1445 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ القصَّاب، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء؛ أي ابن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة عامر (عَنْ جَدِّهِ) أي جد سعيدٍ أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) قال الحافظ العسقلاني أي على سبيل الاستحباب المتأكِّد أو على ما هو أعمُّ من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( على المسلم ستُّ خصالٍ ) )فذكر منها ما هو مستحبٌّ اتفاقًا.
وقال القرطبي ظاهره الوجوب لكن خفَّفه عزَّ وجلَّ؛ حيث جعلَ ما خَفي من المندوبات مسقطًا له لطفًا منه وتفضُّلًا. وقال العيني ويمكن أن يحملَ ظاهر الوجوب على مسلم رأى محتاجًا عاجزًا عن التَّكسب، وقد أشرفَ على الهلاك، فإنَّه يجب عليه أن يتصدَّق عليه إحياءً له.
وقال الجمهور ليس في المال حقٌّ سوى الزَّكاة إلَّا على وجه النَّدب ومكارم الأخلاق.
وقال القرطبيُّ أيضًا أطلق الصَّدقة هنا وبيَّنه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بكلِّ يومٍ أخرجه مسلم عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( كلُّ سلامى من النَّاس عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس ) )الحديث.
وروي عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه مرفوعًا (( يُصبحُ من كلِّ سلامى من أحدكم صدقة ) )والسُّلامى، بضم السين المهملة وتخفيف اللام، المفصل. ولمسلم في حديث عائشة رضي الله عنها (( خلق الله كلَّ إنسان من بني آدم على ستِّين وثلاثمائة مفصل ) ).
ج 7 ص 130
(فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي مَن لم يقدر على الصَّدقة، فكأنَّهم فهموا من الصَّدقة العطيَّة، فقالوا فمن لم يجد، فبيَّن لهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن المراد بالصَّدقة ما هو أعمُّ من ذلك ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف، وهل تلتحق هذه الصَّدقة بصدقةِ التَّطوع التي تحسب يوم القيامة من الفرض الَّذي أخلَّ به، فيه نظر.
قال الحافظ العسقلاني والَّذي يظهر أنَّها غيرها لما تبيَّن في حديث عائشة رضي الله عنها الذي ذكر آنفًا أنها شرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث (( فإنَّه يمسي يومئذٍ وقد زَحزح نفسه عن النَّار ) ).
(قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ) وفي رواية مسلم (( يعتملُ بيديه ) )من الاعتمال، وفيه معنى التكلُّف (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ يُعِينُ) من الإعانة.
(ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ) بالنَّصب صفة ذا، والملهوف يُطلق على المتحسِّر والمضطَّر والمظلوم والعاجز، يقال تلهَّف على الشيء إذا تحسَّر (قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ) وعند البخاري في الأدب [خ¦6022] من وجهٍ آخر عن شعبة (( فليأمُر بالخير أو بالمعروف ) )، وزاد أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن شعبة (( وينهَى عن المنكر ) ).
(وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ) وفي رواية المؤلِّف في الأدب [خ¦6022] (( قالوا فإن لم يفعلْ قال فليُمسك عن الشَّر ) ). كذا لمسلم من طريق أبي أسامة، عن شعبة، وهو أصحُّ سياقًا، وظاهر سياق الباب أنَّ الأمر بالمعروف والإمساك عن الشَّر رتبةٌ واحدة، وليس كذلك بل الإمساك هي الرُّتبة الأخيرة.
(فَإِنَّهَا) بتأنيث الضَّمير باعتبار الخصلة الَّتي هي الإمساك أو باعتبار الخبر (لَهُ) أي للمُمسك (صَدَقَةٌ) فإنَّه إذا أمسك شرَّه عن غيره فكأنَّه قد تصدَّق عليه، بالسلامة منه، فإن كان شره لا يعدو نفسه فقد تصدَّق على نفسه بأن منعها من الإثم.
وقال الزِّين ابن المنيِّر إنَّما يحصل ذلك للمسك عن الشرِّ إذا نوى بالإمساك القربة بخلاف محض التَّرك، قال وليس ما تضمَّنه الخبر من قوله فإن لم يجد، ترتيبًا وإنَّما هو للإيضاح لما يفعله مَن عَجَزَ عن خصلةٍ من الخصال المذكورة، فإنَّه يُمْكِنه خصلة أخرى من أن يعمل بيده فيتصدَّق أو أن يغيث الملهوف، أو أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أو يمسك عن الشَّر فمن أمكنه جميع ذلك فليفعل الجميع. والمقصود من هذا الباب أنَّ أعمال الخير تنزل منزلة الصَّدقات في الأجر ولاسيَّما في حقِّ مَن لا يقدر عليها.
ويفهم منه أنَّ الصَّدقة في حقِّ القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة على فاعلها وأجر الفرض أكثر من النفل لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن الربِّ عز وجلَّ (( وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ مما افترضت عليه ) ).
قال إمام الحرمين عن بعض العلماء ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة. ومحصَّل ما ذُكر في حديث الباب أنَّه لا بدَّ من الشَّفقة على خلق الله، وهي إمَّا بالمال أو بغيره، والمال إمَّا حاصلٌ أو مكتسب، وغير المال إمَّا فعل
ج 7 ص 131
وهو الإعانة، وإمَّا ترك وهو الإمساك. انتهى.
وقيل إنَّ الترك فعلٌ لأنه جَعَلَ الإمساكَ والكفَّ عن الشَّر صدقةً، ولا خلاف أنَّ الصَّدقةَ فِعْلٌ.
وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة ترتيب هذا الحديث أنَّه نَدَبَ إلى الصَّدقة، وعند العجز عنها نَدَبَ إلى ما يقربُ منها أو يقوم مقامها وهو العمل والنَّفع، وعند العجز عنه نَدَبَ إلى ما يقوم مقامَه وهو الإعانة.
وعند عدم ذلك نَدَبَ إلى فعل المعروف؛ أي مِن سوى ما تقدَّم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك نَدَبَ إلى الصَّلاة، فإن لم يُطِق فترك الشَّر وذلك آخر المراتب. قال ومعنى الشَّر هنا ما منعه الشَّرع؛ ففيه تسليةٌ للعاجز عن فعل المندوبات إذا كان عجزُه عن غير اختيارٍ. انتهى.
وأشار بالصَّلاة إلى ما وقع في آخر حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه عند مسلم (( ويجزئ عن ذلك كلِّه ركعتا الضُّحى ) )وهو يؤيِّد ما تقدَّم أنَّ هذه الصَّدقة لا يكمل منها ما يختلُّ من الفرض؛ لأنَّ الزَّكاة لا تكمِّل الصلاة وبالعكس فدلَّ على افتراق الصَّدقتين.
واستُشكل الحديث مع تقدُّم ذكر الأمر بالمعروفِ وهو من فروضُ الكفاية، فكيف تُجزئ عنه صلاة الضُّحى وهو من التَّطوعات؟
وأُجيب بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره فسقط به الفرض، فلو تركَه هو أجزأتْ عنه صلاة الضُّحى؛ لأنَّه سقطَ عنه الفرض بحصوله من غيرهِ.
وقال الحافظُ العسقلانيُّ والَّذي يظهرُ أنَّ المراد أنَّ صلاة الضُّحى تقوم مقام الثَّلاثمائة والسِّتِّين حسنةً التي يُستحب للمرء أن يَسعى في تحصيلها كلَّ يوم ليعتق مفاصله الَّتي هي بعددها، لا أنَّ المراد أنَّ صلاة الضُّحى تُغني عن الأمر بالمعروف وما ذُكر معه وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الصَّلاة عملٌ بجميعِ الجسد فتتحرَّك المفاصل كلها فيها بالعبادة.
ويُحتمل أن يكون ذلك لكون الرَّكعتين تشتملان على ثلاثمائة وستين ما بين قولٍ وفعلٍ إذا جعلتَ كلَّ حرفٍ من القرآن صدقة، وكأنَّ صلاة الضُّحى خُصَّت بالذِّكر لكونها أوَّلَ تطوعات النَّهار بعد الفرض وراتبته.
وقد أشار في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه إلى أنَّ صدقة السُّلامى نهاريَّة؛ لقوله (( يُصبحُ على كلِّ سلامى من أحدكُم ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( كل يومٍ تطلعُ فيه الشَّمس ) )، وفي حديث
ج 7 ص 132
عائشة رضي الله عنها (( فيُمسي وقد زَحزح نفسَه عن النَّار ) ).
وفي الحديث أنَّ الأحكام تجري على الغالب؛ لأنَّ في المسلمين من يأخذُ الصَّدقة المأمور بصرفها، وقد قال على كلِّ مسلمٍ صدقة.
وفيه أيضًا مراجعة العالم في المجملِ وتخصيص العامِّ، وفيه فضل التكسُّب لما فيه من الإعانة وتقديمُ النَّفس على الغير، والمراد بالنَّفس ذات الشَّخص وما يلزمه.
ورجال إسناد الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه رواية الابن عن أبيه عن جدِّه. وقد أخرج متنه مسلم، والنَّسائي في الزَّكاة.