فهرس الكتاب

الصفحة 2189 من 11127

1387 - (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العميُّ، أخو بهز بن أسد البصري قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتصغير، هو ابن خالد البصري (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير.

(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) في مرض موته تعني أباها (قَالَ فِي كَمْ) أي كم ثوبًا (كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟) و «كم» الاستفهامية، وإن كان لها صدر الكلام، ولكن الجار كالجزء له فلا تتصدَّر عليه.

فإن قيل كان أبو بكر رضي الله عنه أقرب النَّاس إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بحاله وأموره، فما وجه الاستفهام؟

فالجواب أنَّ هذا السُّؤال من أبي بكر رضي الله عنه، والجواب عن عائشة رضي الله عنها كانا في مرض موته، وكان قصده من ذلك موافقته للنَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى في التَّكفين، وكان يرجو أيضًا أن تكون وفاته في اليوم الذي مات فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لشدَّة اتباعه إيَّاه في حياته، فأراد اتباعه في مماته، وحصل قصده

ج 6 ص 560

في التَّكفين؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها لما قالت كُفِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية، أشار أبو بكر رضي الله عنه أن يكون كفنه أيضًا في ثلاثة أثواب حيث قال «اغسلوا ثوبي هذا» . وأشار به إلى ثوبه الذي كان يُمرَّض فيه، وزيدوا عليه ثوبين؛ ليصير ثلاثة أثواب مثل كفن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا وفاته فقد تأخَّرت عن وقت وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين، وتوفِّي أبو بكر رضي الله عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وذلك التأخُّر كان لحكمة وهي أنَّه رضي الله عنه قام بالأمر بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، فناسب أن تكون وفاته متأخِّرة عن الوقت الذي قُبض فيه صلى الله عليه وسلم.

وقيل إنَّما سأل أبو بكر رضي الله عنه عن ذلك بصيغة الاستفهام توطئة لعائشة رضي الله عنها للصَّبر على فقده؛ لأنَّه لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذَكَرَ أمر موته ابتداءً لدخل عليها غمٌّ عظيم من ذلك، وتجديد حزن فيكون غمًّا على غمٍّ وحزنًا على حزن.

وقال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون السُّؤال [1] عن قدر الكفن على حقيقته؛ لأنَّه لم يحضر ذلك لاشتغاله بأمر البيعة.

وأمَّا تعيين اليوم فنسيانه أيضًا محتمل؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم دفن ليلة الأربعاء، فيمكن أن يحصل التردُّد هل مات يوم الاثنين أو الثلاثاء؟ انتهى.

وتعقَّبه العيني بأنَّه من البعيد أن لا يحضر أبو بكر تكفين النَّبي صلى الله عليه وسلم مع كونه أقرب النَّاس إليه في كلِّ شيءٍ، ومع هذا كانت البيعة في اليوم الذي توفِّي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الاثنين، والتَّكفين كان وقت دفنه ليلة الأربعاء، قاله ابن إسحاق.

فإن قلت قال الواقدي كانت البيعة يوم الثلاثاء.

فالجواب أنَّه كان يوم الاثنين يوم السَّقيفة، وكانت البيعة العامَّة يوم الثلاثاء، قاله الزُّهري وغيره.

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها قلت له كفناه (فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) بكسر الموحدة، جمع أبيض (سَحُولِيَّةٍ) بفتح السين المهملة وبضم الحاء المهملة، نسبة إلى سحول قرية باليمن (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ) وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في باب الثِّياب البيض للكفن [خ¦1264] .

(وَقَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (لَهَا) أي لعائشة رضي الله عنها (فِي أَي يَوْمٍ تُوُفِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ) توفِّي (يَوْمَ الاِثْنَيْنِ) بالنصب؛ أي في يوم الاثنين (قَالَ) أبو بكر رضي الله عنه(فَأَيُّ

ج 6 ص 561

يَوْمٍ هَذَا؟)أشار به إلى اليوم الذي كان مريضًا فيه، وكان آخر أيَّامه ولم يكن موته فيه كما مرَّ آنفًا قالت

(قُلْتُ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ) برفع «اليوم» على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا اليوم يوم الاثنين (قَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (أَرْجُو) أي أتوقع وأطمع أن تكون وفاتي.

(فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ) ويروى أي فيما بين الوقت الذي أنا فيه، وبين اللَّيل الذي يأتي؛ أي يوم الاثنين؛ ليكون موته في يوم موت النَّبي صلى الله عليه وسلم، لكن توفِّي رضي الله عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء كما مرَّ آنفًا. وقيل توفِّي يوم الجمعة، وقيل ليلة الجمعة والأوَّل أصح.

ولا خلاف أنَّه صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين قبل أن ينشب النَّهار، ومرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وبدأ وجعه عند وليدة له يقال له ريحانة كانت من سبي اليهود، وكان أوَّل يومِ مرضٍ يوم السبت، وتوفِّي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوَّل لتمام عشر سنين من مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة.

واختلفوا في سبب موت أبي بكر رضي الله عنه فقال سيف بن عمر بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كمدَ فما زال جسمه يذوب حتَّى مات. وقيل كان سبب [2] موته السُّم.

فقال ابنُ سعد بإسناده عن ابن شهاب إنَّ أبا بكر رضي الله عنه والحارث بن كِلدة كانا يأكلان خزيرة أُهديت لأبي بكر رضي الله عنه فقال له الحارث ارفعْ يدك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله إنَّ فيها لسمَّ سنةٍ وأنا وأنت نموتُ في يومٍ واحدٍ عند انتهاء السَّنة، فماتا عند انقضائها ولم يزالا عليلين حتَّى ماتا.

والخزيرة اللَّحم الذي يُقطَّع ويذرُّ عليه الدَّقيق.

وقال الطَّبري الذي سمَّته امرأة من اليهود في أرزٍّ، وقيل إنَّ اليهود سمَّته في حَسوٍ. وقيل اغتسل في يوم بارد فحُمَّ خمسة عشر يومًا وتوفي، حكاه الواقديُّ عن عائشة رضي الله عنها.

وقيل عَلِقَ به سِلٌ قبل وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل به حتَّى قتله، حكاه عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

(ثُمَّ نَظَرَ) ويروى (إِلَى ثَوْبٍ) كائن (عَلَيْهِ) أي على بدنه (كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ) على صيغة المجهول من التَّمريض، من مرَّضت فلانًا _ بالتشديد _ إذا أقمت عليه بالتَّعهد والمداواة.

(بِهِ) أي بهذا الثَّوب الذي عليه (رَدْعٌ) بفتح الراء وسكون الدال المهملة آخره عين

ج 6 ص 562

مهملة، هو اللَّطخ والأثر الذي لم يعمَّ ما هو فيه كله، ويروى بالغين المعجمة، وكلمة «من» في قوله (مِنْ زَعْفَرَانٍ) للبيان.

(فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ) أي على هذا الثَّوب (ثَوْبَيْنِ) زاد ابن سعد، عن أبي معاوية، عن هشام (( جديدين ) ) (فَكَفِّنُونِي فِيْهِمَا) أي في المزيد، والمزيد عليه، ويروى ؛ أي في الثَّلاثة، قالت عائشة رضي الله عنها

(قُلْتُ إِنَّ هَذَا) أي الثَّوب الذي كان عليه (خَلَقٌ؟) بفتح الخاء المعجمة واللام؛ أي بالٍ عتيق غير جديد، وفي رواية أبي معاوية عند ابن سعد (( ألا نجعلها جددًا كلها؟ ) )قال لا، وظاهره أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان يرى عدم المغالاة في الأكفان، ويؤيِّده سياق الحديث أعني قوله

(قَالَ إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ) أي الكفن (لِلْمُهْلَةِ) أي للقيح والصَّديد. قال القاضي عياض روي بضم الميم وفتحها وكسرها، وجزم الخليل بالكسر.

وقال ابنُ حبيب المهملة بالكسر الصَّديد، وبفتحها التمهُّل، وبضمها عكر الزَّيت الأسود المظلم، ومنه قوله تعالى {تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} [المعارج 8] .

وقال ابن دُريد في هذا الحديث إنَّها صديد الميِّت، وزعموا أنَّ المهلَ ضربٌ من القطران. وقال ابن الأثير المهلة _ بضم الميم وكسرها _ هي القيحُ والصَّديد الذي يذوبُ من الجسد، ومنه قيل للنُّحاس الذَّائب مهل.

ويحتملُ أن يكون المراد بها معناها المشهور وهو التَّمهل؛ أي أن الجديد لمن يريد البقاء، والأوَّل أظهر، والله أعلم.

وروى أبو داود من حديث علي رضي الله عنه (( لا تغالوا في الكفنِ فإنَّه يُسلَب سريعًا ) )أي لا تجاوزوا القدر ولا تبالغوا فيه، فإنَّه يُسلَب الميِّتُ الكفنَ سريعًا؛ أي يبلى عليه، ويتقطَّع ولا يبقى ولا ينتفع به الميِّت.

فإن قيل يعارضه حديث جابر رضي الله عنه أخرجه مسلم عنه قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إذا كفَّنَ أحدُكم أخاه فليُحسن كفنَه ) ). ورواه التِّرمذي أيضًا ولفظه (( إذا ولي أحدُكم أخاه فليُحسن كفنه ) ) [3] . وفي رواية الحارث بن أسامة وأحمد بن منيع (( إذا ولى أحدكم أخاه فليُحسن كفنه، فإنَّهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم ) ). وفي وراية أبي نصر عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون ) ).

فالجواب أنَّه لا تعارض بينهما، إذ المراد بتحسين الكفن ليس المغالاة في الثَّمن والرقَّة، وإنَّما المراد به كونه جديدًا أبيض، حكاه ابن المبارك عن سلام بن أبي مطيع.

وروى ابن أبي شيبة، عن محمَّد بن سيرين أنَّه كان يعجبه

ج 6 ص 563

الكفن الصَّفيق. ورُوِي أيضًا عن جعفر بن ميمون قال كانوا يستحبُّون أن تكفَّن المرأة في غلاظ الثِّياب.

ورُوي أيضًا عن الحسن ومحمَّد أنَّه كان يعجبهما أن يكون الكفن كتَّانًا. وروي أيضًا عن ابن الحنفيَّة قال ليس للميِّت من الكفنِ شيء، إنَّما هو تكرمة الحيِّ.

وقيل في الجمع بينهما بحمل التَّحسين على الصِّفة، وحمل المغالاة على الثَّمن.

وقيل التَّحسين حقُّ الميِّت فإذا أوصى بتركةٍ اتُّبع كما فُعِل الصِّدِّيق رضي الله عنه. ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثَّوب بعينه؛ يعني لمعنى فيه من التبرُّك به؛ لكونه جاهدَ فيه أو تعبَّد فيه.

ويؤيِّده ما رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه قال قال أبو بكر رضي الله عنه كفِّنوني في ثوبَيَّ اللَّذين كنت أصلِّي فيهما.

ويحتمل وجهًا آخر وهو أن الثَّوب الذي اختاره كان وصلَ إليه من النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك اختاره تبركًا به، وحق له هذا الاختيار.

(فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثلاَثَاءِ) بالهمز ممدودًا وقد يضم فاؤه (وَدُفِنَ) من ليلته (قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ)

وفي الحديث استحباب التَّكفين في الثياب البيض، وتثليث الكفن، وجواز التَّكفين في الثياب المغسولة. وفيه إيثارُ الحيِّ بالجديد. وفيه جواز دفن الميِّت باللَّيل، واستحباب طلب الموافقة فيما وقع للأكابر تبرُّكًا بذلك [4] . وفيه أخذ المرء بالعلم عمَّن دونه. وفيه فضل أبي بكر وصحَّة فراستهِ وثَبَاتُه عند وفاته رضي الله عنه.

وفيه أنَّ وصية الميِّت معتبرة في كفنه وغير ذلك من أمره إذا وافق صوابًا، فإن أوصى بسرفٍ فعن مالك يكفَّن بالقصد فإن لم يوصِ لم ينقص من ثلاثة أثواب من جنس لباسه في حياته؛ لأنَّ الزِّيادة عليها والنقص منها خروج عن العادة.

وقال أبو عمر فيه أن التَّكفين في الثَّوب الجديد والخلق سواء. وتعقِّب باحتمال أن يكون أبو بكر رضي الله عنه اختاره لمعنى من المعاني التي ذُكِرت آنفًا، وعلى تقدير أن لا يكون كذلك فلا دليل فيه على المساواة.

[1] (( من قوله عظيم من ذلك. .. إلى قوله يكون السؤال ) )ليس في (خ) .

[2] (( من قوله موت أبي بكر. .. إلى قوله كان سبب ) )ليس في (خ) .

[3] قوله (( ورواه التِّرمذي أيضًا ولفظه إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) )ليس في (خ) .

[4] من قوله (( وفيه جواز دفن. .. إلى قوله تبركًا بذلك ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت