فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 11127

1360 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو إمَّا ابن راهويه، وإمَّا ابن منصور ولا قدح في الإسناد بهذا اللبس؛ لأنَّ كلاًّ منهما بشرط البخاري قاله الكرمانيُّ، قال (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف القرشيِّ الزُّهري مات في قرب دجلة واسط في شوال سنة ثمان ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بن سعد أبو إسحاقٍ الزُّهري كان على قضاء بغداد ومات بها سنة ثلاث وثلاثين ومائة (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان الغفاري أبو الحارث، ويقال أبو محمد، مات بعد الأربعين ومائة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بضم الميم وفتح السين المهملة وفتح المثناة التحتية على المشهور. وقيل بكسرها، ابن حزن، ضد السهل، والمسيب وأبوه صحابيَّان هاجرا إلى المدينة، وكان المسيب ممَّن بايع تحت الشَّجرة، وكان رجلًا تاجرًا

ج 6 ص 487

يروى له سبعة أحاديث للبخاريِّ منها ثلاثة.

وقال الذَّهبي المسيَّب بن حزن بن أبي وهب المخزومي له صحبة، يروي عنه ابنه، أسلم بعد خيبر، وحزن له هجرة، وكان أحد الأشراف، وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه.

(عَنْ أَبِيهِ) المسيب بن حَزْن _ بفتح المهملة وسكون الزاي وبالنون _ (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) أي علاماتها، وذلك قبل النَّزع، وإلَّا لما كان ينفعه الإيمان لو آمن، يدلُّ عليه محاورته للنَّبي صلى الله عليه وسلم ولكفَّار قريش، قاله الكرمانيُّ والبرماويُّ.

ويحتمل أن يكون انتهى إلى النَّزع لكن رجا النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا أقرَّ بالتَّوحيد، ولو في تلك الحالة أنَّ ذلك ينفعه بخصوصه، ويؤيِّد الخصوصيَّة أنَّه بعد أن امتنع شفع له حتَّى خفَّف عنه العذاب بالنِّسبة إلى غيره، والله أعلم.

وأبو طالب اسمه عبد مناف، قاله غير واحدٍ، وقال الحاكم تواترت الأخبار أنَّ اسمه كنيته، قال ووجد بخطِّ عليٍّ رضي الله عنه الذي لا شكَّ فيه، وكتب علي بن أبي طالب.

وقال أبو القاسم المغربي الوزير اسمه عمران.

(جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ) كان كنيته أبو الحكم، وكنَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي جهلٍ، واسمه عَمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي.

ويقال له ابن الحنظليَّة واسمها أسماء بنت سلامة بن مخرمة، وكان أحول مأبونًا وكان رأسه أوَّل رأس جُزَّ في الإسلام، فيما ذكره ابن دُرَيد في «وشائحه» ، مات على الكفر.

(وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) بضم الهمزة (ابْنِ الْمُغِيرَةِ) وأمُّه عاتكة عمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد العداوة للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين ثمَّ أسلم يوم الفتح وتوفي شهيدًا بالطَّائف.

ويحتمل أن يكون المسيب شهد هذه القصَّة حال كفره، ولا يلزم من تأخُّر إسلامه أن لا يكون ذلك كما شهد بها عبد الله بن أبي أميَّة.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية بدون الفاء (لأَبِي طَالِبٍ يَا عَمِّ) وفي رواية ويجوز إثبات الياء وحذفها (قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً) نصب إما على البدلية أو على الاختصاص (أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) والجملة صفة «كلمة» ، وفي رواية .

(فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي أتعرض(عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 6 ص 488

يَعْرِضُهَا)بفتح الياء التحتية وكسر الراء (عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ) أي أترغب عن ملَّة عبد المطلب.

قال القاضي عياض وفي نسخة ؛ يعني أبا جهل وعبد الله، وقال أيضًا في جميع الأصول يعني أبا طالب. ووقع في مسلم (( لولا تعيرني قريش يقولون إنَّما حمله على ذلك الجزع ) )بالجيم والزاي وهو الخوف، وذهب الهروي والخطَّابي فيما رواه عن ثعلبٍ أنَّه بخاء معجمة وزاي مفتوحتين، قال القاضي عياض ونبهنا غير واحدٍ أنَّه الصَّواب، ومعناه الضَّعيف والحذر.

(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) أي في آخر أزمنة تكليمه إيَّاهم (هُوَ) أي أبو طالبٍ، وهو إمَّا عبارة أبي طالبٍ وأراد به نفسه، وإما عبارة الرَّاوي ولم يحكِ كلامه بعينه لقبحه وهو من التَّصرفات الحسنة.

(عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا) حرف تنبيه، وقيل بمعنى حقًّا (وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي كما أستغفر إبراهيم عليه السَّلام لأبيه.

(مَا لَمْ أُنْهَ) بضم الهمزة مضارع مجهول مجزوم من النَّهي (عَنْكَ) وفي رواية غير الكُشميهني أي عن الاستغفار الدَّال عليه قوله «لأستغفرنَّ لك» (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ) أي في أبي طالبٍ أو في الاستغفار ( {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية) وفي رواية فحذف لفظ «ما كان للنبي» ؛ أي {ما كان للنَّبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} ؛ أي ما كان ينبغي له ولهم الاستغفار للمشركين.

وقال الثَّعلبي قال أهل المعاني ما يأتي في القرآن على وجهين بمعنى النَّفي، كقوله تعالى {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل 60] {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران 145] والآخر بمعنى النَّهي كقوله تعالى {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب 53] وهي في حديث أبي طالبٍ نهي.

وتأوَّل بعضهم الاستغفار هنا بمعنى الصَّلاة، وقال الواحديُّ سمعتُ أبا عثمان الحيري سمعتُ أبا الحسن بن مِقْسم سمعتُ أبا إسحاق الزَّجاج يقول في هذه الآية أجمع المفسِّرون أنَّها نزلت في أبي طالبٍ.

وفي «معاني الزَّجاج» يروى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عرض على أبي طالبٍ الإسلام عند وفاته وذكر له وجوب حقِّه عليه، فأبى أبو طالبٍ، فقال صلى الله عليه وسلم (( لأستغفرنَّ لك حتَّى أُنهى عن ذلك ) )، ويروى (( أنَّه استغفر لأمِّه ) )، وروي (( أنَّه استغفر لأبيه وأنَّ المؤمنين ذكروا محاسن آبائهم في الجاهليَّة وسألوا أن يستغفروا لآبائهم لما كان من محاسن كانت لهم،

ج 6 ص 489

فأعلم اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّ ذلك لا يجوز فقال {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا} الآية [التوبة 113] )) .

وذكر الواحديُّ من حديث موسى بن عبيدة قال أنبأنا محمد بن كعب القرظي، قال بلغني أنَّه لمَّا اشتكى أبو طالبٍ شكواه التي قُبِض فيها قالت له قريش أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنَّة التي ذكرها ما يكون لك شفاء، فأرسل إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله حرَّمها على الكافرين طعامها وشرابها» ، ثمَّ أتاه فعرض عليه الإسلام، فقال لولا أن نُعيَّر بها فيقال جزع عمك من الموت لأقررت بها عينيك، واستغفر له بعدما مات، فقال المسلمون ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قرابتنا قد استغفر إبراهيم عليه السَّلام لأبيه، ومحمَّد صلى الله عليه وسلم لعمِّه فاستغفروا للمشركين حتَّى نزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية [التوبة 113] .

ومن حديث ابن وهب حدَّثنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن عبد الله خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر ونحن معه فتخطَّى القبور حتَّى انتهى إلى قبرٍ منها فناجاه طويلًا، وفيه فجاء وله نحيبٌ فسئل فقال هذا قبر أمِّي، وفيه وإنِّي استأذنت ربِّي في زيارة أمِّي فأذن، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وفيه ونزل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية، فأخذني ما يأخذ الوالد لولده من الرِّقة فذلك الذي أبكاني.

وفي رواية الكلبيِّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشركٌ لأستغفرنَّ لأمِّي، فأتى قبرها يستغفر لها، فدفعه جبريل عليه السَّلام عن القبر وقال {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية.

وقال الثَّعلبي من حديث سعيدٍ عن أبيه المسيب أنَّه قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم _ أي لأبي طالبٍ _ أي عم إنَّك أعظم النَّاس عليَّ حقًّا وأحسنهم عندي يدًا، ولأنت أعظم عندي حقًّا من والدي، فقل كلمة تُحسب لك بها شفاعتي يوم القيامة، وفيه نزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية.

وروى الحاكم من حديث أبي الخليل عن عليٍّ رضي الله عنه قال سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان قال أولم يستغفر إبراهيم عليه السَّلام لأبيه، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية. وقال صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه.

ولمَّا ذكر السُّهيلي قوله عزَّ وجلَّ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا}

ج 6 ص 490

[التوبة 113] قال قد استغفر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ فقال اللهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون، ولا يصحُّ أن تكون الآية التي نزلت في عمِّه ناسخة لاستغفاره يوم أحدٍ؛ لأنَّ عمَّه توفِّي قبل ذلك ولا ينسخ المتقدِّم المتأخر.

ويجاب بأنَّ استغفاره لقومه مشروطٌ بتوبتهم من الشِّرك كأنَّه أراد الدُّعاء بالتَّوبة.

وقد جاء في بعض الرِّوايات (( اللهمَّ اهدِ قومي ) )، وقيل أراد مغفرة تصرفُ عنهم عقوبة الدُّنيا من المسخ وشبهه، وقيل بكون الآية تأخَّر نزولها، فنزلت بالمدينة ناسخة للاستغفار للمشركين، فيكون سبب نزولها متقدِّمًا ونزولها متأخِّرًا، لاسيَّما وبراءة من آخر ما نزل، فتكون على هذا ناسخة لاستغفاره.

وقال ابن بطَّال أي محاجةٌ يحتاج إليها من وافى ربَّه بما يدخله الجنَّة.

وأجيب بأنَّه صلى الله عليه وسلم ظنَّ أنَّ عمَّه اعتقد أنَّ من آمن في مثل حاله لا ينفعه إيمانه إذ لم يقارنه عمل سواه من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وشرائط الإسلام، فأعلمه صلى الله عليه وسلم أنَّ من قال لا إله إلا الله عند موته أنَّه يدخل في جملة المؤمنين وإن تعرَّى من عملٍ سواها.

هذا وفي قوله «وحج» ، نظرٌ؛ لأنَّه لم يكن فرضًا حينئذٍ بالإجماع.

وقيل يحتمل أن يكون أبو طالبٍ قد عاين أمر الآخرة وأيقن بالموت وصار في حالةٍ لا ينتفع بالإيمان لو آمن، فرجا له صلى الله عليه وسلم إن قال لا إله إلا الله، وأيقن بنبوَّته أن ينفعَ له بذلك، ويحاج له عند الله تعالى في أن يتجاوز عنه، ويقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًّا بأبي طالبٍ وحده لمكانته من حمايته ومدافعته عنه صلى الله عليه وسلم.

وقيل كان أبو طالبٍ ممَّن عاين براهين النَّبي صلى الله عليه وسلم وصدق بمعجزاته، ولم يشكَّ في صحَّة نبوَّته؛ لأنَّه كان ينهى قريشًا عن التَّعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عنه فلا يؤمن به.

وروي أنَّهم اجتمعوا إلى أبي طالبٍ، وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءًا فقال

~واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا

~فَاصْدَعْ بأَمْرِكَ مَا علَيكَ غَضَاضَةٌ وأبْشِرْ بِذَاكَ وَقِرَّ مِنْكَ عُيُونًا

~ودَعَوْتَنِي وعَرَفْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي ولَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينًا

~وعَرَضْتَ دِينًا لَا مَحَالةَ أنَّه مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا

~لَوْلَا المَلَامَةُ أَو حَذَارِي سُبَّة لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا

كما قال تعالى في حقِّه {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} الآية [الأنعام 26] فرجا له صلى الله عليه وسلم

ج 6 ص 491

بكلمة الإخلاص حتَّى يسقط عنه إثم العناد والتَّكذيب، والله أعلم.

ورجال إسناد حديث الباب ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه البخاريُّ في «سورة براءة» أيضًا [خ¦4675] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت