1419 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابن زيَّاد أبو بشر، قال (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بضم المهملة وتخفيف الميم، والقَعْقَاع، بقافين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة وآخره عين مهملة أيضًا، هو ابن شبرمة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) بضم الزاي، هرم وقيل عبد الرَّحمن، وقيل عمرو.
(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون أبا ذرٍّ رضي الله عنه، ففي «مسند أحمد» عنه أنَّه سأل أيُّ صدقةٍ أفضل، وكذا روى الطَّبراني من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنَّ أبا ذرٍّ رضي الله عنه سأل، لكن جوابه جهد من مقل أو سرٌّ إلى فقير.
(إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ) أعظم الصَّدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) بتشديد الصاد والدال، أصله أن تتصدَّق من باب التفعُّل فأُبْدِلَتْ إحدى التَّائين صادًا وأُدغمت، ويجوز تخفيفُ الصاد [1] بحذف إحدى التَّائين، والمتصدِّق هو الذي يعطي الصَّدقة، وأمَّا المصدِّق من باب التفعيل فهو الَّذي يأخذ الصَّدقة.
(وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ حاليَّة (شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى) بضم الميم؛ أي تطمع بالغنى والصَّدقة في هاتين الحالتين أشدُّ مجاهدةً للنفس على إخراج المال مع قيام المانع وهو الشُّح، إذ فيه دلالةٌ على صحَّة القصد وقوَّة الرَّغبة في القربه فتكون
ج 7 ص 71
أعظم أجرًا.
(وَلاَ تُمْهِلَ) بالنصب عطفًا على أن تصَّدق؛ أي وأنْ لا تمهل من الإمهال وهو التَّأخير، ويُروى بسكون اللام على النهي (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) أي الرُّوح، بدَلالة سياق الكلام عليه، والمراد منه قاربت البلوغ؛ إذ لو بَلَغَتْهُ حقيقةً لم تصحَّ وصيَّتهُ ولا شيء من تصرُّفاته.
(الْحُلْقُومَ) بضم الحاء، هو الحلق. وفي «المخصص» عن أبي عبيدة هو مجرى النَّفس والسُّعال من الجوف (قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا) كنايةٌ عن الموصَّى له، وقوله كذا، كناية عن الموصَّى به (وَقَدْ كَانَ) والحال أنَّه قد صار ما أوصى به (لِفُلاَنٍ) يعني الوارث.
وحاصل المعنى أفضل الصَّدقة أن تتصدَّق حال حياتك وصحتك مع احتياجك إليه واختصاصك به، وشحُّ نفسك بأن تقولَ لك لا تتلِفْ مالك كيلا تصير فقيرًا لا في حال سُقمك وسياق موتك، لأنَّ المال حينئذٍ خرج عنك وتعلَّق بغيرك فلذلك يبطله إن شاء إذا زاد على الثَّلث أو أوصى به لوارثٍ آخر، ويشهد لهذا التَّأويل حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( لأن يتصدَّق المرء في حياته بدرهم خيرٌ له من أن يتصدَّق بمائة عند موته ) ).
وقال الخطَّابي فيه دليلٌ على أنَّ المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأنَّ سخاوته بالمال في مرضهِ لا تمحو عنه سمَة البُخل. وكذلك شرط أن يكون صحيحَ البدن شحيحًا بالمالِ يجد له وقعًا في قلبه لما يأملهُ من طول العمر، ويخافُ من حدوثِ الفقر.
وروى أبو الدَّرداء رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( مثلُ الَّذي يعتق عند الموت كالَّذي يهدي إذا شبعَ ) ). ولمَّا بلغَ ميمون بن مهران أنَّ رقيَّة امرأة هشام ماتت وأعتقتْ كلَّ مملوكٍ لها، قال يعصون الله في أموالهم مرَّتين يبخلونَ بما في أيديهم، فإذا صارتْ لغيرهم أسرفوا فيها، والله الموفق.
[1] من قوله (( أن تتصدَّق ... إلى قوله تخفيف الصاد ) )ليس في (خ) .