1362 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (عُثْمَانُ) هو ابن محمد بن أبي شيبة إبراهيم، أبو الحسن العبسي الكوفي أحد الحفاظ الكبار وثَّقه يحيى بن معين وغيره.
وذكر الدَّارقطني في كتاب «التصحيف» أشياء كثيرة صحَّفها من القرآن في «تفسيره» كأنَّه ما كان يحفظ القرآن.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الضَّبي (عنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين المهملة وفتح الموحدة، وقد مرَّ في آخر كتاب «الوضوء» [خ¦247] (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ) عبد الله بن حبيب السلمي، وقد مرَّ في باب «غسل المذي» في كتاب «الغسل» [خ¦269] .
(عنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا فِي جَنازةٍ في بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) البَقِيع _ بفتح الموحدة وكسر القاف _ وهو من الأرض موضعٌ فيه أروم شجرٍ من ضروب شتَّى، وبه سُمِّي بقيع الغرقد بالمدينة وهي مقبرة أهلها.
والغَرْقَد _ بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وآخره دال مهملة _ شجرٌ له شوكٌ كان ينبت هناك فذهب الشَّجر وبقي الاسم لازمًا للموضع.
وقال الأصمعيُّ قُطِعت غرقدات في هذا الموضع حين دُفِن فيه عثمان بن مظعون رضي الله عنه، وقيل الغرقد ما عَظُم من شجر العوسج، والعوسج من شجر الشَّوك له ثمرٌ أحمر مدوَّر كأنَّه خرز العقيق.
(فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ) وهذا هو موضع التَّرجمة (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالصاد المهملة وبالراء.
قال في «القاموس» ما يُتوكَّأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه المَلِك يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب، وسُميت بذلك؛
ج 6 ص 500
لأنَّها تُحمَل تحت الخصر للاتِّكاء عليها.
ويقال اختصر الرَّجل أمسك المخصرة، وقال ابن قتيبة التَّخصير إمساك القضيب باليد. وجزم ابن بطَّال أنَّه العصا، وقال ابن التِّين إنَّه عصا أو قضيب.
(فَنَكَّسَ) فتخفيف الكاف وتشديدها لغتان؛ أي خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكِّر في شيءٍ حتَّى يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون يفكِّر في أمر أمَّته في الآخرة بقرينة حضور الجنازة، أو فيما يَحْدُث بعده في أصحابه، ويحتمل أن يراد به نكس المخصرة.
(فَجَعَلَ يَنْكُتُ) بالمثناة الفوقية من النكت، وهو أن يضربَ في الأرض بقضيبٍ فيؤثر فيها، ويقال النَّكت قرعك الأرض بعودٍ أو بإصبعٍ يؤثر فيها.
(بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) أي مصنوعةٍ مخلوقةٍ (إِلاَّ كُتِبَ) بضم الكاف على البناء للمفعول (مَكَانُهَا) بالرفع على أنَّه نائب عن الفاعل؛ أي كتب مكان تلك النَّفس المخلوقة (مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) .
قال الكرمانيُّ الواو في قوله و «النَّار» بمعنى أو، وتعقَّبه العينيُّ بأن قال لم أدرِ ما حمله على ذلك، وفي رواية سفيان «إلَّا قد كتب مقعده من الجنَّة ومقعده من النَّار» ، [خ¦4945] وكأنَّه يشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري الدَّالِّ على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدين لكن لفظه في «النُّور» «إلَّا وقد كتب مقعده من النَّار أو من الجنَّة» ، [خ¦6605] عن علي و «أو» للتَّنويع أو بمعنى الواو.
(وَإِلاَّ) بالواو، ويروى بدونها، وفيه غرابة وهي أنَّ قوله (( ما من نفسٍ ) )يحتمل أن يكون بدلًا من قوله «ما منكم» ، وأن يكون «إلا» الثَّانية بدلًا من «إلا» الأولى، ويحتمل أن يكون من باب اللف والنَّشر، وأن يكون تعميمًا بعد تخصيصٍ إذ الثَّاني في كلٍّ منهما أعمُّ من الأول.
(قَدْ كُتِبَت شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بالنصب فيهما، وقال الكرمانيُّ بالرفع؛ أي هي شقيَّة أو سعيدةٌ (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، ذكر المؤلِّف في «التفسير» [خ¦4946] لكن بلفظ «قلنا» أو هو سراقة بن مالك رضي الله عنه كما في مسلمٍ، أو هو عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كما في التِّرمذي.
وفي حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه كما عند أحمد والبزار والطَّبراني «رجلٌ من الأنصار» ، ويجمع بتعدُّد القائلين، وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «فقال أصحابه» .
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا) أي أنعمل ولا نعتمد
ج 6 ص 501
على ما كتب الله وقدَّره علينا (وَنَدَعُ الْعَمَلَ) أي ونتركه (فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ) أي فسيجرِ به القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) قهرًا، ويكون مآل حاله ذلك البتَّة بدون اختياره.
(وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟) أيضًا (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ) على البناء للمفعول ذكره بلفظ الجمع باعتبار معنى الأهل (لِعَمَلِ) أهل (السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (الشَّقَاوَةِ) ولما كان حاصل سؤالهم أنَّه إذا كان الحال كذلك فلم لا نترك المشقَّة التي في العمل الذي لأجلها سُمِّي بالتَّكليف فإنَّا سنصير إلى ما قُدِّر علينا، أجاب صلى الله عليه وسلم بأنَّه لا مشقَّة ثمَّة، إذ كلُّ ميسر لما خلق له، وهو يسيرٌ على من يسَّره الله تعالى عليه.
فإن قيل إذا كان القضاء الأزليُّ يقتضي ذلك فلم المدح والذَّم والثَّواب والعقاب؟
فالجواب أنَّ المدح والذَّم باعتبار المحليَّة لا باعتبار الفاعليَّة، وهذا هو المراد بالكسب المشهور عن الأشاعرة، وذلك كما يمدح ويذمُّ الشَّيء بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته، وأمَّا الثَّواب والعقاب فكسائر العاديات فكما لا يصحُّ عندنا أن يقال لم خلق الله تعالى الاحتراق عقيب مماسة النَّار ولم يحصل ابتداء فكذا هنا.
وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم صلى الله عليه وسلم عن الاتِّكال وترك العمل وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبوديَّة، لقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات 56] يعني أنتم عبيدٌ ولا بدَّ لكم من العبوديَّة، فعليكم بما أُمِرتم وإيَّاكم والتَّصرف في الأمور الإلهيَّة، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًّا لدخول الجنَّة والنَّار بل إنَّها علاماتٌ فقط انتهى.
وقال الخطَّابي لما أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم عن سبق الكتاب بالسَّعادة رام القوم أن يتَّخذوه حجَّةً في ترك العمل، فأخبرهم أنَّ هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر؛ باطنٌ هو العلَّة الموجبة في حكم الرُّبوبية، وظاهرٌ هو التَّتمة اللازمة في حقِّ العبوديَّة، وإنَّما هو إمارةٌ مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدةٍ حقيقةً، وبيَّن لهم أنَّ كلًّا ميسر لما خلق له، وأنَّ عمله في العاجل دليلٌ على مصيره في الآجل، ولذلك تمثَّل بقوله تعالى كما قال الرَّاوي.
(ثُمَّ قَرَأَ) صلى الله عليه وسلم ( {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} ) أي الطَّاعة ( {وَاتَّقَى} ) أي المعصية (الآية) أي قرأ الآية
ج 6 ص 502
بتمامها، وهي قوله تعالى {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل 6] [1] أي بالكلمة الحسنى، وهي ما دلَّ على الحق وهي كلمة التَّوحيد {فسنيسره} أي فسنهيِّئه {لِلْيُسْرَى} [الليل 7] أي للخلة التي تؤدِّي إلى يُسرٍ وراحةٍ كدخول الجنَّة والوصول إلى نعيمها والتَّلذُّذ بلذَّاتها.
{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} بما أمرته به {وَاسْتَغْنَى} [الليل 8] بشهوات الدُّنيا عن نعيم العقبى {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل 10] أي للخلَّة الموجبة للعُسر والشِّدَّة، كدخول النَّار والتَّألم بآلامها العظمى، ونظيره الرِّزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع التَّعالج بالطِّبِّ، فإنَّك تجد الباطن منهما على موجبه، والظَّاهر سببًا مخيلًا، وقد اصطلحوا على أنَّ الظَّاهر منهما لا يُترك للباطن.
هذا وقال النَّووي في الحديث دلالةٌ على إثبات القدر وأنَّ جميع الواقعات بقضاء الله وقدره لا يسأل عمَّا يفعل.
وقيل إنَّ سرَّ القدر ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنَّة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها، وقال ابن بطَّال هذا الحديث أصلٌ لأهل السُّنَّة في أنَّ السَّعادة والشَّقاوة بتقدير الله تعالى ويخلقه، بخلاف قول القدريَّة الذين يقولون إنَّ الشَّرَّ ليس بخلق الله.
وفيه ردٌّ على أهل الجبر؛ لأنَّ المجبور لا يأتي الشَّيء إلَّا وهو يكرهه، والتَّيسر ضد الجبر ألا ترى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الله تعالى تجاوز عن أمَّتي ما استكرهوا عليه ) ).
قال النَّووي والتَّيسير هو أن يأتي الإنسان الشَّيء وهو يحبُّه.
واختلف العلماء هل يُعلم في الدُّنيا الشَّقيُّ من السَّعيد؟ فقال قومٌ نعم محتجِّين بهذه الآية الكريمة والحديث؛ لأنَّ كلَّ عملٍ أمارة على جزائه، وقال قومٌ لا.
قال النَّووي والحقُّ في ذلك أنَّه يدلُّ ظنًّا لا جزمًا، وقال الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيمية من اشتهر له لسان صدق في النَّاس من صالحي هذه الأمَّة هل يقطع له الجنَّة؟ فيه قولان للعلماء.
وفي الحديث جواز القعود عند القبور والتَّحدث عندها بالعلم والمواعظ.
وفيه نَكْتُه صلى الله عليه وسلم بالمخصرة في الأرض. قال المهلب وهو أصلٌ في تحريك الإصبع في التَّشهد، ومعنى النَّكت بالمخصرة هو الإشارة إلى إحضار القلب للمعاني.
وفيه نكس الرَّأس عند الخشوع والتَّفكر في أمر الآخرة.
وفيه إظهار الخشوع والخضوع عند الجنازة، وكانوا إذا حضروا جنازةً يَلقىَ أحدٌ حبيبه ولا يُقبل عليه إلَّا بالسَّلام حتَّى يرى أنَّه واجد عليه، وكانوا لا يضحكون هناك، ورأى بعضهم رجلًا يضحك فآلى أن لا يكلِّمه أبدًا، وكان يبقى أثُر ذلك عندهم ثلاثة أيَّامٍ لشدَّة ما يحصل في قلوبهم
ج 6 ص 503
من الخوف والفزع.
وفيه أنَّ النَّفس المخلوقة إمَّا سعيدةٌ أو شقيَّة.
ولا يقال إذا وجبت الشَّقاوة والسَّعادة بالقضاء الأزليِّ والقدر الإلهيِّ، فلا فائدة في التَّكليف فإنَّ هذا أعظم شُبَه النَّافين للقدر، وقد أجابهم الشَّارع بما لا يبقى معه إشكالٌ.
ووجه التَّقصِّي أنَّ الرَّبَّ تعالى أمرنا بالعمل فلا بدَّ من امتثاله وغيَّب عنا المقادير ليقيم حجَّته، ونَصَبَ الأعمال علامةً على ما سبق في مشيئته فسبيله التَّوفيق، فمن عدل عنه ضلَّ؛ لأنَّ القدر سرٌّ من أسراره لا يطلع عليه إلَّا هو، فإذا دخلوا الجنَّة كشف لهم.
ورجال إسناد الحديث كوفيُّون إلَّا جريرًا فرازيٌّ وأصله كوفيٌّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «التفسير» [خ¦4945] و «القدر» [خ¦6605] و «الأدب» أيضًا [خ¦6217] .
وأخرجه مسلم في «القدر» ، وأبو داود في «السنة» ، والتِّرمذي في «القدر» و «التفسير» ، وابن ماجه في «السنة» .
[1] في هامش الأصل {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل 4] جمع شتيت؛ أي إن مساعيكم أشتات مختلفة {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} [الليل 5] يعني حقوق ماله {وَاتَّقَى} [الليل 5] الله فلم يعصه {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل 6] بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان أو بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل 7] فسنهيئه لها من يُسر الفرس للركوب؛ إذا أسرجها وألجمها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له، والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها من قوله {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام 125] ، {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} بماله {وَاسْتَغْنَى} [الليل 8] وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة؛ لأنه في مقابلة {وَاتَّقَى} {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل 10] فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشده، من قوله {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام 125] أو سمي طريقة الخير باليسرى؛ لأن عاقبتها اليسر وطريقة الشر العسرة لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقي الجنة والنار؛ أي فسنهديهما في الآخرة للطريقين. كذا في «الكشاف» .