجل؟ فيقول سمعتُ النَّاس يقولون قولًا فقلته، فيفرج له فرجةً قبل الجنَّة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له انظر إلى ما صرفَه الله عنك ثمَّ يفرج له فرجةً إلى النَّار فينظر إليها يَحْطُمُ بعضُها بعضًا، فيقال له هذا مقعدُك، على الشَّكِّ كنت، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ) ).

وفي رواية الحاكم (( فإن كان مؤمنًا كانت الصَّلاة عند رأسه وكان الصَّوم عن يمينه وكان الزَّكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصَّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى النَّاس عند رجليه فأيُّ جهةٍ أتى منها يمنع فيمثل له الشَّمس قد دنتْ للغروب، فيقال له ما تقولُ في هذا الرَّجل؟ ) )الحديث مطوَّلًا وقال صحيحٌ ولم يخرجاه.

وفي التِّرمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا قُبِر الميت _ أو قال أحدكم _ أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النَّكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فيقولان قد كنَّا نعلم أنَّك تقول هذا، ثمَّ يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثمَّ ينور له فيه ثمَّ يقال له نم، فيقول أرجعُ إلى أهلي فأخبرهم فيقولان نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلَّا أحب أهله إليه، حتَّى يبعثه الله من مضجعه ذلك، فإن كان منافقًا قال سمعت النَّاس

ج 6 ص 412

يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان قد كنَّا نعلم أنَّك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال معذبًا حتَّى يبعثه الله من مضجعه ذلك )) .

وقال التِّرمذي حديثٌ حسنٌ غريب.

وفي «الأوسط» للطَّبراني وصف الملكين «أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر» . وصياصي البقر قرونها.

وفي رواية ابن حبَّان (( أتدرون فيمن أنزلت هذه الآية {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه 124] هو عذاب الكافر في القبر يسلَّط عليه تسعةٌ وتسعون تنينًا، أتدرون ما التِّنين؟ هو تسعة وتسعون حيَّة لكلِّ حيةٍ تسعة رؤوس ينفخنَ له ويلسعنَه إلى يوم القيامة ) ).

وفي رواية أحمد (( فلو أنَّ تنينًا منها نفخت في الأرض ما أنبتت خضراء ) )، وفي رواية أخرى (( يفتح له باب إلى النَّار وتسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخَ أحدهم على الدُّنيا ما أنبتت شيئًا تنهشه وتؤمر الأرض فتنضم عليه حتَّى تختلف أضلاعه ) ).

وفي هذه الأحاديث إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السُّنة والجماعة، وأنكر ذلك ضرار بن عمرو وبشر المريسي وأكثر المتأخِّرين من المعتزلة.

واحتجُّوا في ذلك بقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] ؛ أي لا يذوقون في الجنَّة موتًا سوى الموتة الأولى ولو صاروا أحياء في القبور لذاقوا مرَّتين لا موتةً واحدةً، وبقوله تعالى {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر 22] فإنَّ الغرض من سياق الآية تشبيه الكفرة بأهل القبور في عدم الإسماع.

هذا من جهة النَّقل وأمَّا من جهلة العقل فقالوا إنَّا نرى أشخاصًا يصلب ويبقى مصلوبًا إلى أن تذهب أجزاءه، ولا نشاهد فيه إحياء ومساءلة، والتَّوهم بها مع المشاهدة سفسطة ظاهرةٌ وأبلغ منه من أكلته السِّباع والطُّيور وتفرَّقت أجزاؤه في بطونها وحواصلها وأبلغ منه من أحرق حتَّى تفتت وذرى أجزاؤه المفتتة في الرِّياح العاصفة شمالًا وجنوبًا وقبولًا ودبورًا فإنَّا نعلم عدم إحيائه ومسألته وعذابه ضرورة.

ولنا معاشر أهل السُّنة آيات منها قوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} الآية [غافر 46] . عَطَفَ في هذه الآية عذاب القيامة على العذاب الذي هو عرض النَّار صباحًا ومساء فعلم أنَّه غيره.

ولا شبهة في كونه قبل الإنشار من القبور. كما يدلُّ عليه نظم الآية بصريحه، وما هو كذلك ليس غير عذاب القبر اتفاقًا؛ لأنَّ الآية وردت في حقِّ الموتى فهو هو، ولأجل ذلك ذهب ابن [1] العلاف وبشر بن المُعتَمر إلى أنَّ الكافر يعذَّب فيما بين النَّفختين أيضًا،

ج 6 ص 413

وإذا ثبت التَّعذيب ثبت الإحياء والمسألة؛ لأنَّ كلَّ من قال بعذاب القبر قال بهما.

وأمَّا ما ذهب إليه الصَّالحي من المعتزلة وابن جرير الطَّبري وطائفةٌ من الكراميَّة من تجويز ذلك التَّعذيب على الموتى من غير إحياءٍ فخروج عن المعقول؛ لأنَّ الجماد لا حسَّ له فكيف يتصوَّر تعذيبه، وما ذهب إليه بعض المتكلِّمين من أنَّ الآلام تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف من غير إحساسٍ بها، فإذا حُشِروا أحسُّوا بها دفعةً واحدةً فهو إنكارٌ للعذاب قبل الحشر فيبطل بما قرَّرناه من ثبوته قبله.

ومنها قوله تعالى حكايةٌ على سبيل التَّصديق {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر 11] وما المراد بالإماتتين والإحياءتين في هذه الآية إلَّا الإماتة قبل مزار القبور، ثمَّ الإحياء في القبر، ثمَّ الإماتة فيه أيضًا بعد مسألة منكر ونكير، ثمَّ الإحياء للحشر هذا هو الشَّائع المستفيض بين أصحاب التَّفسير، وتمام البحث في هذه الآية في «شرح المواقف» .

ولنا أيضًا أحاديث صحيحة دالَّة على عذاب القبر أكثر من أن تحصى بحيث تواتر القدر المشترك، وإن كان كلُّ واحدٍ منها من قبيل الآحاد.

منها ما سبق ذكره. ومنها حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه أخرجه مسلم مطولًا، وفيه (( تعوَّذوا بالله من عذاب القبر ) ).

ومنها حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجه الستَّة عنه [خ¦218] قال مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنَّهما ليعذَّبان وما يعذَّبان في كبيرةٍ بل لأنَّ أحدهما كان لا يستنزهُ من البول، وأمَّا الثَّاني فكان يمشي بالنَّميمة، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم (( استنزهوا من البول فإنَّ عامَّة عذاب القبر منه ) ).

ومنها حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه أخرجه الطَّحاوي وغيره عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بعبدٍ من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدةٍ فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتَّى صارت واحد فامتلأ قبره عليه نارًا.

ومنها حديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم عنه قال لا أقولُ لكم إلَّا ما سمعتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من العجزِ والكسلِ والجبنِ والبخلِ وعذاب القبر ) ).

ومنها حديث أبي بكرة رضي الله عنه أخرجه النَّسائي عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقول في إثر الصَّلاة

ج 6 ص 414

(( اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكفرِ والفقر وعذاب القبر ) ).

ومنها ما روى التِّرمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث عبد الله بن عَمرو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتَّاني القبر فقال عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه أترد لنا عقولنا يا رسول الله؟ قال (( نعم كهيئتكم اليوم ) )فقال عمر في فِيْهِ الحجر.

ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما وسيأتي في هذا الصَّحيح [خ¦1373] .

ومنها حديث أمِّ مبشر رضي الله عنها أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» قالت دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنا في حائطٍ من حوائطِ بني النَّجار فيه قبور منهم، قد ماتوا في الجاهلية، قالت فخرج فسمعتُه، يقول (( استعيذِي بالله من عذابِ القبر ) )قلتُ يا رسول الله وللقبرِ عذاب، قال (( إنَّهم ليعذبون عذابًا في قبورهم تسمعُهم البهائم ) ).

ومنها ما رواه عبد الرَّحمن بن حسنة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده الدَّرقة فوضعها ثمَّ جلسَ فبال إليها فقال بعضهم انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمعه النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( ويحكَ أما علمتَ ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البولُ قرضوه بالمقاريض، فنهاهم، فعُذِّب في قبره ) )أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» .

ومنها حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم في يومٍ شديد الحرِّ ببقيع الغرقد قال وكان النَّاس يمشون خلفه قال فلمَّا سمع صوت النِّعال وقى ذلك في نفسه فجلس حتَّى قدَّمهم أمامه فلمَّا مرَّ ببقيع الغرقد إذا بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين قال فوقف النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( من دفنتم هاهنا اليوم ) )قالوا فلان وفلان قالوا يا نبيَّ الله وما ذاك؟ قال (( أمَّا أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأمَّا الآخر فكان يمشي بالنَّميمة ) )وأخذ جريدةً رطبةً فشقَّها ثمَّ جعلها على القبر، قالوا يا نبي الله حتَّى متى هما يعذَّبان؟ قال (( غَيْبُ الله لا يعلمه إلَّا الله ولولا تمزع قلوبكم وتزيدكم في الحديثِ لسمعتم ما أسمع ) )رواه أحمد واللَّفظ له وابن ماجه. ومنها غير ما ذكر. والجواب عن استدلالهم بقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] أنَّ ذلك وصفٌ لأهل الجنَّة، والضَّمير في «فيها» للجنَّة؛ أي لا يذوق أهل الجنَّة في الجنَّة الموت فلا ينقطع نعيمهم، كما انقطع نعيم أهل الدُّنيا بالموت فلا دَلالة في الآية على انتفاء موتةٍ أخرى بعد المسألة وقبل دخول الجنَّة.

وأمَّا قوله تعالى {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] فهو تأكيدٌ لعدم موتهم في الجنَّة على سبيل التَّعليق بالمحال كأنَّه قيل لو أمكن ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا في الجنَّة الموتَ لكنَّه لا يمكن بلا شبهةٍ فلا يتصوَّر موتهم فيها.

وقد يقال إلَّا الموتة الأولى للجنس لا للوحدة وإن كانت الصِّيغة للواحد نحو {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر 2] وليس فيها نفي تعدُّد الموت؛ لأنَّ الجنس يتناول المتعدِّد أيضًا بدليل أنَّ الله تعالى أحيا كثيرًا من الأموات في زمان موسى وعيسى وغيرهما عليهم السَّلام وذلك يوجب تأويل الآية بما ذكرنا.

وأمَّا الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر 22] فهو أنَّ عدم إسماع أهل القبور لا يستلزم عدم إدراكهم على أنَّ الآية لا تنفي سماع أهل القبور، كما لا يخفى على من تأمَّل في سياق الآية.

وأمَّا الجواب عن دليلهم العقليِّ فهو أنَّ المصلوب لا بُعْدَ في الإحياء فيه، والمسألة مع عدم المشاهدة كما في صاحب السَّكتة فإنَّه حيٌّ مع أنَّا لا نشاهد حياته، وكما في رؤية النَّبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام وهو بين أظهر أصحابه مع ستره عنهم، ولا بعد في ردِّ الحياة إلى بعض

ج 6 ص 415

أجزاء البدن فتختصُّ بالإحياء والمساءلة والعذاب وإن لم يكن ذلك مشاهدًا لنا.

على أنَّ التَّمسك بتفرُّق الأجزاء مبني على اشتراط البنية وهو ممنوعٌ عندنا، فلا بُعد في أن تعاد الحياة إلى الأجزاء المتفرِّقة في المشارق والمغارب، وإن كان خلاف العادة، فإنَّ خوارق العادة غير ممتنعةٍ في مقدور الله تعالى على أن تعلُّق الرُّوح بالبدن ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في آخر، والله أعلم.

ثمَّ إنَّه أنكر الجبائي وابنه والبلخي تسمية الملكين بالمنكر والنَّكير، وقالوا إنَّما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سُئل، والنكير إنَّما هو تقريع الملكين، ويردُّ عليهم ذلك بالحديث الذي فسَّر فيه الملكان بهما.

وفي حديث الباب أيضًا جواز لبس النَّعل لزائر القبور الماشي بين ظهرانيها، وذهب أهل الظَّاهر إلى كراهة ذلك، وبه قال يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل.

وقال ابن حزم ولا يحلُّ لأحدٍ أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين وهما اللذان لا شعر عليهما، فإن كان في أحدهما شعر جاز المشي فيهما.

وفي «المغني» ويخلع النِّعال إذا دخل المقابر وهذا مستحبٌّ.

واحتجَّ هؤلاء بحديث بشير ابن الخصاصية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يمشي بين القبور في نعلين فقال (( ويحك يا صاحب السَّبتيتين ألق سبتيتيك ) )رواه الطَّحاوي، وأخرجه أبو داود وابن ماجه بأتمَّ منه، وأخرجه الحاكم، وصحَّحه ابن حزم.

والخصاصية أمُّه، واختلف في اسم أبيه، فقيل بشير بن نذير، وقيل ابن سعيد بن شراحيل.

وقال جمهور العلماء بجواز ذلك، وهو قول الحسن وابن سيرين والنَّخعي والثَّوري وأبي حنيفة ومالك والشَّافعي وجماهير الفقهاء من التَّابعين ومن بعدهم.

وأُجيب عن حديث ابن الخصاصية بأنَّه إنَّما اعترض عليه بالخلع احترامًا للمقابر، وقيل لاختياله في مشيه.

وقال الطَّحاوي إنَّ أمره صلى الله عليه وسلم بالخلع لا لكون المشي بين القبور بالنِّعال مكروهًا، ولكن لما رأى صلى الله عليه وسلم قذرًا فيهما يقذرُ القبور أمرَ بالخلع، وقال الخطَّابي يشبه أن يكون إنَّما كره ذلك؛ لأنَّه فعل أهل التَّنعُّم والسِّعة فأحبَّ أن يكون دخوله المقابر على زيِّ التَّواضع والخشوع.

وقال ابن الجوزيِّ ليس في الحديث سوى الحكاية عمَّن يدخل

ج 6 ص 416

وذلك لا يقتضي إباحة ولا تحريمًا، ويدلُّ على أنَّه أمره بالخلع احترامًا للقبور أنَّه نهى عن الاستناد إليه والوطء عليه، والجلوس عليه توقيرٌ للميت إلَّا لحاجةٍ كأن لا يصل إليه إلَّا بوطئه.

وفي بعض الأحاديث أنَّ صاحب القبر كان يسأل فلمَّا سمع صرير السَّبتيتين أصغى إليه فكاد أن يَهْلِك بعدم الجواب، فقال له صلى الله عليه وسلم (( ألقهما لئلَّا تؤذي صاحب القبر ) )ذكره أبو عبد الله التِّرمذي.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لَأن أطأَ على جمرة أحبُّ إليَّ من أن أطأَ على قبرِ مسلم، رواه الطَّبراني في «الكبير» بإسناد حسن.

وعن عمارة بن حزم رضي الله عنه قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا على قبر فقال (( يا صاحبَ القبر انزل من على القبر لا تؤذِي صاحبَ القبر ولا يؤذيك ) )رواه الطَّبراني في «الكبير» أيضًا.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لَأن أمشيَ على جمرة، أو سيف، أو أخصفَ نعلي برجلي أحبُّ إليَّ من أن أمشيَ على قبر ) ).

وأمَّا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( لأَن يجلسَ أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه فتخلصَ إلى جلده خيرٌ له من أن يجلسَ على قبر ) )فقيل إنَّ معناه يتغوَّط ويبول، والله أعلم.

ثمَّ إنَّ بعد الفراغ من السُّؤال ماذا يكون حال الميت؟

قال العلماء إن كان سعيدًا كان روحه في الجنَّة أو تحت العرش على اختلاف الرِّواية، وإن كان شقيًّا ففي سِجِّينٍ على صخرة على شفير جهنَّم في الأرض السَّابعة.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما يكون قومٌ في برزخ ليسوا في جنَّة ولا نار ويدلُّ عليه قصة أصحاب الأعراف، وهم والله أعلم أصحاب الكبائر.

ثمَّ إنَّ الله تعالى أعلم بما يقال لهم في القبر مِن قول نَمْ صالحًا أو يسكت عنه.

وقيل إنَّ أرواح السُّعداء تطلعُ على قبورها وأكثر ما يكون من ذلك ليلة الجمعة ويومها وليلة السَّبت إلى طلوع الشَّمس، وأنَّهم يعرفون أعمال الأحياء وأنَّهم يسألون من مات من السُّعداء ما فعل فلان، فإن ذكر خيرًا يقولون اللَّهمَّ ثِّبته وإن كان غيره يقولون اللَّهمَّ راجع به عنه، وإن قيل لهم مات وقيل ألم يأتكم؟ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون سُلِك به غير طريقنا، هُوِيَ به إلى أمه الهاوية، وقيل إنَّهم إذ كانوا على قبورهم يسمعون من يُسلِّم فلو أُذِن لهم لردُّوا السَّلام.

فائدة روى أحمد بإسنادٍ رجاله محتجٌّ بهم في «الصَّحيح» عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد بعد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنَّما على رؤوسنا الطَّير، وبيده عودٌ ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال

(( تعوَّذوا بالله من عذاب القبر _ مرَّتين أو ثلاثًا ثمَّ قال _ إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السَّماء بيضُ الوجوه، كأنَّ وجوههم الشَّمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنَّة وحنوط من حنوط الجنَّة، حتَّى يجلسوا منه مدَّ البصر، ويجيء ملك الموت عليه السَّلام حتَّى يجلس عند رأسه فيقول أيَّتها النَّفس الطَّيبة اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان، قال فتخرج فتسيل

ج 6 ص 417

كما تسيل القطرة من فِيِّ السِّقاء فأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتَّى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسكٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرُّون على ملأٍ من الملائكة إلَّا قالوا ما هذا الرُّوح الطَّيِّب؟ فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمَّى بها في الدُّنيا حتَّى ينتهوا بها إلى السَّماء الدُّنيا فيستفتحون لهم فيفتح لهم، فيشيعه من كلِّ سماءٍ مقربوها إلى السَّماء التي تليها، حتَّى ينتهي بها إلى السَّماء السَّابعة.

فيقول الله عزَّ وجلَّ اكتبوا كتاب عبدي في علِّيين وأعيدوه إلى الأرض في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربُّك؟ فيقول ربِّي الله، فيقولان ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان ما هذا الرَّجل الذي بُعِث فيكم فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان ما يدريك؟ فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته، فينادي منادٍ من السَّماء أن صدقَ عبدي فأفرشوه من الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة.

قال ويأتيه رجلٌ حسنَ الوجه، حسن الثِّياب، طيب الرَّائحة، فيقول أبشر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول أنا عملك الصَّالح فيقول رب أقم السَّاعة، رب أقم السَّاعة، حتَّى أرجعَ إلى أهلي ومالي.

وإنَّ العبد الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكةٌ سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثمَّ يجيء ملك الموت حتَّى يجلسَ عند رأسه، فيقول أيَّتها النَّفس الخبيثة اخرجي إلى سَخَطٍ من الله وغضبه، فتفرَّقَ في جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصُّوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتَّى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن جيفة وُجِدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرُّون بها على ملأ من الملائكةِ إلَّا قالوا ما هذه الرِّيح الخبيثة؟ فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمَّي بها في الدُّنيا حتَّى ينتهيَ به إلى السَّماء الدُّنيا فتستفتح له فلا تفتح له.

ثمَّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 6 ص 418

{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف 40] فيقول الله عزَّ وجلَّ اكتبوا كتابه في سجِّين في الأرض السُّفلى ثمَّ تطرح روحه طرحًا، ثمَّ قرأ {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج 31] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له من ربُّك؟ فيقول هاه هاه لا أدري.

قال فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري، قال فيقولان له ما هذا الرَّجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السَّماء أن كذبَ فافرشوه من النَّار وافتحوا له بابًا إلى النَّار، فيأتيه من حرِّها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتَّى تختلفَ فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه قبيح الثِّياب منتن الرِّيح، فيقول أبشرْ بالذي يسوءكَ، هذا يومك الذي كنتَ توعد، فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشَّرِّ، فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم السَّاعة )) .

وفي رواية له بمعناه وزاد (( فيأتيه آتٍ قبيح الوجه قبيح الثِّياب منتن الرِّيح فيقول أبشر بهوانٍ من الله وعذابٍ مقيم، فيقول فبشرك الله بالشر، من أنت؟ فيقول أنا عملك الخبيث، كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصيته، فجزاك الله شرًّا، ثمَّ يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مِرْزبَّة لو ضُرِب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثمَّ يعيده الله كما كان فيضربه ضربةً أخرى، فيصيح صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلَّا الثَّقلين ) ).

قال البراء رضي الله عنه (( ثمَّ يفتح له باب من النَّار ويمهد له من فرش النَّار»، وقد رواه عيسى بن المسيب عن عديِّ بن ثابت، عن البراء رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه اسم الملكَين فقال في ذكر المؤمن «فيرد إلى مضجعه، فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويلحفان الأرض بأشفاههما فيجلسانه، ثمَّ يقال له يا هذا من ربُّك ... ) )فذكره.

وقال في ذكر الكافر (( فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويلحفان الأرض بأشفاههما، أصواتهما كالرَّعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه، ثمَّ يقال له يا هذا من ربُّك؟ فيقول لا أدري فيُنادي من جانب القبر لا دريتَ، ويضربانه بمرزبةٍ من حديدٍ، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلُّوها، يشتعل

ج 6 ص 419

منها قبره نارًا، ويضيق عليه حتَّى تختلفَ أضلاعه )) .

قوله «هاه هاه» ، هي كلمةٌ تقال في الضَّحك وفي الإبعاد، وقد يقال للتَّوجع وهو أليق بمعنى الحديث.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ المؤمن إذا قُبِض أتته ملائكة الرَّحمة بحريرةٍ بيضاء فيقولون اخرجي إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح المسك حتَّى إنَّه ليناوله بعضهم بعضًا فيشمُّونه حتَّى يأتون به باب السَّماء، فيقولون ما هذه الرِّيح الطيبة التي جاءت من الأرض، ولا يأتون سماء إلَّا قالوا مثل ذلك، حتَّى يأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون دعوه حتَّى يستريح فإنَّه كان في غمِّ الدُّنيا فيقولون ما فعل فلان؟ فيقول قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون ذُهِب به إلى أمِّه الهاوية ) )الحديث رواه ابن ماجه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الميِّت إذا وضع في قبره إنَّه يسمع خفق نعالهم حين تولَّوا مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصَّلاة عند رأسه، وكان الصِّيام عن يمينه، وكانت الزَّكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصَّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى النَّاس عند رجليه، فيؤتَى من قِبَل رأسه فتقول الصَّلاة ما قبلِي مدخلٌ، ثمَّ يؤتى عن يمينه فيقول الصِّيام ما قبلِي مدخل، ثمَّ يؤتى عن يساره فتقول الزَّكاة ما قبلي مدخلٌ، ثمَّ يؤتى من قبل رجليهِ، فيقول فعلُ الخيرات من الصَّدقة والصِّلة والمعروف والإحسان إلى النَّاس ما قبلي مدخل، فيقول اجلسْ فيجلس قد مُثِّلت له الشَّمس وقد آذنت للغروب، فيقال له أرأيتُك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه وماذا تشهدُ عليه؟ فيقول دعوني حتَّى أصلِّي، فيقولون إنَّك ستفعل أخبرنا عمَّا نسألك عنه، أرأيتك هذا الرَّجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهدُ عليه؟ قال فيقول محمد أشهدُ أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنَّه جاء بالحقِّ من عند الله، فيقال له على ذلك حييتَ، وعلى ذلك متَّ، وعلى ذلك تبعثُ إن شاء الله تعالى.

ثمَّ يفتح له باب من أبواب الجنَّة فيقال هذا مقعدك منها، وما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غبطةً وسرورًا،

ج 6 ص 420

ثمَّ يفتح له بابٌ من أبواب النَّار فيقال له هذا مقعدك وما أعدَّ الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطةً وسرورًا، ثمَّ يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له ويعاد الجسد لما بدئ منه، فتجعل نسمته [2] في النَّسَم الطَّيب، وهي طيرٌ تَعْلُق [3] في شجر الجنَّة، فذلك قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} [إبراهيم 27] .

وإنَّ الكافر إذا أُتِيَ من قِبَل رأسه لم يوجد شيءٌ ثمَّ أُتِيَ عن يمينه فلا يوجد شيءٌ ثمَّ أُتِيَ عن شماله فلا يوجد شيء، ثمَّ أُتِيَ من قبل رجليه فلا يوجد شيءٌ، فيقال له اجلس فيجلس مرعوبًا خائفًا فيقال أرأيتك هذا الرَّجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه؟ فيقول أي رجل؟ ولا يهتدي لاسمه، فيقال له محمد، فيقول لا أدري سمعت النَّاس قالوا قولًا فقلتُ كما قال النَّاس، فيقال له على ذلك حييت، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاء الله تعالى.

ثمَّ يفتح له باب من أبواب النَّار، فيقال له هذا مقعدك من النَّار، وما أعدَّ الله لك فيها فيزداد حسرةً وثبورًا، ثمَّ يفتح له بابٌ من أبواب الجنَّة فيقال له هذا مقعدُك منها وما أعدَّ الله لك فيها لو أطعتَه، فيزداد حسرة وثبورًا، ثمَّ يضيق عليه قبره حتَّى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضَّنكة التي قال الله تعالى {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه 124] )) .

رواه الطَّبراني في «الأوسط» وابن حبَّان في «صحيحه» واللفظ له وزاد الطَّبراني قال أبو عمر _ يعني الضرير _ قلت لحماد بن سلمة كان هذا من أهل القبلة قال نعم. قال أبو عمر كأنَّه شهد بهذه الشَّهادة على غير يقينٍ يرجع إلى قلبه، كان يسمع النَّاس يقولون شيئًا فيقوله.

وفي رواية الطَّبراني (( يؤتى الرَّجل في قبره فإذا أُتِيَ من قِبَل رأسه دفعته تلاوة القرآن، وإذا أُتِيَ من قِبَل يديه دفعته الصَّدقة، وإذا أُتِيَ من قِبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد ... ) )الحديث.

وقد رويَ عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ما من مسلمٍ يموتُ يوم الجمعة أو ليلةَ الجمعة إلَّا وقاهُ الله فتنةَ القبر ) )رواه التِّرمذي وغيره.

وقال التِّرمذي حديث غريب وليس إسناده بمتصلٍ.

[1] في المخطوط أبو، وهو خطأ، فهو ابن العلاف أبو الهذيل.

[2] في هامش الأصل النَّسَمة بفتح النون والسين، هي الروح. منه.

[3] في هامش الأصل قوله تعلق بضم اللام أي تأكل. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت