فهرس الكتاب

الصفحة 2168 من 11127

1374 - (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ) بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية وبالشين المعجمة، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي _ بالسين المهملة _ قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة.

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وسقط في رواية لفظ «ابن مالك» (أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ) كذا وقع عنده مختصرًا.

وأولُه عند أبي داود من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بهذا السند أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل نخلًا لبني النَّجار، فسمع صوتًا ففزع فقال من أصحاب هذه القبور؟ قالوا يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية فقال (( تعوَّذوا بالله من عذاب القبر، ومن فتنة الدَّجال ) )، قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال (( إنَّ العبد إذا وضع في قبره ) ).

(وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَأَنَّهُ) بالواو، والضمير للميِّت، وفي رواية بدون الواو (لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) زاد مسلم (( إذا انصرفوا ) ) (أَتَاهُ مَلَكَانِ) وفي رواية مسلم (( يأتيه ملكان ) ).

وزاد ابن حبَّان والتِّرمذي من طريق سعيد المقبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النَّكير ) )فعيل بمعنى مفعول. وفي رواية ابن حبَّان يقال لهما منكر ونكير، وسمِّيا بذلك؛ لأنَّ الميِّت لم يعرفهما ولم يرَ صورهما، وإنَّما صُوِّرا كذلك لِيخاف الكافر، ويتحيَّر في الجواب. وأمَّا المؤمن فيثبِّته الله بالقول الثَّابت فلا يخاف؛ لأنَّ من خاف في الدُّنيا وآمن بالله ورسله وكتبه لم يخفْ في القبر.

وزاد الطَّبراني

ج 6 ص 531

في «الأوسط» من طريق أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أعينهما مثل قدور النُّحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرَّعد ) ). ونحوه لعبد الرَّزَّاق من مرسل عَمرو بن دينار، وزاد (( يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما، معهما مِرْزَبَّة لو اجتمع عليها أهل منى لم يُقِلُّوها ) ).

وأورد ابن الجوزي في «الموضوعات» حديثًا فيه إنَّ فيهم رومان وهو كبيرُهم، وذكر بعض الفقهاء أن اسمَ اللَّذين يسألان المذنب منكر ونكير، وأنَّ اسم اللَّذين يسألان المطيع مبشِّر وبشير. كذا ذكره الحافظ العسقلاني.

(فَيُقْعِدَانِهِ) وفي حديث البراء رضي الله عنه (( فيجلسانه فتعاد روحه في جسده ) ). وزاد ابن حبَّان من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فإذا كان مؤمنًا كانت الصَّلاة عند رأسه، والزَّكاة عن يمينه، والصَّوم عن شماله، وفعل المعروف من قِبَل رجليه، فيقال له اجلسْ، فيجلس وقد مثلت له الشَّمس عند الغروب ) ).

وزاد ابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه (( فيجلسْ يمسح عينيه، ويقول دَعوني أصلِّي ) )فانظر كيف يُبعث المرء على ما عاش عليه، حكي أنَّه اعتاد بعضهم أنه كلَّما انتبه ذكر الله واستاك وتوضَّأ وصلَّى، فلمَّا مات رُئي فقيل له ما فعل الله بك؟ قال لمَّا جاءني الملكان وعادت إليَّ روحي حسبت أنِّي انتبهت من اللَّيل، فذكرت الله على العادة، وأردت أن أقوم أتوضأ، فقالا لي أين تريد تذهب؟ فقلت الوضوء والصَّلاة فقالا نم نوم العروس، فلا خوف عليك ولا بؤس. اللَّهم اجعلنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

(فَيَقُولاَنِ) له (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بيان من الرَّاوي؛ أي لأجل محمَّد صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أبي داود (( ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟ ) )، وفي رواية أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها (( ما هذا الرَّجل الذي كان فيكم؟ ) )وعبَّر بذلك امتحانًا؛ لئلا يتلقَّن تعظيمه عن عبارة القائل.

والإشارة في قوله «هذا» ، إلى الحاضر، فقيل يكشف للميِّت حتَّى يرى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صحَّ ذلك.

قال القسطلاني ولا نعلم حديثًا صحيحًا في ذلك مرويًّا، والقائل به إنَّما استند بمجرد أنَّ الإشارة لا تكون إلا لحاضر، لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذِّهن فيكون مجازًا. وزاد أبو داود في أوَّله ما كنت تعبد فإنَّ الله [إذا] هداه قال كنت أعبد الله، فيقال له ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟.

ج 6 ص 532

(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ولأحمد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( فإن كان مؤمنًا قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فيقال له صدقت ) )وزاد أبو داود (( فلا يُسأل عن شيء غيرها ) ).

وفي حديث أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما المتقدِّم في كتاب «العلم» [خ¦86] و «الطَّهارة» [خ¦184] وغيرهما (( فأمَّا المؤمن أو الموقن فيقول محمَّد رسول الله جاءنا بالبيِّنات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعناه، فيقال له نم صالحًا ) ).

وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند سعيد بن منصور (( فيقال له نم نومة عروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحدكم حتَّى يُبعث ) ).

وللتِّرمذي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( ويقال له نم فينام نومة العروس الذي لا يُوقظه إلا أحبُّ أهله إليه حتَّى يبعثه الله من مضجعه ذلك ) ).

ولابن حبَّان وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأحمد من حديث عائشة رضي الله عنها (( فيقال له على اليقين كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ) ).

(فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ) وفي رواية أبي داود (( فيقال له هذا بيتك كان في النَّار ) ) (قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) ولأبي داود (( ولكن الله عزَّ وجلَّ عصمك ورحمك فأبدلك به بيتًا في الجنَّة، فيقول دعوني حتَّى أذهب فأبشِّر أهلي، فيقال له اسكت ) ).

وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أحمد (( كان هذا منزلك لو كفرت بربِّك ) ). وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسنادٍ صحيحٍ (( فيقال له هل رأيت الله؟ فيقول ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قبل النَّار فينظر إليها يحطِمُ بعضها بعضًا، فيقال له انظر إلى ما وقاكَ الله ) ).

وسيأتي في أواخر «الرقاق» من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦6569] (( لا يدخل أحد الجنَّة إلا أُري مقعدهُ من النَّار لو أساء؛ ليزداد فرحًا إلى فرح، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النَّار وإدخاله الجنَّة ) ).

(قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا) على صيغة البناء للمفعول (أَنَّهُ يُفْسَحُ له فِي قَبْرِهِ) كلمة «في» زائدة، إذ الأصل يفسح له قبره، وفي رواية بدون كلمة له. وزاد مسلم من طريق شيبان عن قتادة (( سبعون ذراعًا، ويملأ خَضِرًا إلى يوم يبعثون ) ).

وقال الحافظ العسقلاني ولم أقف على هذه الزِّيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث

ج 6 ص 533

أبي سعيد رضي الله عنه من وجه آخر عند أحمد (( ويفسح له في قبره ) ).

وفي رواية التِّرمذي وابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فيفسح له في قبره سبعين ذراعًا ) ). وزاد ابن حبَّان (( في سبعين ذراعًا ) )، ولابن حبَّان من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه (( ويرحَّب له في قبره سبعون ذراعًا، وينوَّر له كالقمر ليلة البدر ) ).

وفي حديث طويل للبراء رضي الله عنه (( فينادي مناد من السَّماء أن صدقَ عبدي، فأفرشوه من الجنَّة، وافتحوا له بابًا من الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له فيها مدَّ بصره ) ).

زاد ابن حبَّان من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فيزداد غبطة وسرورًا، فيعاد الجلد إلى ما بدأ منه، ويجعل روحه في نسم طائر تعلق في شجر الجنَّة ) ).

(ثُمَّ رَجَعَ) قتادة (إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ) رضي الله عنه (قَالَ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ) كذا بواو العطف في هذا الطَّريق، وتقدَّم في باب «الميِّت يسمع خفق النِّعال» [خ¦1338] (( وأمَّا الكافر أو المنافق ) )بالشكِّ.

وفي حديث أبي داود (( أنَّ الكافر إذا وضع ) )وكذا لابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكذا في حديث البراء الطَّويل رضي الله عنه. وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أحمد (( وإن كان كافرًا أو منافقًا ) )بالشَّكِّ. وله في حديث أسماء رضي الله عنها (( فإن كان فاجرًا أو كافرًا ) ).

وفي «الصَّحيحين» (( وأمَّا المنافق أو المرتاب ) ) [خ¦86] . وفي حديث جابر عند عبد الرَّزَّاق، وحديث أبي هريرة عند التِّرمذي (( وأمَّا المنافق ) ). وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند أحمد وأبي هريرة رضي الله عنه عند ابن ماجه (( وأمَّا الرَّجل السوء ) ). وللطَّبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( وإن كان من أهل الشَّكِّ ) )فاختلفت هذه الرِّوايات لفظًا وهي مجتمعة على أنَّ كلًا من الكافر والمنافق يسأل.

ففيه ردٌّ على من زعم أنَّ السؤال إنَّما يقع على من يدَّعي الإيمان إن محقًّا وإن مبطلًا، ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرَّزَّاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التَّابعين قال إنَّما يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وأمَّا الكافر فلا يُسأل عن محمَّد ولا يعرفه، وهذا موقوفٌ، والأحاديث النَّاصة على أنَّ الكافر يُسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصَّحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم التِّرمذي الحكيم بأنَّ الكافر يُسأل.

ج 6 ص 534

واختلف في الطِّفل غير المميز، فجزم القرطبي في «التَّذكرة» بأنَّه يُسأل، وهو منقولٌ عن الحنفيَّة. وجزم غير واحد من الشَّافعية بأنَّه لا يسأل، ومن ثمَّة قالوا لا يستحبُّ أن يُلقَّنَ.

واختلف أيضًا في النَّبي هل يُسأل؟

قال الحافظ العسقلاني وأمَّا المَلك فلا أعرفُ أحدًا ذكره، والذي يظهرُ أنَّه لا يُسأل؛ لأنَّ السُّؤال يختصُّ بمن شأنه أن يقبرَ.

وقد مال ابنُ عبد البر إلى أنَّ الكافر لا يُسألُ، وقال الآثار تدلُّ على أنَّ الفتنةَ لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة، وأمَّا الكافر الجاحد فلا يُسأل.

وتعقَّبه ابن القيِّم في كتاب «الرُّوح» وقال في الكتاب والسنَّة دليل على أنَّ السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم 27] وذكر أحاديث تدلُّ على ذلك.

ثمَّ قال وأمَّا قول أبي عمر _ يعني ابن عبد البر _ فأمَّا الكافر الجاحد فليس ممَّن يُسأل عن دينه، فجوابه أنَّه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدَّلالة على أنَّ الكافر يُسأل عن دينه، قال تعالى {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف 6] وقال تعالى {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر 92] لكن للنَّافي أن يقول هذا السُّؤال يكون يوم القيامة.

(فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) محمَّد صلى الله عليه وسلم (فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي) وفي رواية أبي داود (( وإنَّ الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره، فيقول له ما كنت تعبد ... ) ). وفي حديث البراء (( فيقولان له من ربُّك؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما هذا الرَّجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدري [1] ) )، وهو أتمُّ الأحاديث سياقًا، وقد مرَّ بتمامه في باب «الميِّت يسمع خفق النِّعال» [خ¦1338] .

(كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ) المسلمون (فَيُقَالُ) له (لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ) أصله تلوت بالواو، والمحدِّثون إنَّما يروونه بالياء للازدواج؛ أي لا فهمت ولا تلوت القرآن، أو المعنى لا دريت ولا اتبعت من يدري. وفي رواية بزيادة الهمزة وإسكان المثناة الفوقية، وصوَّبها يونس بن حبيب كأنَّه يدعو عليه بأنه لا يكون له من يتبعه من الأولاد، واستُبعد هذا في دعاء الملكين.

وأجيب بأنَّ هذا أصل الدُّعاء، ثمَّ استعمل في معنى لا يتبعك عون من الله ولا نصرة. ووقع عند أحمد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه

ج 6 ص 535

(( لا دريت ولا اهتديت ) ). وفي مرسل عبيد بن عمير عند عبد الرَّزَّاق (( لا دريت ولا أفلحت ) )، وقد مرَّ الكلام في هذا مستقصى [خ¦1338] .

(وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ حَدِيدٍ) بإضافة المطارق إلى الحديد كإضافة خاتمِ فضَّةٍ، ويروى وقد تقدَّم في باب «الميِّت يسمع خفق نعالهم» [خ¦1338] بلفظ (( بمطرقة ) )على الإفراد، وكذا هو في معظم الأحاديث.

وقال الكرماني الجمع مُؤْذِنٌ بأن كلَّ جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة انتهى.

وقد يقال الجمع باعتبار مرات الضَّرب تجوزًا عن الضَّرب بآلته كما تقول ضربته خمسين سوطًا، والسَّوط واحد. وفي حديث البراء (( لو ضرب بها جبل لصار ترابًا ) )هذا لأن الأعضاء الأخروية تطيق بما لا تطيق به الأعضاء الدُّنيوية، نعوذ بالله من عذاب الله جميع أنواعه.

وفي حديث أسماء (( وتسلَّط عليه دابة في قبره، معها سوط ثمرته جمرةٌ مثل غَرْبِ البعير تضربه ما شاء الله، صمَّاء لا تسمع صوته فترحمه ) )، وزاد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وكذا في حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما (( ثمَّ يفتح له بالياء إلى الجنَّة فيقال له هذا منزلك لو آمنت بربِّك، فأمَّا إذا كفرت، فإن الله أبدلك هذا ويفتح له باب إلى النَّار ) ).

وزاد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فيزداد حسرة وثبورًا، ويضيق عليه قبره حتَّى تختلف أضلاعه ) ). وفي حديث البراء (( فينادي مناد من السَّماء أفرشوه من النَّار، وألبسوه من النَّار، وافتحوا له بابًا إلى النَّار، فيأتيه من حرِّها وسمومها ) ).

(ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) قال المهلَّب المراد الملائكة الذين يلون فتنته، هذا ولا وجه لتخصيصه بالملائكة، فقد ثبت أنَّ البهائم تسمعها، وفي حديث البراء (( يسمعها مَنْ بين المشرق والمغرب ) )، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (( يسمعه خلق الله كلهم ) ).

(غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ) الجن والإنس، قيل لهم ذلك؛ لأنَّهم كالثِّقل على وجه الأرض، و «غيرَ» نصب على الاستثناء ويدخل في هذا وفي حديث البراء الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يخصَّ منه الجماد؛ لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البزار (( تسمعه كلُّ دابة إلَّا الثَّقلين ) ).

والحكمة في عدم سماع الثَّقلين أنهم إذا سمعوا ذلك لَمَا تدافنوا، ثمَّ الحكمة في أنَّ الله تعالى يُسمِع الجن قول الميِّت (( قدِّموني، ولا يسمعهم صوته إذا عُذِّب ) )أنَّ كلامه قبل الدَّفن متعلِّق بأحكام الدُّنيا، وصوته إذا عُذِّب متعلِّق بأحكام الآخرة، وقد أخفى الله عن المكلَّفين

ج 6 ص 536

أحوال الآخرة إلَّا من شاء الله تعالى.

وفي أحاديث الباب من الفوائد إثبات عذاب القبر، وأنَّه واقع على الكفَّار، ومن شاء الله تعالى من الموحِّدين، وقد صحَّ أن المرابط في سبيل الله لا يُفتن كما في حديث مسلم وغيره كشهيد المعركة، والصَّابر في الطَّاعون الذي لم يخرج من البلد الذي يقع به قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، عارفًا أنَّه إن وقع له فهو بتقدير الله تعالى، وإن صرف عنه فبتقديره تعالى أيضًا غير متضجِّر به لو وقع معتمدًا على ربِّه في الحالتين؛ لحديث البخاري [خ¦3474] والنَّسائي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلَّا ما كُتب له إلا كان له مثل أجر الشَّهيد ) ).

وجه الدَّلالة أنَّ الصَّابر في الطاعون المتَّصف بالصِّفات المذكورة نظير المرابط في سبيل الله، وقد صحَّ أنَّ المرابط لا يُفتن، ومن مات في الطَّاعون فهو أولى.

فإن قيل هل المسائلة تختصُّ بهذه الأمَّة أو عامة على جميع الأمم؟

فالجواب أنَّ ظاهر الحديث الأوَّل، وبه جزم الحكيم التِّرمذي وقال كانت الأمم قبل هذه الأمَّة يأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلمَّا أرسل الله نبينا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقُبِل الإسلام ممَّن أظهره سواء أسرَّ الكفر أو لا، فلمَّا ماتوا قيَّض الله لهم فتَّاني القبر ليستخرج سرهم بالسُّؤال، وليميز الله الخبيث من الطَّيب، ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الظَّالمين انتهى.

ويؤيِّده حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ هذه الأمَّة تبتلى في قبورها ) )الحديث أخرجه مسلم. ويؤيِّده أيضًا قول الملكين (( ما تقول في هذا الرَّجل محمَّد؟ ) ). وحديث عائشة رضي الله عنها أيضًا عند أحمد بلفظ (( وأمَّا فتنة القبر فبي تفتنون وعنِّي تسألون ) ).

وذهب ابن القيِّم إلى عموم المسائلة وقال ليس في الأحاديث ما ينفي المسائلة عمَّن تقدَّم من الأمم، وإنَّما أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بكيفية امتحانهم في القبور لا أنَّه نفى ذلك عن غيرهم قال والَّذي يظهر أن كلَّ نبي مع أمَّته كذلك، فيعذَّب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم، وإقامة الحجَّة عليهم كما يعذَّبون في الآخرة.

وحَكىَ في مسألة الأطفال احتمالًا، وقد ذكر أصحابنا أنهم يسألون وقطعوا بذلك كما تقدَّم [خ¦1248] .

وفي الحديث أيضًا ذمُّ التَّقليد في الاعتقاد؛ لمعاقبة من قال كنت

ج 6 ص 537

أسمع النَّاس يقولون شيئًا فقلته.

وفيه أنَّ الميِّت يحيى في قبره للمساءلة خلافًا لمن ردَّه، وقد مرَّ الكلام فيه مستقصى. وفي حديث عائشة رضي الله عنها جواز التَّحديث عن أهل الكتاب إذا وافق الحق.

تذييل قال عبيد بن عمير فيما ذكره الحافظ زين الدين بن رجب في كتاب «أهوال القبور» المؤمن يفتن سبعًا، والمنافق أربعين صباحًا، ومن ثمَّة كانوا يستحبُّون أن يطعم عن المؤمن سبعة أيَّام من يوم دفنه، وهذا ممَّا انفرد به، لا أعلم أحدًا غيره قاله. نعم تبعه في ذلك، وفي قوله السَّابق بعض العصريين فلم يصب، والله الموفِّق ذكره الإمام القسطلاني ذلك الهمام الرَّباني.

[1] من قوله (( فيقولان له. .. إلى قوله لا أدري ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت