1403 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المدينيِّ، قال (حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) أبو النَّضر التَّميمي، ويُقال اللَّيثي الكناني. قال الواقديُّ مات ببغداد يوم الأربعاء غُرَّة ذي القعدة سنة سبع ومائتين، وقد مرَّ في باب وضع الماء عند الخلاء [خ¦143] قال
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله، مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزيَّات(السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
ج 7 ص 29
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ)بمدِّ الهمزة؛ أي أعطاه (مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ) بضم الميم على البناء للمفعول؛ أي صوَّر له، وفي رواية (( مثل له ماله ) )أي ماله الَّذي لم يؤدِّ زكاته.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا) بضم الشين المعجمة نصب على أنَّه مفعول ثان لمثل. قال ابنُ الأثير ومَثَّل يتعدى إلى مفعولين، فإذا بُنِيَ لما لم يسمَّ فاعله يتعدَّى إلى واحد، فلذا قال مثَّل له شجاعًا.
وقال الطِّيبي شجاعًا نصب يجري مجرى المفعول الثَّاني، وقال البدر الدَّماميني شُجاعًا منصوب على الحال. وقيل ضمن مثل معنى التَّصيير؛ أي صيَّر ماله على صورةِ شجاعٍ وهي الحيَّة الذَّكر، أو الذي يقوم على ذنبهِ، ويُواثب الرَّاجل والفارس، وربَّما يبلغ وجه الفارس ويكون في الصَّحاري، وقيل الشُّجاع الثعبان.
(أَقْرَعَ) لا شعر على رأسه لكثرة سُمِّه وطول عمره. وفي كتاب أبي عبيد سمِّي أقرع؛ لأنَّ شعر رأسه يتمعَّط لجمعه السمَّ فيه، وقال القزاز إنَّ الحيَّة لا شعر برأسها، فلعلَّه يذهب جلد رأسه.
وفي «تهذيب الأزهري» سمِّي أقرع؛ لأنه يَقْرِيْ السُّمَّ ويجْمَعُه في رأسه حتَّى تتمعَّط فروة رأسه. قال ذو الرمة
~قَرَى السُّمَّ حتَّى انْمَازَ فَرْوةُ رَأْسِهِ عَن العَظْمِ صِلٌّ فاتِكُ اللَّسْعِ مَارِدُ
وقال القرطبي الأقرع من الحيَّات الذي ابيضَّ رأسه من السمِّ، ومن النَّاس الَّذي لا شعر برأسه، وقيل كلَّما كثر سُمه ابيضَّ رأسه.
(لَهُ زَبِيبَتَانِ) تثنية زَبيبة، بفتح الزاي وبموحَّدتين بينهما ياء تحتية، وهما الزَّبدتان الَّلتان في الشِّدقين، يقال تكلَّم فلان حتَّى زَبَد شِدْقاه؛ أي خرج الزَّبد من طرفي فمه. وقيل هما النُّكتتان السَّوداوان فوق عينيها. وقيل نقطتان تكتنفان فاها. وقيل لحمتان على رأسه. وقيل هما نابانِ يخرجان من فِيها، وردَّ بعدم وجود ذلك. والحاصل أنَّ الحيَّة ذات الزَّبيبتين أخبث ما يكون من الحيَّات.
(يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو على البناء للمفعول؛ أي يجعل ذلك الشُّجاع طوقًا في عنقه، والضَّمير المستتر فيه للشُّجاع، والبارز لمن أتاه الله مالًا، وفي الكلام تشبيهٌ كأنَّه قيل يجعل ذلك الشُّجاع كالطَّوق في عنقه.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ) ذلك الشُّجاع (بِلِهْزِمَيْهِ) بكسر اللام والزاي بينهما هاء ساكنة، تثنية لِهْمزِمَة وفسَّره بقوله (يَعْنِي شِدْقَيْهِ) بكسر الشين المعجمة؛ أي جانبي فمه، وفي رواية .
ج 7 ص 30
وفي «الصَّحاح» هما العظمان النَّاتئان في اللِّحيين تحت الأذن، وفي «الجامع» هما لحما الخدين اللَّذين يتحركان إذا أكلَ الإنسان، والمأخوذ يد صاحبِ المال، كما وقع مبيَّنًا في رواية همَّام عن أبي هريرة رضي الله عنه الآتية في ترك الحيل بلفظ (( لا يزال يطلبه حتَّى يبسط يده فليقمها فاه ) ).
(ثُمَّ يَقُولُ) أي الشُّجاع (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) زيادة حيث لا ينفعه النَّدم وفيه نوع من التَّهكم. وفي حديث ثوبان عند ابن حبَّان (( يتبعه فيقول أنا كنزك الَّذي تركته بعدك فلا يزال يتبعه حتَّى يلقمه يده فيمضغها ثمَّ يتبعه سائر جسده ) ). ولمسلم في حديث جابر رضي الله عنه (( يتبع صاحبه حيث ذهب وهو يفرُّ منه، فإذا رأى أنَّه لا بدَّ منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها، كما يقضم الفحل ) ). وللطَّبراني في حديث ابن مسعود رضي الله عنه (( ينقر رأسه ) ).
(ثُمَّ تَلاَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصديقًا لمقاله وتأييدًا لكلامه ( {لاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآيَةَ) يعني قوله تعالى {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران 180] وحذف واو ولا وهي ثابتة في القرآن، وفي رواية < (( ولا تحسبن ) )> بإثبات الواو وبالخطاب.
والمعنى على الغيبة ولا يحسبنَّ الباخلون بخلهم خيرًا لهم، فقدَّر المفعول الأول بدَلالة يبخلون عليه، أو ولا يحسبنَّ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخل الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم، بتقدير المضاف، وهو تأكيد للمقرَّر.
ويُحتمل أن يكون راجعًا إلى البُخل المدلول عليه بقوله يبخلون على أنَّه مفعول أوَّل لقوله لا يحسبنَّ، على استعارة المرفوع للمنصوب على تقدير كون فاعل {لَا يَحْسَبَنَّ} قوله {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} ، وإمَّا على الخطاب فالمعنى ولا تحسبنَّ يا محمَّد بخل الذين يبخلون هو {خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران 180] ؛ أي سيُلزمون وبال ما بخلوا به، وإثمه إلزام الطَّوق.
وفي أمثالهم تَقَلَّدها طوقَ الحمامة؛ إذا جاء بهنة يُسب بها ويذم، أو يجعل ما بخل به من الزَّكاة حية يطوَّقها في عنقه يوم القيامة تنهشه من القرن إلى القدم، وتنقر رأسه وتقول أنا مالك، كما في الحديث، وعن النَّخعي سيطوقَّون بطوقٍ من نار. وفي تلاوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآية عقب ذلك دَلالة على أنَّها نزلت في مانعي الزَّكاة وعليه أكثر المفسِّرين.
وقال مسروق إنَّها نزلت فيمن له مال فيمنع قرابته صلتهُ فيطوَّق حيَّة كما سلف. وقيل نزلت في الأحبار الَّذين كتموا صفة النَّبي
ج 7 ص 31
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي الحديث دَلالةٌ على جواز قلب الأعيان، وذلك في قدرة الله تعالى هيِّن لا ينكر. وفيه أنَّ لفظ مالًا بعمومه يتناول الذَّهب والفضَّة وغيرهما من الأموال الزكويَّة.
وقال المهلَّب لم ينقل عن الشَّارع زكاة الذَّهب من طريق الخبر، كما نقل عنه زكاة الفضَّة.
وتعقَّبه العيني بأنَّه صحَّ من حديث أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه كتب إلى أهل اليمن بكتابٍ فيه الفرائض والسُّنن والدِّيات مطوَّلًا وفيه (( وفي كل أربعين دينارًا دينار ) ). رواه ابن حبَّان والحاكم في «صحيحهما» ، وكان صرف الدِّينار عشرة دراهم فعدل المسلمون بخمس أواقٍ من الفضة عشرين مثقالًا، وجعلوه زكاة نصاب الذَّهب وتواتر العمل به.
وعليه جماعةُ العلماء أنَّ الذَّهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهم فيها نصف دينارٍ إلَّا ما روي عن الحسن أنَّه ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة، وهو شاذٌّ لا يعوَّل عليه.
وذهبتْ طائفة إلى أنَّ الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة، وإن كان أقلَّ من عشرين مثقالًا، وهو قول عطاء وطاوس والزُّهري، فجعلوا الفضة أصلًا في الزَّكاة. والحديث أخرجه المؤلِّف في التفسير أيضًا [خ¦4565] ، وأخرجه النَّسائي في الزَّكاة.