فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 11127

122 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفي المسنَدي بفتح النون، وقد تقدم في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عينية المذكور في أول الكتاب (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (عَمْرٌو) هو ابن دينار المكي الجمحي السابق ذكره في باب «كتابة العلم» [خ¦113] .

(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالتوحيد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الباء(قَالَ قُلْتُ

ج 1 ص 691

لاِبْنِ عَبَّاسٍ)رضي الله عنهما (إِنَّ نَوْفًا) بفتح النون وسكون الواو وفي آخره فاء، هو ابن فَضَالة بفتحتين، أبا يزيد أو أبا رشيد القاص (الْبِكَالِيَّ [1] ) بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف واللام وحكى _ تشديد الكاف مع فتح الموحدة _ وعزاه في «المطالع» لأكثر المحدثين، لكن الصواب التخفيف نسبة إلى (بني بكال) بطن من حمير.

وقد وهم أبو بكر بن العربي حيث قال نسبة إلى (بكيل) بطن من هَمْدان، فإن المنسوب إلى بكيل غير نوف بن فَضَالة، وكان نوف هذا تابعيًا من أهل دمشق فاضلًا عالمًا لا سيما بالإسرائيليات، وكان ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وقيل ابن أخته.

ونوف منصرفٌ؛ لأنه لفظ عربي وليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، ومن منعه ربما يزعم أنه لفظ عجمي فيكون فيه علتان العجمة والعلمية، والأفصح فيه الصرف أيضًا لأن سكون وسطه يقاوم إحدى العلتين كما في نوح ولوط.

(يَزْعُمُ) يحتمل أن يكون بمعنى (يظن) فيقتضي مفعولين، لكن سد مسدهما «أن» مع اسمها وخبرها، ويحتمل أن يكون بمعنى القول من غير حجة فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا فحينئذ الأمر ظاهر.

(أَنَّ مُوسَى) صاحب الخضر، وقد صرح به المصنف في «التفسير» [خ¦3401] [خ¦4725] وهو غير منصرف للعلمية والعجمة (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المرسل إليهم والباء زائدة للتوكيد، وفي رواية حذفت وأضيف إلى بني إسرائيل مع كونه علمًا؛ لأنه نكِّر أولًا بأن أُوِّل بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه.

(إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ) بتنوين «موسى» لأنه نكرة فانصرف لزوال علميته، قال ابن مالك قد ينكر العلم تحقيقًا أو تقديرًا فيجري مجرى النكرة، وجعل هذا مثال التحقيقي، ورُوي بغير تنوين أيضًا وهو ظاهر.

قال الحافظ العسقلاني (كذا في روايتنا؛ أي بغير تنوين، والمعنى أن نوفًا يزعم أن موسى صاحب الخضر عليهما السلام الذي قص الله تعالى عنهما في سورة الكهف ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى ابن مِيْشا _ بكسر الميم وسكون الياء وبالشين المعجمة _ ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهو أول من موسى بن عمران وهو أيضًا نبي مرسل، وزعم أهل التوراة أنه هو صاحب الخضر، والذي ثبت في «الصحيح» أنه موسى بن عمران عليه السلام) .

والسائل هنا سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس رضي الله عنهما،

ج 1 ص 692

وفيما تقدم أن ابن عباس تمادى هو والحر بن قيس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيِّه فقال ابن عباس هو خضر، فمر بهما أُبي بن كعب رضي الله عنه فسأله ابن عباس رضي الله عنهما فأخبره، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس رضي الله عنهما بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر رضي الله عنهم، فأخبره ابن عباس لما سأل عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل.

وجاء أن السائل غير سعيد بن جبير، رُوِيَ عن سعيد أنه قال جلست عند ابن عباس رضي الله عنهما وعنده قوم من أهل الكتاب فقال بعضهم يا أبا عبد الله إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس كذب نوف وحدثني أُبي وذكر الحديث.

(فَقَالَ) ؛ أي ابن عباس رضي الله عنهما (كَذَبَ) بفتح الذال المعجمة (عَدُوُّ اللَّهِ) وقع هذه المقالة من ابن عباس رضي الله عنهما في حق نوف وهو مؤمن، وكان عالمًا فاضلًا إمامًا لأهل دمشق، على طريق التغليط والزجر عن مثل قوله مبالغة في إنكاره، لا أنه يعتقد أنه عدو الله ولدينه حقيقة، وكان ذلك في حال غضبه رضي الله عنه، وفي حال الغضب يُطلَق ألفاظٌ ولا يُرادُ بها حقائقها.

قال ابن التين (لم يُرِد ابن عباس رضي الله عنهما إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراده) .

هذا ويستفاد منه أن العالم إذا كان عنده علم شيء فسمع غيره يَذْكُرُ فيه شيئًا من غير علم يلزمه أن يكذبه.

(حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) رضي الله عنه، وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن تابعي وهما عمرو وسعيد، وصحابي عن صحابي وهما ابن عباس وأبي رضي الله عنهما، وقد سبق فيما سبق أن المؤلف رحمه الله أخرج هذا الحديث في أكثر من عشرة مواضع [خ¦74] [خ¦78] [خ¦3278] [خ¦3400] [خ¦3401] [خ¦4725] [خ¦4726] [خ¦4727] [خ¦7478] .

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه (قَالَ قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه [2] (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ) منهم على حد قولنا الله أكبر؛ أي من كل شيء.

(فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ) أي أعلم الناس قال ذلك بحسب ما ظهر له واقتضاه شاهد الحال ودلالة النبوة، لأنه عليه السلام كان من النبوة بالمكان

ج 1 ص 693

الأدفع، ومن العلم في أعلى المراتب، فلا عجب أن يعتقد أنه أعلم الناس، أو المراد أنه أعلم بوظائف النبوة وأمور الشريعة وإن كان الخضر أعلم منه بأمور غيبية فكان موسى عليه السلام أعلم على العموم والخضر عليه السلام أعلم على الخصوص، وهذا أبلغ مما في الرواية السابقة في باب «الخروج في طلب العلم» (قال هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال لا) [خ¦78] .

ومما في «صحيح مسلم» بلفظ (( ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني ) )من غير تقدم ذكر سؤال فإنه نفى هناك علمه، وأما في حديث الباب فقد بت الحكم.

ووقع عند النسائي من طريق عبد الله بن عبيد عن سعيد بن جبير بهذا السند (( قام موسى خطيبًا فعرض في نفسه أن أحدًا لم يؤتَ من العلم ما أوتي، وعَلِمَ الله بما حدث في نفسه فقال يا موسى إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أؤتك ) ).

وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير فقال (ما أحدًا أعلم بالله وأمره مني) .

(فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي لم يرض قوله شرعًا ودينًا، فإن العتب بمعنى الموجدة وتغير النفس، وهو مستحيل في حقه تعالى، فيُحملُ على ما يليق به وهو عدم الرضى، (إِذْ) للتعليل (لَمْ يَرُدَّ) بحركات الدال المهملة (الْعِلْمَ إِلَيْهِ) أي كما في رواية.

قال ابن بطال (كان ينبغي أن يقول الله أعلم إن قيل له أي الناس أعلم؟ لأنه لم يحط علمًا بكل عالَم في الدنيا وقد قالت الملائكة ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وغيره فقال(( لا أدري حتى أسأل الله عز وجل ) )).

وقال ابن المُنيِّر (في حصر الصواب في ترك الجواب بقوله(( الله أعلم ) )نظر، بل ردُّ العلم إلى الله تعالى متعين أجاب أو لم يجب، فإن أجاب قال أنا والله أعلم، وإن لم يجب قال الله أعلم، ولعل موسى لو قال أنا والله أعلم [3] لم تحصل المعاتبة، وإنما عوتب على اقتصاره على ذلك؛ لأنه يوهم أنه كذلك في نفس الأمر وإن كان مراده الإخبار بما في علمه كما تقدم، ومن هذا أخذ المفتون عقيب أجوبتهم قولهم والله أعلم، قالوا هذا من باب التنبيه لموسى عليه السلام والتعليم لمن بعده؛ لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه والعجب بحاله فيهلك).

(فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا) ؛ بفتح الهمزة؛ أي بأنَّ عبدًا، وفي نسخة _ بكسرها _ أي فقال إن عبدًا، والمراد هو الخضر عليه السلام، وقد تقدم ذكره وتفصيل أحواله من نبوته وولايته وحياته ومماته وغير ذلك [خ¦74] [خ¦78] .

(مِنْ

ج 1 ص 694

عِبَادِي) كائنًا (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) أي ملتقى مجرى فارس والروم من جهة الشرق، وحكى الثعلبي عن أُبي بن كعب أنه بإفريقية وقيل طنجة (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي بشيء مخصوص كما يدل عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى «إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه لا أعلمه» .

(قَالَ رَبِّ) أي كما في بعض الأصول (وَكَيْفَ) أي كيف يكون الالتقاء والالتباس لي (بِهِ) أي بذلك العبد (فَقِيلَ لَهُ) أي لموسى عليه السلام (احْمِلْ) أمرٌ من الحمل (حُوتًا) أي سمكة كائنة (فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح التاء المثناة من فوق وهو الزنبيل، ويقال القفة، ويقال فوق القفة والزنبيل. وفي «العباب» المكتل شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا.

(فَإِذَا فَقَدْتَهُ) أي الحوت (فَهْوَ) أي العبد الأعلم منك (ثَمَّة) بفتح المثلثة، ظرف بمعنى هناك (فَانْطَلَقَ) موسى عليه السلام (وَانْطَلَقَ) ملابسًا (بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرور بالفتحة عطف بيان لـ «فتاه» غير منصرف للعجمة والعلمية (بْنِ نُونٍ) مجرور بالإضافة منصرف كنوح ولوط في اللغة الفصحى، وفي رواية فصرح بالمعية للتأكيد، وإلا فالمصاحبة مستفادة من الباء في قوله (( بفتاه ) )ويوشع بن نون هذا هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليهم السلام، وكان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه، وقيل كان عبده.

(وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به، قيل كانت سمكة مملوحة، وقيل كانت شِقَّ سمكة (حَتَّى) للغاية (كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الذي وعد موسى عليه السلام بلقيِّ الخضر عنده، قيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت.

(وَضَعَا رُؤوسَهُمَا فَنَامَا) وفي رواية (فَانْسَلَّ) من سللت الشيء أسله سلًا فانسل، وأصل التركيب يدل على مد الشيء في رفق وخفاء؛ أي فامتد وخرج (الْحُوتُ) الميت المملوح.

(مِنَ الْمِكْتَلِ) معجزة لموسى أو الخضر عليهما السلام، وفي طريق للمؤلف (( وفي أصل الصخرة عين يقال لها عين الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت [4] من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ) ) [خ¦4727] (فَاتَّخَذَ) أي الحوت (سَبِيلَهُ) طريقه.

(فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي مسلكًا ومذهبًا، وقيل أمسك الله تعالى جِرْيَةَ الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه

ج 1 ص 695

في مثل السرب وهو ضد النفق معجزة لموسى أو للخضر عليهما السلام، وجاء فجعل لا يلتئم عليه الماء حتى صار كالكوة وهو الثقب في البيت.

فعلى هذا يكون لفظ «سربًا» مفعولًا ثانيًا لقوله (( اتخذ ) «في البحر» حال منه أو من السبيل أو متعلق بـ «اتخذ» ، ويجوز أن يكون «سربًا» منصوبًا على المصدرية، والتقدير يسرب سربًا، يقال سرب في الماء سربًا إذا ذهب فيه ذهابًا، وفي بعض الروايات (( فقال فتاه لا أوقظه ) )حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وجوَّز بعضهم أن يكون الضمير لموسى؛ أي فاتخذ موسى سبيل الحوت في البحر مذهبًا ومسلكًا كما يأتي أنهما اتبعا أثر الحوت، وقد يبس الماء في ممره فصار طريقًا، لكن يضعفه ما جاء في الحديث من قوله عليه السلام (( فكان للحوت سربًا، ولموسى عجبًا ) ) [خ¦3401] .

(وَكَانَ) ذلك؛ أي إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا) مما يُتعجَّب منه (فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنصب على الظرفية (لَيْلَتِهِمَا) بالجر على الإضافة وبقية ليلتهما هي الساعات التي بقيت منها.

(وَيَوْمِهِمَا) يجوز فيه الجر والنصب، أما الجر فعطفًا على «ليلتهما» ، وأما النصب فعطفًا على «بقية» بناء على إرادة سير جميع النهار، ووقع في «التفسير» (( فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ) ) [خ¦4725] وكذا عند مسلم، وقال القاضي هو الصواب لقوله (فَلَمَّا أَصْبَحَ) إذ لا يقال (أصبح) إلا عن ليل.

وقال الحافظ العسقلاني (ويحتمل أن يكون المراد بقوله(( فلما أصبح ) )أي من الليلة التي تلي اليوم الذي سارا جميعه) انتهى، وهو بعيد جدًا.

(قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ آتِنَا) أعطنا (غَدَاءَنَا) بفتح الغين مع المد، وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) بفتحتين؛ أي تعبًا ومشقة، يريد من هذا السفر سير البقية والذي يليها، يدل عليه قوله عليه السلام

(وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) عليه السلام (شَيْئًا) وفي نسخة (مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) فألقى عليه الجوع والنصب ليطلب الغداء ويذكر به الحوت المذكور، ولهذا لم يمسه قبل ذلك (فَقَالَ) وفي رواية .

(لَهُ فَتَاهُ أَرَأَيْتَ) ما دهاني ونزل بي (إِذْ) أي حين (أَوَيْنَا) بقصر الهمزة؛ أي انضممنا وأتينا، يقال أوى إلى منزله ليلًا أو نهارًا إذا أتى، (إِلَى الصَّخْرَةِ) يعني الصخرة التي رقد عندها موسى، قيل لما طلب موسى عليه السلام الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش، فطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك، فافهم.

(فَإِنِّي) الفاء تفسيرية يفسَّر بها ما دهاه من نسيان الحوت (نَسِيتُ الْحُوتَ) أي فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه من الواقعة العجيبة، وفي رواية

ج 1 ص 696

أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان بأن يشغلني بوساوسه، ويقال الحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنه لما تعوَّد بمشاهدة أمثالها عند موسى عليه السلام من العجائب وألفها واستأنس بها قلَّ اهتمامه بها، أو نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار ولانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا لنفسه، أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين جانب القدس وجانب الواقعة المذكورة واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من النقصان.

(قَالَ مُوسَى) عليه السلام (ذَلِكَ) أي أمر الحوت (مَا) أي الذي (كُنَّا نَبْغِي) أي نطلبه لأنه إمارة المطلوب (فَارْتَدَّا) أي فرجعا (عَلَى آثَارِهِمَا) في الطريق الذي جاءا فيه يقصان (قَصَصًا) أي يتبعان آثارهما اتباعًا أو مقتصين (فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) المعهودة (إِذَا) حرف مفاجأة (رَجُلٌ) مبتدأ وسوغ ذلك تخصيصه بالصفة وهي قوله (مُسَجًّى) أي مغطى كله (بِثَوْبٍ) كتغطية الميت، قال الجوهري سجَّيت الميت تسجيةً إذا مددت عليه ثوبًا، وقد جاء في البخاري (( قد جعل طرفه تحت رجله وطرفه تحت رأسه ) ) [خ¦4726] والخبر محذوف؛ أي نائم.

(أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ) هذا شك من الراوي، وعند مسلم (( فارتدا على آثارهما قصصًا ) )فأراه مكان الحوت فقال هاهنا وُصِفَ لي، ويروى أن موسى عليه السلام ويوشع عليه السلام اتبعا أثر الحوت، وقد يبس الماء في ممره فصار طريقًا، فأتيا جزيرة، فوجد الخضر قائمًا يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر؛ أي وسطه، وقد سبق وجه الجمع بين الروايات فيما قبل فتذكر.

(فَسَلَّمَ مُوسَى) عليه السلام عليه فكشف عن وجهه (فَقَالَ الْخَضِرُ) عليه السلام (وَأَنَّى) بهمزة مفتوحة ونون مشددة بمعنى كيف، أو من أين وهو خبر مقدم، وقوله (بِأَرْضِكَ) حال من قوله (السَّلاَمُ) وهو مبتدأ مؤخر، والمعنى كيف أو من أين استقر السلام حال كونه بأرضك التي لا تعرف السلام؟ وكأنها كانت بلاد كفر أو كانت تحيتهم بغير السلام، وعند المؤلف في «التفسير» [خ¦4726] (( وهل بأرضي من سلام ) ).

(فَقَالَ) وفي رواية (أَنَا مُوسَى، فَقَالَ) الخضر أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) فيه خبر مبتدأ محذوف (قَالَ نَعَمْ) أنا موسى بني إسرائيل، ويستفاد منْه أن الأنبياء عليهم السلام ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله.

(قَالَ) له موسى ( {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي} ) على شرط أن تعلمني وهو في موضع الحال من الكاف ( {مِمَّا} ) أي من الذي ( {عُلِّمْتَ} ) أي علمك الله ( {رَشَدًا} ) أي علمًا ذا رشد، وهو منْ

ج 1 ص 697

قبيل رجل عدل، وهو _ بضم الراء، وبفتحتين _ وقد قرئ بهما في السبعة، خلاف الغيِّ وإصابة الخير، من باب كتب وسمع، وهو مفعول «أن تعلمني» ومفعول «عُلِّمت» العائد المحذوف، ويجوز أن يكون علة «لاتبعك» أو مصدرًا بإضمار فعله؛ أي أرشد رشدًا، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه وممن لم يرسل إليه فيما بُعِث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا.

وقد راعى في ذلك غاية الأدب والتواضع فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، ( {قَالَ} ) [5] الخضر عليه السلام ( {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ) ؛ فإني أفعل أمورًا ظاهرها مناكير وباطنها لم يحطْ به خبرك، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا؟.

(يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ) وهو علم الغيوب والأسرار (وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَ الله) وفي رواية (لاَ أَعْلَمُهُ) وهو علم الشرائع والأحكام، وإن كان الخضر عليه السلام كان يعرف من أحكام الشرع ما لا غنى للمكلف عنه، وموسى عليه السلام يعرف من علم الباطن ما لا بد منه.

( {قَالَ} ) موسى عليه السلام ( {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} ) معك غير مُنكرٍ عليك فيما رأيته من أمرك، و «إن شاء الله» اعتراض بين المفعولين إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خُلْفَ فيه، وخلفه ناسيًا لا يقدح في عصمته.

( {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} ) عطف على «صابرًا» ؛ أي ستجدني صابرًا وغير عاص (فَانْطَلَقَا) بعدما قال الخضر لموسى عليهما السلام.

{فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ} أي فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} أي حتى ابتدأك تبيانه.

(يَمْشِيَانِ) أي حال كونهما يمشيان (عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ) فعيلة بمعنى فاعلة كأنها تسفن الماء؛ أي تقسره قاله ابن دريد، حال كونهما يطلبان السفينة (فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ) أي كلم موسى والخضر ويوشع أصحاب السفينة (أَنْ) أي مِنْ أنْ. (يَحْمِلُوهُمَا) أي موسى والخضر عليهما السلام (فَعُرِفَ) على صيغة المجهول (الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون؛ أي بغير أجر، النول والمنال والمنالة كله الجعل، وأما النيل والنوال فالعطية ابتداء، يقال رجل نال إذا كان كثير النوال كما قالوا رجل مال

ج 1 ص 698

إذا كان كثير المال، ولم يُذكر يوشع معهم كما لم يُذكر في قوله (( فانطلقا يمشيان ) )لأنه تابع غير مقصود بالأصالة، ويحتمل أن يكون يوشع لم يركب معهما بل رجع إلى بني إسرائيل؛ لأنه لم يقع له ذكر بعد ذلك، لكن في روايةٍ (فحملوهم) بالجمع وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السفينة، وضمه معهما في كلام أهل السفينة لأن المقام يقتضي كلام التابع.

(فَجَاءَ عُصْفُورٌ) ؛ بضم المهملة طير مشهور، وقيل هو الصرد، قال الدَّميري وحكى ابن رُشَيق في كتاب «الغرائب» فتحه، قيل وسمي به لأنه عصى وفرَّ، (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ) أي طرفها (فَنَقَرَ نَقْرَةً) بالنصب على المصدرية.

(أَوْ نَقْرَتَيْنِ) ؛ عطف عليه (فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ) وعند المؤلف أيضًا [خ¦4725] (( ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره في البحر ) )أي في جنب معلوم الله تعالى وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا وأبعد عن الإشكال، ومفسِّر للواقع، فإن الواقع هنا ليس على ظاهره فإن النقص من علم الله تعالى مستحيل، وإنما معناه إن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقر العصفور إلى ماء البحر. ثم المقصود من ذلك التشبيه بيانُ قلة علمهما وحقارته في حيث علم الله لا المماثلة من كل الوجوه، كيف ونسبة ما نقر العصفور إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي ونسبة علمهما إلى علم الله تعالى نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، والنقرة في الجملة نسبة إلى ماء البحر بخلاف علم العبد فإنه لا نسبة له إلى علم الله تعالى، فهذا إنما هو على التقريب إلى الأفهام.

وقال بعضهم نقص بمعنى أخذ؛ لأن النقص أَخْذٌ خاصٌّ، فذكر الخاص وأريد العام؛ أي ما أخذ علمنا من معلومات الله تعالى إلا مثل هذا المقدار في التقدير، وقيل «إلا» هنا بمعنى «ولا» كأنه قال ما نقص علمي وعلمك من علم الله ولا كنقرة هذا العصفور من هذا البحر؛ لأن علم الله تعالى لا ينقص بحال، وقال الإسماعيلي(المراد أن نقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فيكون من قبيل قوله

~ولا عيبَ فيهِم غيرَ أنَّ سُيوفهم بهنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكتَائبِ)

(فَعَمَدَ) بفتح الميم من باب ضرب عمدًا بمعنى قصد (الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) بفأس أو بقدوم فانخرقت ودخل الماء، قال المفسِّرون قلع لوحين مما يلي الماء، وفي هذا الصحيح «فوتد فيها وتدًا فخرقها» [خ¦4726] ، ويقال أخذ فأسًا فخرق لوحًا حتى دخلها

ج 1 ص 699

الماء فحشاها موسى بثوبه.

(فَقَالَ) موسى عليه السلام هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) وأجر (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء، من الإغراق على الخطاب إلى الخضر عليه السلام، وذلك لأن خرقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها.

وروي _ بفتح المثناة التحتية وفتح الراء _ على الغيب مضارع غرق، بالرفع على الفاعلية، ( {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} ) ؛ أي أتيت أمرًا عظيمًا من أمر الأمر إذا عظم.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما (لما خرق الخضر السفينة تنحَّى موسى عليه السلام بناحية ثم قال في نفسه ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل، كنتُ أتلو في بني إسرائيل كتابَ الله غدوة وعشية وآمرهم فيطيعوني، فقال له الخضر يا موسى تريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال نعم قال قلت كذا وكذا قال صدقت) .

( {قَالَ} ) الخضر لموسى عليهما السلام ( {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ) تذكيرًا لما ذكره قبل ( {قَالَ} ) موسى عليه السلام ( {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} ) أي بالذي نسيته أو بشيء نسيته؛ يعني وصيته بأن لا يعترض عليه أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، وقيل أراد بالنسيان الترك؛ أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة، وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه، وزيد في رواية أي ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي فإن ذلك يعسر علي متابعتك.

(فَكَانَتِ) المسألة (الأُولَى مِنْ مُوسَى) عليه السلام (نِسْيَانًا) بالنصب خبر «كان» ، وهو يؤيد المعنى الأول من المعاني الثلاثة للنسيان المذكور.

(فَانْطَلَقَا) أي بعد ما خرجا من السفينة يمشيان أيضًا، فلما بلغا أُبُلَّة _ بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء _ مدينة بالقرب من بصرة وعبادان ويقال بأَيْلاء _ بفتح الهمزة وسكون الياء واللام الممدودة _ مدينة على ساحل بحر القلزم على طريق حجاج مصر.

(فَإِذَا غُلاَمٌ) هذا يدل على أنه كان غير بالغ، إذ الغلام اسم للمولود إلى أن يبلغ، قال ابن عباس رضي الله عنهما (كان غلامًا لم يبلغ الحنث) (يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ) وكانوا عشرة وكان هذا الغلام أظرفهم وأوضأهم، واختلفوا في اسمه، فقال الضحاك اسمه جيسون، وقال شعبة جيسور، وقال وهب كان اسم أبيه ملاس واسم أمه رحمى، وروي عن الضحاك أنه كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه، وقال الكلبي كان يسرق المتاع بالليل فإذا أصبح لجأ إلى أبويه فيحلفان دونه

ج 1 ص 700

شفقة عليه ويقولان لقد بات عندنا.

(فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ) أي جر الغلام برأسه (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ) وعنده في «بدء الخلق» (( فأخذ الخضر برأسه فقطعه بيده هكذا ) )وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا [خ¦3401] ، وجاء في «التفسير» [خ¦4725] [خ¦4726] (( ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا مع الغلمان فاقتلع رأسه وجاء فوجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ) ). وقال الكلبي (صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله) ، وقيل رفصه برجله فقتله، وقيل ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل أدخل إصبعيه في سرته فأقلعها فمات، فلما قتله من غير تروٍّ واستكشاف حالِ لم يصبر موسى عليه السلام.

(فَقَالَ مُوسَى للخَضِر) عليهما السلام ( {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} ) بتشديد الياء؛ أي طاهرة من الذنوب وهي أبلغ من زاكية بالتخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء الزاكية التي لم تذنب قط، والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولذا اختار قراءة التخفيف فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم كما سبق، وزعم قوم أنه كان بالغًا يعمل الفساد واحتجوا بقوله ( {بِغَيْرِ نَفْسٍ} ) إذ القصاص إنما يكون في حق البالغ.

وأجاب الجمهور عن ذلك بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعله كان يجب على الصبي في شرعهم كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات، فلما لم يرها أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها أو قتلت نفسًا فتقاد به نَّبه على أن القتل إنما يباح حدًا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتف، ويقال المراد به التنبيه على أنه قَتْلٌ بغير حق، وقد قال عليه السلام (( لقد جئت شيئًا إمرًا ) ).

( {قَالَ} ) أي الخضر لموسى عليهما السلام ( {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) أي سفيان (وَهَذَا أَوْكَدُ) ؛ واستدل عليه بزيادة «لك» في هذه المرة؛ زيادة في المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعوِ بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة.

وقد حكى القرطبي عن صاحب «العرس والعرائس» أن موسى عليه السلام لما قال للخضر أقتلت نفسًا زكية بغير نفس، غضب الخضر فاقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، فإذا في عظم كتفه مكتوب كافر لا يؤمن بالله أبدًا.

وفي مسلم (( وأما الغلام فطبع

ج 1 ص 701

يوم طبع كافرًا وكان أبواه قد عطفا عليه فلو أنه أدرك أرهقهما طغيانًا)؛ أي زيادة في الإضلال وكفرًا.

قال المؤلف وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ (فكان أبواه مؤمنين وهو كان كافرًا) [خ¦4726] ، وعنه (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) [خ¦4725] .

وفي القرآن قال {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} أي وإن سألت صحبتك {قَدْ بَلَغْتَ} أي وجدت {مِنْ لَدُنِّي} من قبلي {عُذْرًا} [الكهف 76] لما خالفتك ثلاث مرات.

( {فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا} ) وفي رواية وعليها تلاوة القرآن بعد غروب الشمس ( {أَهْلَ قَرْيَةٍ} ) هي أنطاكية، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وقال ابن سيرين (هي أُبُلَّة وهي أبعد الأرض من السماء، وجاء أنهم كانوا من أهل قرية لئام، وقيل قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة وإليها تُنسب النصارى) ، وقال السُّهيلي قيل إنها برقة، وقيل إنها باجروان وهي مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها فيما قيل عين الحياة التي وجدها الخضر عليه السلام.

( {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} ) واستضافاهم ( {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} ) ولم يجدا في تلك الليلة قِرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة ( {فَوَجَدَا فِيهَا} ) أي تلك القرية ( {جِدَارًا} ) على شاطئ الطريق فالتجآ إليه، وذكر الثعلبي أن سُمْكه كان مائتي ذراع بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسين ذراعًا.

( {يُرِيدُ} ) أي يداني ويشارف ( {أَنْ يَنْقَضَّ} ) أي يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم قال

~يريد الرُّمح صدر بني براء ويعدل عن دماء بني عقيل

وقال

~إن دهرًا يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان

وقال الكسائي (إرادة الجدار هنا ميله) ، وفي «الصحيح» (فوجدا فيها جدارًا مائلًا وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف) [6] هذا.

(قَالَ الْخَضِرُ {بِيَدِهِ} ) أي أشار إليه بيده، وفي رواية ( {فَأَقَامَهُ} ) فاستوى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه هدمه ونقضه ثم بناه، وقيل أقامه بعمودٍ غَمَدَهُ به.

(فَقَالَ مُوسَى) وفي رواية أي للخضر عليهما السلام ( {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ} ) بهمزة وصل وتشديد التاء على وزن افتعلت، من تَخِذَ كاتبع من تبع، وقد قرئ به، أو من أخذ ( {عَلَيْهِ أَجْرًا} ) أي جُعلًا فيكون لنا قوتًا وبُلغةً على سفرنا فيكون تحريضًا على أخذ الجُعْل أو هو تعريض

ج 1 ص 702

بأنه فضول لما في «لو» من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله له بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه.

( {قَالَ} ) أي الخضر لموسى عليهما السلام ( {هَذَا} ) إشارة إلى الفراق الموعود بقوله {فلا تصاحبني} أو إلى الاعتراض الثالث؛ أي هذا الاعتراض سبب الفراق أو إلى الوقت؛ أي هذا الوقت وقته ( {فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} ) هذه الإضافة إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، وقد قرئ في القرآن على الأصل؛ أي على عدم الإضافة.

(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى) إنشاءٌ بلفظ الخبر (لَوَدِدْنَا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية؛ أي والله لوددنا (لَوْ صَبَرَ) من قبيل قوله تعالى {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} [القلم 9] أي صبره لأنه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب، (حَتَّى يُقَصَّ) بصيغة المجهول (عَلَيْنَا مِن أَمْرِهِمَا) مفعول ما لم يسم فاعله.

ومن فوائد هذه القصة صحة الاعتراض بالشرع على ما لا يسوغ ظاهرًا، ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر، ومنها استحباب الرحلة للعلم، ومنها جواز التزود للسفر، ومنها فضيلة طلب العلم والأدب مع العالم وحرمة المشايخ وترك الاعتراض عليهم وإن صح الاعتراض بحسب الظاهر، وتأويل ما لم يفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم، والوفاء بعهودهم والاعتذار عند المخالفة، ومنها إثبات كرامات الأولياء على تقدير ولاية الخضر عليه السلام، ومنها جواز سؤال الطعام عند الحاجة، ومنها جواز ركوب السفينة ونحوها بغير أجرة برضى صاحبه.

فائدة قال القرطبي وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام أن الله تعالى يفعل ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفع أو يضر، فلا مدخل للعقل في أفعاله ولا معارضة لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضى والتسليم، فإن العقول قاصرة عن إدراك أسرار الربوبية فلا يتوجه على حكمهِ لِمَ ولا (كيف) ، كما لا يتوجه عليه في وجوده (أين وحيث) ، وأن العقل لا يحسِّن ولا يقبِّح، وأن ذلك راجع إلى الشرع، فما حسنه بالثناء عليه فهو حسن، وما قبَّحه بالذم عليه فهو قبيح، فإن الله تعالى

ج 1 ص 703

فيما يقضيه حِكَمًا وأسرارًا ومصالح خفية اعتبرها، وكل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه ولا حكم عقل يتوجه إليه، بل بحسب ما سبق في علمه ونافذ حكمه، فما أطلع الخلق عليه من تلك الأسرار عرف وإلا فالعقل عنده واقف، فليحذر المرء من الاعتراض فإن ذلك إلى الخيبة قال، وهاهنا مغلطتان يجب أن ينبه عليهما

الأولى أنه وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكًا بهذه القصة، وبما اشتملت عليه، وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة ولم ينظر فيما خصَّ الله تعالى به موسى عليه السلام من الرسالة، وسماع كلام الله، وإعطائه التوراة فيها علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى عليه السلام، وأدلة ذلك في القرآن كثيرة ويكفي من ذلك قوله {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف 144] . والخضر إن كان نبيًا فليس برسول باتفاق، والرسول أفضل من النبي الذي ليس برسول ولو تنزلنا على أنه رسول فرسالة موسى عليه السلام أعظم وأمته أكثر فهو أفضل، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم، وإن قلنا إن الخضر ليس بنبي بل ولي، فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر؛ لأنه معلوم من الشرع بالضرورة، وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانًا لموسى ليعتبر صلى الله عليه وسلم.

الثانية أنه ذهب قوم من الزنادقة إلى طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالأنبياء والعوام، وأما الأولياء والخواص فلا حاجة لهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم، بما يغلب على خواطرهم لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار فينجلي لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون الأحكام الجزئيات، ويستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم.

ويؤيده الحديث المشهور (( استفت قلبك وإن أفتوك ) )قال [7] وهذه زندقة وكفر؛ لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن

ج 1 ص 704

الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تُعلَم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المتقنين لشرائعه وأحكامه كما قال تعالى {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج 75] وقال تعالى {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام 124] وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وحث على طاعتهم والتمسك بما أَمروا به مَنْ أخبر أنَّ فيه الهدى، وقد حصل العلم اليقيني، وإجماع السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقًا أخرى يَعرِفُ بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر يُقتل ولا يُستتاب.

قال وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن من قال إنه يأخذ عن قلبه؛ لأن الذي يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصَّة النبوة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم (( إن روح القدس نفث في روعي ) ).

قال وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر أنا آخذ عن قلبي عن ربي، وكل ذلك كفر باختلاف أهل الشرائع ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.

وقال غيره من استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع من خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة ويجوز له فعله فقد ضل، وليس ما تمسك به صحيحًا، فإن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إعادته إذا تركها جائز شرعًا وعقلًا، وقد وقع ذلك واضحًا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه (( فإذا جاء الذي يُسخِّرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها ) )فيستفاد منه، وجوب الثاني في الإنكار في المحتملات وأمَّا قتله الغلام فلعله كان جائزًا في تلك الشريعة، وأمَّا إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان، والله أعلم.

[1] (( من قوله بفتح النون. .. إلى قوله البكالي ) )ليس في (خ) .

[2] (( صلى الله عليه وسلم حال كونه ) )ليس في (خ) .

[3] (( ولعل موسى لو قال أنا والله أعلم ) )ليس في (خ) .

[4] في هامش الأصل قوله فأصاب الحوت من ماء تلك العين؛ أي أصاب الحوت روح الماء وبرودته، وقيل توضأ يوشع منها فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء. منه.

[5] (( قوله بعض ما أنعم الله عليه قال ) )ليس في (خ) .

[6] العبارة في العمدة (وقال الكسائي إرادة الجدار ههنا ميله. وفي البخاري(مائل) . وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف).

[7] في هامش الأصل أي القرطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت