1443 - 1444 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) على صيغة التَّصغير، هو ابن خالد، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّق) وفي الرِّواية الآتية . ووقع عند مسلم من طريق سفيان عن أبي الزَّناد (( مثل المنفق والمتصدِّق ) ).
قال القاضي عيَّاض وهو وهمٌ، ويمكن أنَّه حَذَفَ مقابلِهَ لدلالة السِّياق عليه.
وقال النَّووي وقع في باقي الرِّوايات مثل البخيل والمتصدِّق، وقد يحتمل إن صحَّت رواية المنفق والمتصدِّق أن يكون فيه حذف تقديره مثل المنفق والمتصدِّق، وقسميهما وهو البخيل وحذف لدلالة المنفق والمتصدَّق عليه كقوله تعالى {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} الآية [النحل 81] ؛ أي والبرد. ووقع في بعض «الأصول» والمصَّدق، بتشديد الصاد،
ج 7 ص 123
ووجهه أن تُقلب التَّاء صادًا ثمَّ تدغم الصاد في الصاد، كما هو مقتضى القاعدة.
(كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ) وفي رواية عمرو (( رجل ) )بالإفراد، وكأنَّه تغيير من بعض الرُّواة وصوابه رجلين (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضم الجيم وتشديد الموحدة. كذا في هذه الرِّواية، وفي روايةٍ أخرى وستأتي إن شاء تعالى [خ¦1444] بالنون.
ولم يسق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق. نعم، أخرجه بهذا الإسناد في الجهاد عن موسى بتمامه ولفظه [خ¦2917] (( مثل البخيل والمتصدِّق مثل رجلين عليهما جبَّتان، بالموحدة من حديدٍ قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما فكلَّما هم المتصدِّق بصدقته اتَّسعت عليه حتَّى تعفِّيَ أَثَرهَ، وكلمَّا هم البخيل بالصَّدقة انقبضتْ كلُّ حلْقةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه وانضمَّت يداه إلى تراقيه ) )، فسمع النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتسع ) ).
وأخرجه مسلم أيضًا في الزَّكاة، وكذا النَّسائي.
(وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، قال (حَدَّثَنَا أبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وفتح النون، عبد الله بن ذكوان (أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ) بن هرمز الأعرج (حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ) من الإنفاق، وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦1443] .
(كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضم الجيم وتشديد الموحدة، كالرواية السَّابقة، ومَن رواه هنا بالنون بدل الموحَّدة فقد صحَّف. كذا قال القاضي عيَّاض، وكذا رواية الحسن بن مسلم.
نعم، قال الحافظ العسقلاني واختلف في رواية الأعرج، والأكثر على أنَّها بالموحَّدة أيضًا. ووقع في رواية مسلم (( كمثل رجلٍ عليه جُبَّتان أو جنَّتان ) )وقال النَّووي فالأوَّل بالباء والثَّاني بالنون. ووقع في بعض الأصول عكسه.
وقال ابن قُرْقول والنُّون أصوب بلا شكٍّ وهي الدِّرع، يدل عليه قوله في الحديث (( لزقتْ كلُّ حلقة. ) )وفي لفظ (( فأخذت كلُّ حلقةٍ موضعها ) )، وكذا قوله (( من حديد ) )، ورواه حنظلة بن أبي سفيان الجُمحي، عن طاوس بالنُّون، كما يجيء عن قريبٍ [خ¦1444] ، ورجَّحت هذه الرِّواية بما قاله ابن قُرْقول.
والجنَّة هي الحصن في الأصل، وسمِّيت بها الدِّرع؛ لأنَّها تجن صاحبها؛ أي تحصنه. والجبَّة، بالباء الموحدة، هي الثَّوب المعين.
ج 7 ص 124
وقال الحافظ العسقلاني ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع، وتعقَّبه العيني بأنَّ الجبة، بالباء، لا تحصَّن مثل الجنَّة بالنون.
وقال الزَّمخشري في «الفائق» جنَّتان بالنون في هذا الموضع بلا شكٍّ ولا اختلاف. وقال الطِّيبي هو الأنسب؛ لأنَّ الدِّرع لا يسمَّى جبَّةً بالباء بل بالنون.
(مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية، جمع ثُدِي أصله ثُدُوْي، كفَلس فُلُوس فأعلَّ كما أعلَّ نحو صِليٍّ وعِتيٍّ وفي رواية بالتثنية (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) جمع تَرْقُوة، بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف، والترقوتان هما العظمان المشرفان في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر وهي الَهْزَمة الَّتي بينهما، ويقال التَّرائق أيضًا على القلب.
(فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ) شيئًا (إِلاَّ سَبَغَتْ) بفتح السين المهملة والموحدة والغين المعجمة؛ أي امتدَّت وغطت، وقيل؛ أي كملت وتمَّت (أَوْ وَفَرَتْ) بتخفيف الفاء، من الوفور، بمعنى كملتْ، والشكُّ من الرَّاوي.
وفي «التَّلويح» سبغت أو مرَّت، وقال النَّووي وقيل صوابه يعني في مسلم مدَّت بالدال بمعنى سبغتْ أو انبسطت. وفي بعض نسخ البُخاري بدال مخفَّفة، من ماد، إذا مال، ورواه بعضُهم مارتْ بالراء، ومعناه سالت عليه وامتدَّت.
قال الأزهريُّ معناه تردَّدت وذهبت وجاءت بكمالها.
(عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضم المثناة الفوقية وسكون الخاء المعجمة. وفي رواية الحميدي (( حتَّى تُجِنَّ ) )بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم وتشديد النون؛ أي حتى تستر من أجنَّ إذا ستر، وكذلك جنَّ بمعناه (بَنَانَهُ) أي أصابعه، ويروى بالمثلثة، قيل وهو وهمٌ، وقد وقع في رواية الحسن بن مسلم (( حتى تغشى بنانه ) )بالغين والشين المعجمتين (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة والمثلثة، وتعفَو نصب عطفًا على تخفي.
وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة، وعفا يستعمل لازمًا ومتعدِّيًا تقول عَفَت الديارُ إذا درستْ وغطَّاها التُّراب، وعفاها الرِّيح إذا طمسها، وهو في الحديث متعدٍّ؛ أي تمحو أثَرَ مشيه بسبوغها وكمالها.
وقال الدَّاوديُّ تُعْفِي أَثَر صاحبها بمرور الزَّيل عليه؛ لأنَّ المنفق إذا أنفق طال ذلك اللِّباس الذي عليه حتَّى
ج 7 ص 125
يجرَّه بالأرض.
(وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا) ولو قليلًا (إِلاَّ لَزِقَتْ) بكسر الزاي؛ أي التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا) كل حلْقة بسكون اللام. وفي رواية مسلم (( انقبضت ) )، وفي رواية همَّام (( عضَّت كلُّ حلقة ) )، وفي رواية سفيان عند مسلم (( قلصت ) ). وكذا في رواية الحسن بن مسلم عند المؤلِّف [خ¦5797] والمفاد واحد.
(فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ) ويُروى بالفاء بدل الواو، وفي رواية مسلم قال أبو هريرة رضي الله عنه (( فهو يوسِّعها ولا تتَّسع ) )، وهذه الرِّواية وإن كانت توهم أنَّه مدرج، لكن وقع التَّصريح برفع هذه الجملة في طريق طاوس عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي رواية ابن طاوس عند المؤلِّف في الجهاد [خ¦2917] (( فسمع النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول فيجتهد أن يوسِّعها ولا تتَّسع ) ). وفي روايةٍ لمسلم فسمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكره، وفي رواية الحسن بن مسلم عندهما فأنا رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول بإصبعه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسِّعها ولا تتَّسع.
وعند أحمد من طريق ابن إسحاق عن أبي الزِّناد في هذا الحديث (( وأمَّا البخيل فإنها لا تزداد عليه إلَّا استحكامًا ) )وهذا بالمعنى.
قال الخطَّابي هذا مثل ضربه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للجواد والبخيل وشبَّههما برجلين أراد كل واحدٍ منهما أن يلبس درعًا يستتر به من سلاح عدوِّه فوضعها على رأسه ليلبسها، والدِّرع أوَّل ما يلبس، إنَّما يقع على الصدر والثَّديين إلى أن يسلك لابسها يديه في كميه ويرسل ذيلها على أسفل بدنه. فجعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل المنفق كمثل من لبس درعًا سابغةً فاسترسلت عليه حتَّى سترت جميع بدنه وحصَّنته، وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، فإذا أراد لبس الدِّرع حالت يداه بينها وبين أن تمرَّ سفلًا على البدن واجتمعت في عنقه فلزمتْ ترقوته فكانت ثقلًا ووبالًا عليه من غير وقايةٍ له وتحصينٍ لبدنه.
ج 7 ص 126
وحاصله أنَّ الجواد إذا همَّ بالنفقة اتَّسع لذلك صدره وطابت بها نفسه، وطاوعت يداه فامتدَّتا بالعطاء، وإنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه وضاق صدرُه وانقبضتْ يداه عن الإنفاق {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الآية [الحشر 9] .
وقال النَّووي هو تمثيلٌ لنماء المال بالصَّدقة والإنفاق، والبخل بضدِّ ذلك. وقيل ضرب المثل بهما؛ لأنَّ المنفق يستره الله بنفقته ويستر عوراته في الدُّنيا والآخرة كستر هذه الجنَّة لابسها، والبخيل كمَن لبس جبَّة إلى ثدييهِ فيبقى مكشوفًا ظاهر العورة مفتضحًا في الدَّارين. وقيل هو تمثيلٌ لكثرة الجود والبُخل، وإنَّ المعطِي إذا أعطى انبسطتْ يداه بالعطاء وتعوَّد ذلك، وإذا أمسكَ صار ذلك عادةً له.
وقال ابن بطَّال يريد أنَّ المنفق إذا أنفق كفَّرت الصَّدقة ذنوبه ومحتها كما أنَّ الجبَّة إذا أسبغت عليه سترته ووقته، والبخيل لا تطاوعهُ نفسه على البذلِ فيبقى غير مكفَّرٍ عنه الآثام، كما أن الجبَّة تبقي من بدنه ما لا تستره فيكون معرض الآفات.
وقال الطِّيبي شبَّه السَّخي، إذا قصد التصدق يسهل عليه، بمن عليه الجبَّة ويده تحتها، فإذا أراد أن يخرجها منها يسهل عليه، والبخيل على عكسه، والأسلوب من التَّشبيه المفرق.
قال وقيَّد المشبَّه به بالحديد إعلامًا بأن القبض والشِّدة جبلَّة الإنسان، وأوقع المتصدق موقع السخيِّ مع أن مقابل البخيل هو السخي لا المتصدِّق؛ إشعارًا بأنَّ السخاوة هو ما أمر به الشَّرع، وندب إليه من الإنفاق لا ما يتعاناه المبذِّرون ويتعاطاه المسرفون.
وقال المهلِّب المراد أنَّ الله تعالى يستر المنفق في الدنيا وفي الآخرة، بخلاف البخيل فإنَّه يفضحه، ومعنى (تعفو أثره) تمحو خطاياه.
وتعقَّبه القاضي عياض بأنَّ الخبر جاء على التَّمثيل لا على الإخبار عن كائنٍ، والله أعلم.
(تَابَعَهُ) أي تابع ابنَ طاوس (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن يَنَّاق، وقد مرَّ ذكره في باب من بدأ بشقِّ رأسه الأيمن في الغسل [خ¦277] (عَنْ طَاوُسٍ) أي في روايته عنه (فِي الْجُبَّتَيْنِ) بالموحدة، وأخرج المؤلِّف هذه المتابعة في اللِّباس في باب جيب القميص [خ¦5797] .
(وَقَالَ حَنْظَلَةُ) هو ابن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ جُنَّتَانِ) بالنون بدل الموحدة. وهذا التعليق ذكره المؤلِّف أيضًا في اللِّباس معلِّقًا [خ¦5797]
ج 7 ص 127
ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأرزق، عن حنظلة.
(وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابن سعد (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍ) عبد الرَّحمن الأعرج (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنَّتَانِ) بالنون.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم يقع لي رواية اللَّيث موصولةً إلى الآن، وقد تقدَّم الكلام في الترجيح بين الرِّوايتين [خ¦1443] .