125 - (حَدَّثَنَا قَيْسُ) بفتح القاف وسكون التحتية وبالمهملة (بْنُ حَفْصٍ) بن القعقاع الدارمي أبو محمد البصري، روى عنه أحمد بن سعيد الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، قال يحيى بن معين ثقة، وقال أحمد بن عبد الله لا بأس به، وقال أبو حاتم شيخ وهو شيخ البخاري، انفرد بالإخراج عنه عن أئمة الكتب الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) ؛ بن زياد أبو بِشر بكسر الموحدة وبالمعجمة البصري توفي سنة ست وسبعين ومائة (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ) ؛ أي
ج 1 ص 709
ابن مهران كما في رواية ابن عساكر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن يزيد النخعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) هو ابن قيس النخعي عم والدة إبراهيم، وهذه الثلاثة كوفيون، تابعيون، حفاظ، متقنون رحمهم الله، وقد مر ذكرهم في باب «ظلم دون ظلم» [خ¦32] .
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابن مسعود الصحابي المشهور الجليل رضي الله عنه، وفي هذا الإسناد على ما قيل أصح الأسانيد، وهي رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، وقد أخرج متنه المؤلف في «التوحيد» [خ¦7456] ، وفي «التفسير» [خ¦4721] ، وفي «الاعتصام» أيضًا [خ¦7297] ، وأخرجه مسلم في «الرقاق» ، والترمذي والنسائي في «التفسير» ، وقال الترمذي حسن صحيح.
(قَالَ) أي إنه قال (بَيْنَا) بإشباع فتحة النون وقد مر غير مرة بيان إعرابه، وأن العامل فيه جوابه وهو هاهنا قوله «فمَرَّ» والفاء فيه قائم مقام «إذا» لأن بينهما أخوة، والغالب دخولها في جواب «بينا» ، وإن كان الأصمعي يستفصح ترك «إذ وإذا» في جوابه كما مر فيما قبل.
(أَنَا أَمْشِي) جملة اسمية أضيف إليها لفظة «بينا» ؛ أي بين أوقات مشيي مصاحبًا (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء آخره موحدة، تارة يكون مفردًا يقال مكان خرب، تارة يكون جمعًا يقال أماكن خرب جمع خربة وهي ضد المعمور، ويروى بكسر الخاء وفتح الراء على أنه جمع خربة.
وفيه أن جمع خربة خَرِب _ بفتح فكسر _ كما ذكر ككلمة وكَلِم لا خِرَب _ بكسر ففتح _ كما زعم بعض الشارحين، وروى البخاري في غير هذا الموضع «حرث» [خ¦4721] _ بالحاء المهملة والثاء المثلثة _ وكذا رواه مسلم في جميع طرقه قيل وهو الصواب والله أعلم.
(وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (يَتَوَكَّأُ) أي يعتمد، من وكاء، ومنه رجل تُكَأَة مثل تُؤَدَة بمعنى كثير الاتكاء وأصلها وُكَأَة، والتُّكَأَة أيضًا ما يُتكأ عليه؛ أي المتكأ قال الله تعالى {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف 31] والجملة الاسمية حالية (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح المهملة وكسر المهملة أيضًا آخره موحدة، ما لم ينبت عليه الخوص من شجر النخل، وما نبت عليه الخوص [1] فهو السعف والجمع عُسُب، كذا قال الصغاني.
وقال غيره العسيب جريد النخل، وهو عود قضبان النخل، كانوا يكشطون خوصها ويتخذونها عِصيًا، وكانوا يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله في الحديث (( فجعلت أتتبعه
ج 1 ص 710
في العسيب يريد القرآن )) ، والمراد هنا عصًا من جريد النخل وقوله
(مَعَهُ) صفة لـ «عسيب» (فَمَرَّ بِنَفَرٍ) أي عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنَّفَر مثله وكذلك النَّفر بالإسكان، قال الحافظ العسقلاني (لم أقف على أسمائهم) ، (مِنَ الْيَهُودِ) هذا اللفظ مع اللام وبدونها معرفة، والفارق بين المفرد والجماعة ياء النسبة كما قالوا زنجي وزنج.
(فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ) وفي رواية (بَعْضُهُمْ لاَ تَسْلوهُ) أصله لا تسألوه (لاَ يَجِيءُ) يجوز فيه ثلاثة أوجه الجزم على جواب النهي، قال الحافظ العسقلاني (وهو الذي في روايتنا) ، والنصب على معنى «لا تسلوه» إرادة أن لا يجيء أو خشية أن يجيء، على أن «لا» زائدة، وهذا على مذهب الكوفيين، والرفع على الاستئناف.
(بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) مما يدل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعض والله (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا بَا الْقَاسِمِ) أصله يا أبا القاسم حذفت الهمزة تخفيفًا (مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ) أي في نفسي (إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) فلذلك سكت (فَقُمْتُ) من عنده حتى لا أكون مشوشًا عليه أو فقمت حائلًا بينه وبينهم.
(فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ) أي انكشف عنه صلى الله عليه وسلم الكرب الذي كان يتغشاه حال الوحي، أو انجلى صلى الله عليه وسلم عن الوحي؛ أي عن أثره (قَالَ) وفي رواية أي قرأ قوله تعالى ( {وَيَسْأَلُونَكَ} ) بإثبات الواو كما في التنزيل، وفي رواية بلا واو.
( {عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء 85] ) قيل سؤالهم عن الروح مشكل إذ لا يعلم مرادهم؛ لأن الروح جاء في القرآن على معان، قال تعالى {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء 193] وقال {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر 4] وقال و {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى 52] وقال {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} [النبأ 38] فلو عينوا سؤالهم لأمكنه أن يجيبهم.
وقال ذلك القائل أيضًا ويمكن أن يكون سؤالهم عن روح بني آدم؛ لأنه مذكور في التوراة أنه لا يعلمه إلا الله، وقالت اليهود إن فسَّر الروحُ فليس بنبي، فلذلك قال تعالى له {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء 85] .
( {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ) أي من الإبداعيات الكائنة بـ {كن} من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده أو هو مما استأثر الله تعالى بعلمه، واقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى عليه السلام
ج 1 ص 711
في جواب {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء 23] بذكر بعض صفاته تعالى، إذ الروح لدقته لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به.
وقال القاضي عياض وغيره اختلف المفسرون في الروح المسؤول عنها، فقيل سألوه عن عيسى عليه السلام فقال لهم الروح من أمر الله؛ يعني إنما هو شيء من أمر الله لا كما يقول النصارى، وعن ابن عباس وعلي رضي الله عنهم هو ملك من الملائكة يقوم صفًا وتقوم الملائكة صفًا قال تعالى {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ 38] ، وقيل جبريل عليه السلام، وقيل القرآن لقوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى 52] ، وحينئذ يكون معنى قوله {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء 85] من وحيه وكلامه، وقال أبو صالح (هو خلق مثل بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل) ، وقيل طائفة من الخلق لا ينزل مَلَك الأرض إلا نزل معه أحدهم، وقيل ملك له ألف جناح وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة.
وذكر ابن إسحاق أن نفرًا من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا عن أربع نسألك عنهن وذكر الحديث وفيه فقالوا يا محمد فأخبرنا عن الروح؟ قال (( أنشدكم بالله هل تعلمون جبريل عليه السلام الذي يأتيني؟ ) )قالوا نعم، ولكنه يا محمد هو لنا عدو، وهو مَلَك يأتي بالشدة وسفك الدماء ولولا ذلك لاتبعناك، فأنزل الله تعالى {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} [البقرة 97] الآية، فقال بعضهم هذا يدل على أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل عليه السلام، والأكثر على أن سؤالهم عن حقيقة الروح الذي يحيى به بدن الإنسان ويديره.
قال المازري (الكلام على الروح مما يدق وقد أُلِّفت فيه التواليف وأشهرها ما قاله الأشعري أنه النَّفَسُ الداخل الخارج) ، وقال القاضي أبو بكر (هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة) ، وقيل جسم مشارك للأجسام الظاهرة، وقيل جسم لطيف خلقه البارئ سبحانه وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، فإذا شاء الله موت أحد أعدم هذا الجسم منه، وهذا الجسم وإن كان حيًا فلا يحيى إلا بحياة تختص به، وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم، ما من الأجسام، ويكون في مكان في العالم، أو في حواصل طير خضر إلى غير ذلك وقيل هو الدم.
وقال الغزالي
ج 1 ص 712
الروح جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيز، وأنه ليس بداخل الجسم ولا خارجًا عنه، وليس متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، وذلك لعدم التحيز الذي هو شرط الكون في الجهات)، واعتُرض عليه بوجوه قد عُرِفتْ في موضعها. وقيل الروح عَرَضٌ؛ لأنه لو كان جوهرًا والجواهر متساوية في الجوهرية للزم أن يكون للروح روح آخر وهو فاسد ووجه دفعه ظاهر، وقيل إنه جوهر فردٌ متحيز، وأنه خلاف الحياة القائمة بالجسم الحيواني وأنه حامل للصفات المعنوية، وقيل إنه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان وأذنان ويدان ورجلان في داخل الجسم يقابل كل جزء منه نظيره من البدن، وقيل إنه جسم لطيف في البدن سارٍ فيه سريان ماء الورد فيه، وعليه اعتمد عامة المتكلمين من أهل السنة، وقد كثر الاختلاف في أمر الروح بين الحكماء والعلماء المتقدمين قديمًا وحديثًا، وأطلقوا أعنة النظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيته حتى ذكر بعضهم فيه سبعين قولًا فأكثرهم تاهوا في تيه الحيرة وقالوا إن الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عالمًا به.
هذا وقال محمود العيني (جلَّ منصب النبي صلى الله عليه وسلم وهو نبي الله وسيد خلقه أن يكون غير عالم بالروح، وكيف وقد منَّ الله عليه بقوله {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء 113] ، وقد قال أكثر العلماء ليس في الآية دليل على أن الروح لا تُعلَم، ولا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها والله أعلم) .
واختلف أيضًا هل الروح والنفس واحد أم لا؟
والأصح أنهما متغايران، فإن النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا، وأكثر الفلاسفة لم يفرقوا بينهما وقالوا النفس هي الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية ويسمونها الروح الحيوانية، وهي الواسطة بين القلب الذي هو النفس الناطقة وبين البدن، وقال بعض الحكماء النفس مجردة؛ أي غير جسم ولا جسماني وتحقيقه في موضعه.
( {وَمَا أُوتُوا} ) بصيغة الغائب ( {مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء 85] ) ؛ استثناء من العلم؛ أي إلا علمًا قليلًا أو من الإيتاء؛ أي الإيتاء قليلًا أو من الضمير؛ أي إلا قليلًا منهم.
(قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (هِيَ كَذَا) وفي رواية (فِي قِرَاءَتِنَا) أي أوتوا بصيغة الغائب، وليست هذه القراءة في السبعة ولا في المشهور من غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في «كتاب القراءات» له من قراءة الأعمش وهي مخالفة لخط المصحف.
وقال النووي أكثر نسخ «الصحيحين» «وما أوتوا» ، وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن الأعمش فرواه وكيع على القراءة المشهورة، ورواه عيسى بن يونس عنه {وما أوتوا} ، وقال القاضي عياض
ج 1 ص 713
(اختلف المحدثون فيما وقع من ذلك، فذهب بعضهم إلى الإصلاح على الصواب، واحتج بأنه إنما قصد به الاستدلال، والاحتجاج على ما سبق من الترجمة ولا حجة إلا في الصحيح الثابت في المصحف) ، وقال قوم تترك على حالها وينبَّه عليها؛ لأن من البعيد خفاءُ ذلكَ على المؤلف ومن نقل عنه وهلم جرا، فلعلها قُرئت شاذة، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يُحتج بها في حكم ولا يقرأ بها في صلاة.
واختلف أصحاب الأصول فيما نقل آحادًا، ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره هل هو حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي رحمه الله، وأثبته إمامنا أبو حنيفة رحمه الله وبني عليه وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بما نُقِل عن مصحف ابن مسعود رضي الله عنه من قوله {ثلاثة أيام متتابعات} ، وأدلتهما مذكورة في الأصول.
وقد وقع في بعض نسخ «الصحيحين» «وما أوتيتم» بالخطاب كما في المصحف والخطاب عام؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال «بل نحن وأنتم لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا» فقالوا ما أعجب شأنك! ساعة تقول {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة 269] وساعة تقول هذا فنزلت {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} ؛ أي ولو ثبت كون الأشجار أقلامًا {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} أي والبحر المحيط بسعته مدادًا ممدودًا بسبعة أبحر، فأغنى عن ذكر المداد «يمده» لأنه من مد الدواة وأمدها {مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان 27] بكتبها بتلك الأقلام وما قالوه لسوء فهمهم، فإن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة فيوصف الشيء بالقلة مضافًا إلى ما فوقه وبالكثرة مضافًا إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي أقل قليل.
وقيل هو خطاب اليهود خاصة؛ لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتينا التوراة فيها الحكمة وقد تلوتَ {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة 269] فقيل لهم إن علم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى.
[1] في هامش الأصل الخوص بالضم ورق النخل. منه.