123 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) هو ابن أبي شيبة (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الحضرمي، قال إبراهيم النخعي ما من قرية إلا وفيها من يدفع الله عن أهلها به، وإني لأرجو أن يكون أبو وائل منهم، وقد مر ذكرهم في باب «من جعل لأهل العلم أيامًا» [خ¦70] .
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري صاحب الهجرات الثلاثة من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ومنها إلى الحبشة، ومنها إلى المدينة، وقد تقدم في باب «أي الإسلام أفضل» [خ¦11] ؟.
ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون وأئمة أجلاء، وقد أخرج متنه المؤلف في «الجهاد» [خ¦2810] وفي كتاب «الخمس» [خ¦3126] وفي «التوحيد» أيضًا [خ¦7458] ، وأخرجه أبو داود في «الجهاد» ، والنسائي وابن ماجه فيه أيضًا.
(قَالَ) أي إنه قال (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إنما عداه بكلمة «إلى» مع أنه متعد بنفسه إشعارًا بأن المقصود بيان انتهاء المجيء إليه صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟) هو مبتدأ وخبر مقول القول مع قوله (فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا) أي لأجل الغضب وهي حالة تحصل عند غليان الدم في القلب لإرادة الانتقام.
(وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً) بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد الياء المثناة التحتية، وهي الأنفة والغيرة والمحاماة عن العشيرة يقال حميت عن كذا حميةً إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله، وقيل هي المحافظة على الحُرَم.
فالأول إشارة إلى مقتضى القوة الغضبية، والثاني إلى مقتضى القوة الشهوانية، أو الأول لأجل دفع المضرة والثاني لأجل جلب النفعة.
(فَرَفَعَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِلَيْهِ) أي إلى السائل (رَأْسَهُ) الشريفة (قَالَ) أي أبو موسى وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون القائل مَنْ دونه فيكون مدرجًا في أثناء الخبر (وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ) أي لأجل أن السائل.
(كَانَ قَائِمًا) فهو استثناء مفرغ؛ أي ما رفع لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ) أي لأن تكون (كَلِمَةُ اللَّهِ) أي دعوة الإسلام، وقيل كلمة الإخلاص وهي قولنا لا إله إلا الله.
(هِيَ الْعُلْيَا) كما هو مقتضى القوة العقلية،
ج 1 ص 706
ويدخل فيه من قاتل لطلب ثواب الآخرة ولطلب رضا الله تعالى فإن طلب إعلاء كلمة الله وطلب الثواب وطلب الرضى كلها متلازمة (فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) فإن قلت السؤال عن ماهية القتال والجواب ليس عنها، بل عن المقاتل، فالجواب أن فيه الجواب وزيادة، أو أن القتال بمعنى المقاتل بقرينة قوله «فإن أحدنا» ، فلفظة «ما» إن قلنا إنها عامة للعقلاء وغيرها فالأمر ظاهر، وإن قلنا إنها لغير العقلاء فذلك إذا لم يعتبر معنى الوصفية فيه، إذ صرحوا بنفي الفرق بين العقلاء وغيرها عند اعتبارها كما في قوله تعالى {بَل لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة 116] على ما حققه جار الله الزمخشري، أو يقال إن ضمير «هو» راجع إلى القتال المستفاد مِن «قاتل» ؛ أي فقتاله قتال في سبيل الله عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث أن الأعمال إنما هي بحسب النيات، ومنها أن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختصٌّ بمن قاتل لإعلاء كلمة الله، ومنها أنه لا بأس بقيام المستفتي وطالب الحاجة عند العالم، أو المحتاج إليه إذا أمن من الكبر، ومنها استحباب إقبال المسؤول على السائل، ومنها ما قال ابن بطال أنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم لأنه أجاب السائل بجواب جامعٍ لمعنى سؤاله لا بلفظه؛ لأن الغضب والحمية قد يكونان لله عز وجل وقد يكون لغرض الدنيا، فأجابه صلى الله عليه وسلم بالمعنى مختصرًا، إذ لو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك ولخشي أن يلبس عليه.
وقد جاء في «الصحيح» أيضًا الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكْر، والرجل يقاتل ليرى مكانه فمَن في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله ) ) [خ¦2810] [خ¦3126] .