فهرس الكتاب

الصفحة 2220 من 11127

1410 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم الميم وكسر النون، وقد مرَّ في باب الغسل والوضوء في المخضَّب [خ¦195] أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن أبي أميَّة مولى عمر بن عُبيد الله بن معمر القرشي التَّيمي، وقد مرَّ في باب المسح على الخفَّين [خ¦202] .

قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ) بكسر العين، هو ما عادل الشَّيء من غير جنسه، وبالفتح ما عادله من جنسه تقول عندي عِدل دراهمك من الثِّياب، وعَدل دراهمك من الدَّراهم. وقال البصريون

ج 7 ص 52

العَدل والعِدل لغتان.

وقال الخطَّابي بعدل تمرة؛ أي بقيمة تمرة يقال هذا عَدله، بفتح العين؛ أي مثله في القيمة وبكسرها؛ أي مثله في المنظر. وزعم ابن قتيبة أنَّ العَدل بالفتح المثل، واحتجَّ بقوله تعالى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة 95] والعِدل، بالكسر، القيمة. وزعم ابن التِّين أنَّه على هذا جماعةٌ من أهل اللُّغة.

وفي «المحكم» العِدْل والعَديل والعدل النَّظير والمثل، والجمع أَعْدُل وعُدَلاء، وقيل ضبط هاهنا بالفتح عند الأكثرين، وأمَّا بالكسر فهو الحِمل، بكسر الحاء.

(مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) حلال، وهي صفة مميِّزة لعدل تمرة ليمتاز الكسب الخبيث؛ أي الحرام (وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ) جملة معترضة بين الشَّرط والجزاء تأكيدًا أو تقريرًا للمطلوب في النَّفقة. وفي رواية سليمان بن بلال الآتي ذكرها [خ¦7430] (( ولا يصعد إلى الله إلَّا الطيِّب ) )، وزاد سُهيل في روايته الآتي ذكرها أيضًا (( فيضعها في حقِّها ) ).

قال القرطبي وإنَّما لا يقبل الله الصَّدقة من الحرام؛ لأنَّه غير مملوكٍ للمتصدِّق وهو ممنوع من التصرُّف فيه، والمتصدِّق به متصرف فيه، فلو قبل منه لزم أن يكون الشَّيء مأمورًا منهيًّا من وجهٍ واحد، وهو محال.

(فَإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ) قال الخطَّابي ذكر اليمين ليدلَّ به على حسن القبول؛ لأنَّ في عرف النَّاس أن أَيمانَهم مرصدة لما عزَّ من الأمور، وشمائِلَهم لما هان منها، وقيل المراد سرعة القبول وحسنه.

وقال الطِّيبي ولما قيَّد الكسب بالطَّيِّب أتبعه باليمين لمناسبةٍ بينهما في الشَّرف، ومن ثمَّة كانت يده اليمنى عليه الصَّلاة والسَّلام للطَّهور.

وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذكرها (( فيقبِضها ) )وفي حديث عائشة رضي الله عند البزَّار (( فيتلقَّاها الرَّحمن بيده ) )، وقيل لمَّا كانت الشِّمال عادة تنقص عن اليمين بطشًا وقوَّة عرَّفنا الشَّارع بقوله (( وكلتا يديه يمين ) )، فانتفى النَّقص عنه تعالى، والجارحة على الربِّ محالٌ، وإنَّما المراد قبوله تعالى، إيَّاها كاملًا قويًّا.

قال المازري هذا الحديث وأمثاله بناءً على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه المراد، وكنَّى عن قبول الصَّدقة باليمين، وعن تضعيف أجرها بالتَّربية.

وقال القاضي عياض لمَّا كان الشَّيء الذي يُرتضي يُتَلقَّى باليمين ويؤخذ بها استُعْمِلَ في مثل هذا واستُعير للقَبول كقول القائل

~إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِاليَمِينِ

ج 7 ص 53

أي هو أهل للمجد والشَّرف وليس المراد بها الجارحة، وقيل المراد يمين الذي يدفع إليه الصَّدقة وإضافتها إلى الله إضافة اختصاصٍ لوضع هذه الصَّدقة في يمين الآخذ لله تعالى.

وقال الزَّين ابن المنيِّر كُنِّي عن الرِّضى والقبول بالتَّلقي باليمين، لتثبيت المعاني المعقولة في الأذهان وتحقيقها في النُّفوس تحقيق المحسوسات؛ أي لا يتشكَّك في القبول كما لا يتشكَّك من عاين التلقِّي للشَّيء باليمين لا أنَّ المتناول به جارحة.

وقال التِّرمذي في «جامعه» قال أهل العلم مَن كان من أهل السنَّة والجماعة يؤمن بمثل هذا الحديث ولا يتوهَّم فيه تشبيهًا، ولا يقول كيف هكذا وهكذا روي عن مالك وابن عُيينة وابن المبارك وغيرهم.

(ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) ويروى بمضاعفة الأجر عليها، وإن أريد به الزِّيادة في كميَّة عينها ليكون أثقل في الميزان لم ينكر ذلك (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، وهو المُهر حين يفطَم، والأنثى فَلُوَّة، مثل عدوٍّ وعدوة، والجمع أَفْلاء كأعداء، ويروى بفتح الفاء وسكون اللام، وقال أبو زيد إذا فتحتَ الفاء شدَّدت الواو، وإذا كسرتها سكَّنت اللام كجرو.

وعن أبي عبيد فلوتُ المهرَ عن أمِّه، فهو فَلُو، وفرس مُفْل ومُفْلِيَة ذاتُ فَلُوٍّ. وعن ابن السِّكيت فلوته عن أمِّه وافتليته فصلته عنها.

وفي «المحكم» فلوت الصَّبيَّ والمهر والجحش فَلْوًا، وفي «المنتخب» ولا يقع عليه اسم الفلو حتَّى يُفتلى عن أمِّه؛ أي يُفطم، ثمَّ هو فَلُو حتَّى يحول عليه الحولُ.

وفي كتاب «الفرق» لأبي حاتم السجستاني قالوا في ولد الخيل العِرَاب والبراذين، للذَّكر مُهر، وللأنثى مُهرة، فإذا كانت له سبعة أشهرٍ أو ثمانية يقال له الخروف، والجمع الخرف، فإذا كانت له سنةً فهو فَلُو، والأنثى فَلوَّة، وإنَّما ضرب المثل به؛ لأنَّه يزيد زيادةً بيِّنة، ولأنَّ الصَّدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النِّتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حدِّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم لاسيَّما الصَّدقة، فإن العبد إذا تصدَّق من كسبٍ طيِّبٍ لا يزال ينظر الله إليها حتَّى تنتهي بالتَّضعيف إلى أن تصير التَّمرة كالجبل.

وفي رواية القاسم عن أبي هريرة رضي الله عنه عند التِّرمذي (( فَلُوَّة أو مُهْرة ) ). ولعبد الرزاق من وجهٍ آخر عن القاسم (( مُهرة أو فَصيلة ) )، وفي رواية

ج 7 ص 54

له عند البزَّار (( مُهره أو وَصيفه ) ).

ولابن خُزيمة من طريق سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فلوَّة أو قال فصيلة ) )، وهذا يشعر بأنَّ أو للشكِّ عن الرَّاوي لا للتَّنويع من الشَّارع.

(حَتَّى تَكُونَ) أي التَّمرة (مِثْلَ الْجَبَلِ) لتثقل في ميزانه، أو المراد تضعيف الثَّواب كما مرَّ، وقال الدَّاودي أي كان كمن تصدَّق بمثل الجبل. وفي رواية مسلم من طريق سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( حتَّى تكون أعظم من الجبل ) ). وفي رواية ابن جرير من وجهٍ آخر عن القاسم (( حتَّى يوافي بها يوم القيامة وهي أعظم من أُحد ) ).

وفي رواية القاسم عند التِّرمذي بلفظ (( حتَّى إنَّ اللُّقمة لتصير مثل أُحد ) )قال وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات} [البقرة 276] . وزاد عبد الرَّزَّاق في روايته من طريق القاسم أيضًا (( فتصدَّقوا ) ).

(تَابَعَهُ) أي تابع عبد الرَّحمن (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلال (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهذه المتابعة ذكرها المؤلِّف في التَّوحيد [خ¦7430] فقال وقال خالد بن مخلد، عن سُليمان بن بلال فساق مثله إلَّا أن فيه مخالفةً يسيرة في اللَّفظ، وقد وصله أبو عوانة والجوزقي، ومن طريق محمَّد بن معاذ بن يوسف، عن خالد بن مخلد بهذا الإسناد.

وقد وقع في «صحيح مسلم» حدَّثنا أحمد بن عثمان ثنا خالدُ بن مخلد، عن سليمان، عن سُهيل، عن أبي صالح، ولم يسق لفظه كلَّه، وهذا إن كان أحمد بن عثمان حفظه فلسُليمان فيه شيخان عبد الله بن دينار، وسُهيل بن أبي صالح.

(وَقَالَ وَرْقَاءُ) هو ابن عمر بن كُليب اليشكري (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالتحتية والمهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يعني أنَّ ورقاء قد خالف سليمان وعبد الرَّحمن، فجعل شيخ ابن دينار فيه سعيد بن يسار بدلَ أبي صالح.

قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة، ثمَّ قال في كتاب التوحيد وقد ذكرت في الزَّكاة أنِّي لم أقف على رواية ورقاء هذه، ثمَّ وجدتها بعد ذلك فقد وصلها البيهقي من رواية أبي النَّضر هاشم بن القاسم حدَّثنا ورقاء.

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي روِّيناه في (( الجزء الرَّابع من فوائد أبي بكرٍ الشَّافعي ) )قال حدَّثنا محمَّد، يعني ابن غالب، حدَّثنا عبد الصَّمد، حدَّثنا ورقاء، وقد أشار الدَّاودي إلى أنَّ هذه الرِّواية

ج 7 ص 55

وهم؛ لتوارد الرُّواة عن أبي صالح دون سعيد بن يسار، وليس ما قال بجيِّد؛ لأنَّه محفوظ عن سعيد بن يسار من وجهٍ آخر، أخرجه مسلم، قال حدَّثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن سعيد بن يسار، أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما تصدَّق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلَّا الطَّيب، إلَّا أخذها الرَّحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كفِّ الرَّحمن حتَّى تكون أعظم من الجبل كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه أو فَصيله ) ). وأخرجه التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه أيضًا.

(وَرَوَاهُ) أي الحديث المذكور (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) السُّلمي المدني، وقد وصلها القاضي يوسف بن يعقوب في كتاب (( الزَّكاة ) )قال حدَّثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي ثنا سعيد بن سلمة هو ابن أبي الحسام عنه به.

(وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ) مصغَّر سهل، وهو يروي عن والده أبي صالح، وقد وصلهما مسلم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وإنَّما قال أولًا تابعه وثانيًا وقال ورقاء، وثالثًا ورواه، مع أنَّ الثالث أيضًا فيه متابعةٌ؛ لأنَّ الثَّلاثة تابعوا ابن دينار في الرِّواية عن أبي صالح؛ لأنَّ الأوَّل [1] متابعة؛ لأن اللَّفظ فيه بعينه لفظه، والثَّالث رواية لا متابعة لاختلاف اللَّفظ إذ لفظ الثَّالث أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا يتصدَّق أحد بتمرة من كسب طيِّب إلَّا أخذ الله بيمينه يربيِّها كما يربِّي أحدكم فلوَّه أو قلوصه حتَّى يكون مثل الجبل أو أعظم ) ). والثَّاني، لما لم يكن على سبيل النَّقل والرِّواية بل على سبيل المذاكرة، قال بلفظ القول، والله أعلم.

[1] قوله لأنَّ الأوَّل متعلِّق بقولهِ (( وإنَّما قال ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت