121 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) بفتح المهملة وتشديد الجيم، هو ابن مِنْهال _ بكسر الميم وسكون النون _ الأنماطي الدلال، وقد مر في باب «ما جاء أن الأعمال بالنية» [خ¦55] .
(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) بضم الميم وكسر الراء، أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق الثقة، مات سنة عشرين ومئة، روى له الجماعة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم _ بفتح الهاء وكسر الراء _ ابن عمرو بن جرير، وقد تقدم في باب «الجهاد من الإيمان» [خ¦36] .
(عَنْ) جده (جَرِيرٍ) بن عبد الله البجلي _ بالموحدة والجيم المفتوحتين _ كان سيدًا مطاعًا بديع الجمال، كبير القدر، طويل القامة بحيث يصل إلى سنام البعير وكان نعله ذراعًا، وقد مر في باب «الدين النصيحة» [خ¦57] .
وفي هذا الإسناد رواية الابن عن جده وإن رواته ما بين كوفي وواسطي وبصري، وقد أخرج متنه المؤلف في «المغازي» [خ¦4405] ، وفي «الفتن» [خ¦7080] ، وفي «الديات» أيضًا [خ¦6869] . وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، والنسائي في «العلم» وفي «المحاربة» ، وابن ماجه في «الفتن» ، وهذا قطعة من حديث أبي بكرة في كتاب «العلم» في موضعين أحدهما في باب «رب مبلغ أوعى من سامع» [خ¦67] [خ¦105] .
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ) أي لجرير كما عند المؤلف في «حجة الوداع» [خ¦4405] (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الحاء والواو على المشهور، وسميت بحجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودَّع الناس فيها (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) هو أمر من الاستنصات الذي هو استفعال من الإنصات ومثله قليل، إذ الغالب أن الاستفعال مبني من الثلاثي، ويمكن أن يكون من نصت نصتًا، ومعناه طلب السكوت وهو متعد، والإنصات جاء لازمًا ومتعديًا يقال أنصتوه وأنصتوا له لا أنه جاء بمعنى الإسكات، فافهم.
هذا وقد ادعى بعضهم أن لفظة «له» في قوله «قال له» في حجة الوداع منكرة معللًا بأن جريرًا أسلم بعد حجة الوداع بنحو من شهرين، وقد جزم ابن عبد البر بأنه أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا، وتوقف المنذري في ذلك لثبوتها من الطرق الصحيحة، وقد قال
ج 1 ص 689
البغوي وابن حبان وغيرهما أنه أسلم في رمضان سنة عشر، ويقوي ثبوتها رواية المؤلف لهذا الحديث في باب «حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجرير» [خ¦4405] .
(فَقَالَ) بعدما أنصتوا (لاَ تَرْجِعُوا) أي لا تصيروا، قال ابن مالك (رجع) هنا استعمل استعمال (صار) معنىً وعملًا فيرفع الاسم وينصب الخبر، (بَعْدِي) أي بعد فراق موقفي هذا أو بعد انتقالي من الدنيا، كأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور النبوة أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته، وقيل معناه خلافي؛ أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به.
(كُفَّارًا) نصب على أنه خبر (لا ترجعوا) لأنه بمعنى لا تصيروا كما عرفت (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) أي يضرب طائفة منكم رقاب طائفة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يقبل التوزيع، ولفظ «يضربُ» برفع الباء وهو الرواية التي رواها المتقدمون والمتأخرون، وفيه وجوه أحدهما أن يكون صفة للكفار؛ أي لا تصيروا بعدي كفارًا متصفين بهذه الصفة القبيحة، والثاني أن يكون حالًا من ضمير «ترجعوا» ، والثالث أن يكون جملة استئنافية كأنه قيل كيف يكون ذلك فقال يضرب بعضكم رقاب بعض، وعلى كل تقدير يحتمل أن يُحمَل الكلام على الحقيقة باستحلالهم القتال مع المسلمين، وأن يحمل على التشبيه بحذف أداته.
قال المظهري في «شرح المصابيح» (يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ولا تحاربوا المسلمين ولا تأخذوا أموالهم بالباطل) .
وقال محيي السنة (أي لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين) ، وقال النووي(قيل في معناه ستة أقوال أخر
أحدها أن ذلك كفر في حق من استحل المقاتلة بغير حق.
ثانيها المراد كفرٌ النعمة وحق الإسلام.
ثالثها أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.
رابعها أنه حقيقة الكفر، ومعناه دوموا مسلمين.
خامسها وقد حكاه الخطابي أن المراد بالكفار المتكفِّرون بالسلاح يقال تكفَّر الرجل بسلاحه إذا لبسه ويقال للابس السلاح كافر.
سادسها معناه لا يكفر
ج 1 ص 690
بعضكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا).
وجوز جزم «يضربْ» على أنه بدل من «لا ترجعوا» أو على أنه جواب شرط محذوف على مذهب الكسائي؛ أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، أو على أنه جواب النهي _ على مذهب من يجوِّز _ لا تكفر تدخل النار.
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلمين، قال الله تعالى {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات 2] فيجب الإنصات عند قراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما يجب له صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ورثة الأنبياء وهم الذين يحيون سنته ويقومون بشريعته، ومنها تحذير الأمة من وقوع ما يحذر منه.