فهرس الكتاب

الصفحة 2288 من 11127

1452 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) على لفظ الفاعل من الإسلام القرشي، قال (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عَمرو.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزيادة، أبو يزيد اللَّيثي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا) الأعرابي البدوي وكلُّ بدوي أعرابي، وإن لم يكن من العرب، وإن كان يتكلَّم بالعربية وهو من العجم فيقال له عرباني، قاله ابن قُرْقول.

وقال غيره الأعرابي نسبة إلى الأعراب، والأعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعربي نسبة إلى العرب وهم الجيلُ المعروف من النَّاس ولا واحدَ له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن.

(سَأَلَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْهِجْرَةِ) أي أن يبايعه على الإقامة بالمدينة، ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فَقَالَ) له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَيْحَكَ) .

قال الدَّاودي ويح كلمة تقالُ عند الزَّجر والوعظ والكراهة لفعل أو قولٍ، هذا، والذي ذكره أهل اللغة في ويح أنها كلمة رحمة

ج 7 ص 159

أو توجُّع لمن وقع في هلكة لا يستحقها.

(إِنَّ شَأْنَهَا) أي القيام بحقِّ الهجرة (شَدِيدٌ) لا يستطيع القيام به إلا القليل (فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا) أي زكاتها، وإنما خصَّ بصدقة الإبل مع أنَّ أداء جميع الواجبات أؤدي زكاتها [1] .

(قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ) معناه إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك، وإن كانت دارك وراء البحار. فإن قيل لا مسكن وراء البحار؟

فالجواب أنَّ المقصود منه فاعمل ولو كنت في أبعد مكان من المدينة ولم يرد منه حقيقته. وقيل المراد من البحار البلاد والقرى، وقد قيل في تفسير قوله تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الروم 41] أي القرى والأمصار.

فإن قيل فهل لمن أراد الهجرة من مكان لا يقدر فيه على إقامة حدود الله ثواب الهجرة إذا تعذرت عليه.

فالجواب نعم، وكذلك كل طاعة، كالمريض يصلي قاعدًا ولو كان صحيحًا لصلى قائمًا، فإن له ثواب صلاة القائم. فإن قيل لم منعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الهجرة؟

فالجواب أنها كانت متعذِّرة على السائل شاقة عليه فكان الإيجاب عليه حرجًا. وأمَّا ما يقال إنَّ هذه القصة كانت بعد نسخ وجوب الهجرة؛ إذ لا هجرة بعد فتح مكة، ففيه أن التاريخ غير معلوم مع أنَّ المنسوخ هو الهجرة؛ من مكة، وأما غيرها فكل موضع لا يقدر المكلف فيه على إقامة حدود الدين فالهجرة عليه منه واجبة.

هذا، وقال المهلب كان هذا القول قبل فتح مكة، إذ لو كان بعده لقالَ لا هجرة بعد الفتح، كما قال لغيره، ولكنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم أنَّ الأعراب قلَّما تصبر على لأواء المدينة.

وقال القرطبي يحتمل أن يكون ذلك خاصًا بهذا الأعرابي لما علم من حاله وضعفه عن المقام بالمدينة. وقيل كانت الهجرة على غير أهل مكَّة من الرَّغائب، ولم تكن فرضًا.

وقال أبو عُبيد كانت الهجرة على أهل الحاضرة ولم تكن على أهل البادية. وقيل إنما كانت

ج 7 ص 160

الهجرة واجبة إذا أسلم بعض أهل البلد ولم يسلم بعضهم لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار، ولأن في هجرته توهينًا لمن لم يسلم وتفريقًا لجماعتهم، وذلك باق إلى اليوم إذ المسلم إذا كان في دار الكفر ولم يكن له إظهار دينه وجب عليه الخروج، فأما إذا أسلم كل من في الدار فلا هجرة عليهم لحديث وفد عبد القيس، وأما الهجرة الباقية إلى يوم القيامة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ).

(فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ) بكسر المثناة الفوقية مضارع وتر؛ أي لن ينقصك (مِنْ) ثواب (عَمَلِكَ شَيْئًا) كما في قوله تعالى {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد 35] أي لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم، ويروى بلم الجازمة بدل لن الناصبة. وفي بعض النسخ بسكون التاء، من الترك.

وفي الحديث فضل أداء زكاة الإبل ومعادلة إخراج حق الله منها لفضل الهجرة، فإن الحديث إشارة إلى أن استقراره بوطنه إذا أدى زكاة إبله يقوم له مقام ثواب هجرته وإقامته بالمدينة، فكأنه قال اعمل الخير أينما كنتَ، ولو كنت في أبعد مكان من المدينة، فإن الله يجزي بالنَّية، فإذا أديت ما وجب عليك من حقوق الله فإن الله لا يضيع أجر حسناتك.

والحديث أخرجه المؤلف في الهجرة [خ¦3923] ، والأدب [خ¦6165] ، والهبة أيضًا [خ¦2633] . وأخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في البيعة والسير.

[1] كذا في الأصل وفي عمدة القاري ... جمع الواجبات واجبٌ؛ لأنه كان من أهل الإبل، والباقي منقاسٌ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت