فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 11127

قال المؤلف

12 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بن فَرُّوخ _ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة والخاء المعجمة _ أبو الحسن الحراني، نسبة إلى حران، هي مدينة عظيمة تعدُّ من ديار مصر. قيل هي مولد إبراهيم الخليل ويوسف عليهما السلام، وهي اليوم خراب، سكن مصر.

روى عن اللَّيث بن سعد وعبد الله بن عمر وغيرهما، وروى عنه الحسن بن محمد بن الصباح وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال صدوق. وقال أحمد بن عبد الله ثبت ثقةٌ بصريٌّ.

انفردَ البخاري بالرِّواية عنه دون أصحاب الكتب الخمسة، وروى ابن ماجه عن رجل عنه، توفي بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلثة، هو ابن سعد الفهمي مولاهم المصري، عالم مصر، إمام في الفقه والحديث كان نظير مالك في العلم. قال الشَّافعي أنّه كان أفقه من مالك إلَّا أنه ضيَّع فقهَه أصحابُه.

وقال أيضًا ما فاتني أحد فأسِفْتُ عليه مثله. قال ابنُ خَلِّكان كان حنفيَّ المذهب، لكن المشهور أنَّه كان مجتهدًا، قيل دَخْلُهُ في السَّنة ثمانون ألف دينار وسبعين ومائة.

(عَنْ يَزِيدَ) أبي رجاء بن أبي حبيب المصري التابعي الجليل، سمع عبد الله بن الحارث، وأبا الطُّفيل عامر بن واثلة من الصَّحابة وخلقًا من التابعين.

وروى عنه سليمان التَّيمي ويحيى بن أيوب وخلقٌ كثير من أكابر مصر. وكان مُفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وهو أوَّل من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وكانوا قبل هذا يتحدَّثون بالفتن والملاحم، وكان أحدُ الثلاثة الَّذين جَعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتيا بمصر.

وقال اللَّيث يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، وُلد سنة

ج 1 ص 184

ثلاث وخمسين، ومات سنة ثمان وعشرين ومائة، روى له الجماعة.

(عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) بالخاء المعجمة، مَرْثَد بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة، ابن عبد الله اليزني _ بالتحتانية والزاي المفتوحتين _ نسبة إلى يزن بطنٌ من حِمْيَر المصري التَّابعي، روى عن عَمرو بن العاص وسعيد بن زيد وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم، وكان مُفتي أهل مصر، توفي سنة تسعين، روى له الجماعة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أي ابن العاص السابق ذكره.

ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة، ومنها أنَّ رواته كلهم مصريون، ومنها أن كلهم أئمة أجلاَّء.

وأخرج متنه المؤلف في باب (( الإيمان ) ) [خ¦28] أيضًا بعد هذا بأبواب، وفي (( الاستئذان ) ) [خ¦6236] ، ومسلم في (( الإيمان ) )، والنسائي فيه أيضًا، وأبو داود في (( الأدب ) )، وابن ماجه في (( الأطعمة ) ).

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَجُلًا) قال العسقلانيُّ لم أعرف اسمه، وقد قيل إنّه أبو ذرٍّ (سَأَلَ النَّبِيَّ) وفي رواية (صلَّى الله عليه وسلم أَيُّ) خصال (الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟) وإنَّما لم يختر تقدير خصال في الأول؛ حذرًا من كثرة الحذف. قال الكرمانيُّ فإن قلت هل فرق بين أفضل وخير؟.

قلتُ لا شك أنهما من باب التَّفضيل، لكن الفضل بمعنى كثرة الثَّواب في مقابلة القلَّة والخير بمعنى النَّفع في مقابلة الشر، والأول من الكميَّة، والثاني من الكيفيَّة. انتهى.

يعني ولذا أُجيب في الأول بالسلامة من اللسان واليد، وفي الثاني بالإطعام وقراءة السلام، هذا على اختلاف السؤالين وثبوت الفرق المذكور، وأمَّا على تقدير اتِّحادهما فيمكن الحمل على اختلاف حال السَّائلين بأن يراد في الجواب الأول تحذير من يخشى منه الإيذاء باليد أو اللسان، فأرشد إلى الكفِّ، وفي الثاني ترغيب من يرجى منه النَّفع الفعلي أو القولي، فأرشد إلى ذلك.

ويمكن أن يكون النبي صلَّى الله عليه وسلم علِم أنَّ السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أنَّ الأول يسأل عمَّا يدفع المضار، والثَّاني عمَّا يجلب المسار، أو أنهما مُتَلازمان بالحقيقة، إذ الإطعامُ مستلزم لسلامة اليد، والسَّلام لسلامة اللِّسان.

لكن قال محمود العيني ينبغِي أن يُقيَّد هذا بالغالب أو في العادة، فافهم.

وخَصَّ هاتان الخصلتان بالذِّكر؛ لمسيس الحاجةِ إليهما في ذلك الوقت؛ لِما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التَّأليف، ويدلُّ على ذلك أنَّه صلَّى الله عليه وسلم حثَّ عليهما أوَّل ما دخل المدينة على ما رواه الترمذيُّ وغيره مصحَّحًا من حديث عبد الله بن سلام.

(قَالَ) وفي رواية أي النبي صلَّى الله عليه وسلم (تُطْعِمُ) أيًّا من كان (الطَّعَامَ) أي هي إطعام الطعام فهو مثل قولهم تسمع بالمُعَيْديِّ خير من أن تراه.

وإنما قيل تطعم الطَّعام، ولم يقل تُؤكِل الطعام ونحوه؛ لأنَّ الإطعام يشمل الإعطاء أيضًا فيكون أعم.

(وَتَقْرَأُ) بفتح التاء؛ لأنه مضارع قرأ. قال أبو حاتم السِّجستاني تقول

ج 1 ص 185

اقرأ عليه السلام، ولا تقول أقرؤه السلام إلَّا إذا كان مكتوبًا فتقول أقرِئْه السلام؛ أي اجعله يقرؤه، هذا ولم يقل وتُسلِّم؛ حتَّى يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمِّن للسلام.

(السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) أي من المسلمين، فلا يُسلِّم ابتداء على كافر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا تبدؤوا اليهود والنَّصارى بالسَّلام، فإذا لقيتُم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ) )رواه المؤلف [1] ، وكذلك خَصَّ منه الفاسق بدليل آخر.

وأمَّا من يشك فيه؛ فالأصل هو البقاء على العموم، ثمَّ التَّعميم للمسلمين بأن لا يَخُصَّ به أحدًا دون أحد كِبرًا أو تهاونًا كما يفعله الجبابرة؛ لأنَّه شعار الإسلام، فلكلِّ مسلم حق فيه سواء عُرِفَ أو لم يُعْرَف، فإن المسلمين إخوة.

وقد روي في حديث (( إن السلام في آخر الزمان للمعرفة يكون ) ).

وفي الحديث فوائد

منها الحثُّ على إطعام الطعام الَّذي هو إمارة الجود والسخاء ومكارم الأخلاق، وفيه نفع المحتاجين وسد الجوع الذي استعاذ منه النبي صلَّى الله عليه وسلم. ومنها الحث على إفشاء السلام الذي يدلُّ على خفض الجناح للمسلمين والتَّواضع والحث على تألُّف قلوبهم، واجتماع كلمتهِم وتواددهم واستجلابِ ما يحصِّل ذلك. ومنها الإشارة إلى تعميم السلام حتى يكون خالصًا لله تعالى بريئًا من حظِّ النفس والتَّصنُّع.

ومنها الإشارة إلى تَوعِّي مكارم الأخلاق؛ لأنَّها إما مالية، والإطعام إشارة إليها، وإمَّا بدنية والسلام إشارة إليها، وخُصَّا بالذكر من بين أفراد النَّوعين؛ لأن الأول قوام الأبدان والأجسام، والثاني شعار الإيمان والإسلام، على ما ذكره الخطَّابي.

[1] في خارج الصحيح، انظر الأدب المفرد (111) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت